بقلم: السيد نجم
يقول "د.محمد عبدالله الجعيدى" في تقدمته للببليوجرافي الهام عن الأدب الفلسطيني: "وللتدليل على الإهمال الذي لاقاه الأدب الفلسطيني، لأسباب غير موضوعية، تكفى الإشارة إلى أنه حتى عام 1967م، لم يعرف على صعيد البحث الجامعى غير أطروحتين جامعيتين. الأولى بعنوان: "حياة الأدب الفلسطيني الحديث من النهضة حتى النكبة" للباحث "عبد الرحمن ياغى (عن جامعة القاهرة). والثانية بعنوان: "موقف الشعر العربي الحديث عن محنة فلسطين من2-11-1917الى 31-12-1955للباحث "كامل السوافيرى" (عن جامعة القاهرة)."ص10
مع ذلك فقد لاقت القضية الفلسطينية وأدبها ما تستحقه، من داخل فلسطين وخارجها، ومنها ما تناوله كاتب تلك السطور حول التجربة الحربية الابداعية فى فلسطين فى كتابه (المقاومة والحرب فى الرواية العربية)، وحول الانتفاضة فى كتابه (المقاومة والقص فى الأدب الفلسطينى.. الانتفاضة نموذجا).
الا أن الشعور بالتقصير ما زال قائما، لعدم تأمل ومتابعة العديد من الرواد الفلسطينيين، وهو بالضبط ما نسعى لمتابعته وتصحيحة بتلك الوقفة السريعة مع أحد رواد المسرح الشعرى الفلسطيني، الشاعر "برهان الدين العبوشى".
ان كانت القسمة المناسبة للأدب الفلسطيني، يلائم القسمة حسب "التجربة الحربية" التي عاشها الشعب الفلسطيني، نظرا لارتباط الابداع الفلسطينى المعاصر فى أغلبه بتلك التجربة، وهى:
المرحلة الأولى.. الفترة التي تبدأ مع بدايات القرن العشرين وحتى عام النكبة (1948م).
المرحلة الثانية .. الفترة من 1948 حتى 1967م.
المرحلة الثالثة .. الفترة من 1967 حتى بداية الانتفاضة الأولى 1987م.
المرحلة الرابعة ..تلك الفترة التي عبرت عن انتفاضة الحجارة، وانتفاضة القدس .....
إجمالا فان المرحلة الأولى شهدت ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الإحيائي الذي ينتمي إلى ملامح الأدب العربي عموما والانتماء إليه، وبرز جليا في الشعر وليس في الرواية- أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الرومانسي، وربما هروبا من الواقع القاس المعاش ورفضا له، لكن دون أن ينسى أصحابه الوطن. أما الاتجاه الثالث، وقد تبلورت الأحداث وأنتجت أفكارها وأناسها، فكان الاتجاه الواقعي النقدي. لقد اشتعلت الثورة هنا وهناك، واستشهد الأدباء قبل غيرهم. (أول قصيدة كتبت على الأوزان الحرة في فلسطين كتبها "محمد إسعاف النشاشى" في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت مرثية في الشاعر "أحمد شوقي"، كما شهدت تلك الفترة أول قصيدة نثرية للشاعر"حسن البحيري" بعنوان "أحلام البحيرة"..حيث كانت فترة فوران وتمرد على الواقع المعاش هناك والأحداث الدموية بداية من "ثورة البراق"، ثم الثلاثاء الحمراء حيث اعدم الشيخ فرحان السعدي، واستشهاد الشيخ عز الدين القسام، كما أجهض الإضراب العام بكل شراسة وقسوة المستعمر.)
كما أن تلك المرحلة السابقة على عام48، ومع اقتراب التاريخ المشئوم، بدت إرهاصات التوجس من "النكبة.
أما وقد وقعت الواقعة وكان عام النكبة بعد الصراع الدموى، بدا بعض
الكتاب الفلسطينيين حريصون على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م. كما بدا موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة. ذلك فى ضوء استحضار رموز الأندلس المكانية/ الأدبية /بل والقيادات الحاكمة مع استحضار الوقائع الأندلسية الشائعة. وكانت مسرحية رائد المسرح الشعرى الفلسطينى "برهان الدين العبوشي"، وهى المسماة "شبح الأندلس". وان كان الشاعر أطلق عليها بداية عنوان "أخت الأندلس" تشبها بما حدث بالأندلس حدث فى فلسطين، إلا أن الأصدقاء اقترحوا عليه اسما آخر، فكان بدلالة التشاؤم نفسها، وهى حالة الشاعر وعاطفته ورؤيته، وهذا حقه (ما أشار اليه د.أسامة جمعة الأشقر فى مقدمته للمسرحية المنشورة فى حزيران 2006م).
ففي أواخر القرن الرابع الهجري بدأت الضربات من البربر، وتمزقت الأندلس إلى ممالك صغيرة (دولة الطوائف) ثم عبر المرابطون البحر واستولوا على تلك الممالك لتصبح الأندلس ضمن ممالك المغرب. جاء الموحدون واستولوا على الأندلس والمغرب لمدة مائة وخمسين سنة. فلما بدأت الصراعات الجديدة وضعف الموحدين، فقدت الأندلس أغلب مساحاتها إلا من مملكة "غرناطة".. (إلا أن تلك الفترة نفسها أنتجت أفضل العقول :ابن رشد، ابن طفيل، ابن باجة،..وغيرهم). ويطلق هذا الاسم على المنطقة التي تقع جنوب نهر الوادي الكبير حتى البحر المتوسط جنوبا، وأشبيلية شمالا، وجنوبا "قرطاجنة"..ويسمى هذا الإقليم حتى الآن بالأسبانية "أندلسيا" أو "الأندلس".
عاشت غرناطة على توجس من المملكة النصرانية الأسبانية المجاورة "قشتالة" حتى تمكن ملكاها "فرناندو" و"ازابيلا" من توحيد الذات والتخلص من خلافاتهما الداخلية، ثم تفرغوا للسيطرة على غر ناطة.. ونجحا.
ستبقى الأندلس دائما في حاجة إلى إعادة التأمل من الجوانب المختلفة.. ليس بدافع نزعة شوفونية، بل هو التفكير العلمي من أجل البحث عن الأسباب. خصوصا أن حضارة الأندلس تعد من الحضارات المعقدة، فقد تشكلت بالعقلية الإسلامية المتفتحة مع قدر هائل من التكيف والمواءمة، تلك العقلية التي تركت رواسبها ومخلفتها الثقافية (حسب التعبير الأنثروبولوجي) حتى الآن.
لقد اتسم المنتج الابداعى فى تلك الفترة، بعدد من المحاور: الدعوة إلى الجهاد من أجل توطيد الدولة الجديدة.. الدعوة إلى اتحاد الإمارات بالأندلس بعدما تقسمت الأندلس إلى دويلات.. البكائيات والنزعات الانتقادية للملوك والحكام وطلب الثأر والنجدة من العرب.. أشعار المقاومة السلبية نتيجة الإحساس بالقهر والإحباط.
يجىء "برهان الدين العبوشى" مستلهما روح الأندلس، وقد عاش فى خضم الصراع مشاركا فى ثورة فلسطين عام 1936-1939م، وقد اعتقل، حتى استطاع الرحيل الى العراق ليشارك فى ثورة "رشيد الكيلانى" عام 1947، ثم يهرب الى دمشق ثم الى "جنين". كما شارك فى الصراع بقلمه، حيث كتب أربع مسرحيات "وطن الشهداء"، "شبح الأندلس"، "عرب القادسية"، و"الفداء". كلها تتضمن مفاهيم وملامح أدب المقاومة، وقد
وافته
المنية في شباط 1995م، ليرحل بجسده وتبقى أعماله بين مريديه وقرائه بفضل جهد ولديه "سماك" و"حسن" فى اعادة طبع ونشر وتوزيع هذا الجهد الانسانى المناضل من أجل المقاومة.
لأنه رائد المسرح الشعرى الفلسطيني، ولأنه يملك رؤية مقاومة صبرت وناضلت من أجل وطنه، نتوقف أمام أحد أعماله، مسرحية "شبح الأندلس".. كتبت عام 1948م، حول معركة "جنين" بين العرب والمستوطنين اليهود.
"لا حمد الا لله، أما بعد، فان هذه النكبة التى ألمت بالبلاد، وأهلكت العباد.. انما مهد لها جهل القادة، وجشع السادة، وجبن الذادة، فهي من قديم تنذر بها الأيام، فلقد ذر قرنها بقرنين قبل صلاح الدين ومعركة حطين، ولم يكن فى العرب بعد ذلك مؤمن تنفعه الذكرى"...
ترجع أهمية تلك المقدمة (الطويلة)، في إبراز الجانب المباشر لوجهة نظر الكاتب، قبل الولوج الى العمل الأدبى (المسرحية) فيبدو متشائم ويشعر بقلة الحيلة. الا أنه لم يختم مقدمته قبل الاشارة الى موضوع العمل "معركة جنين" مؤكدا قوله: "هى الوحيدة التى تسمى معركة حربية بحق، العدو أحدق بها ودخل ثم أخرج منها إخراجا، ان هذه المعركة عظة وعبرة للعرب، إذا صمموا وقاتلوا ولو بفئة قليلة فانهم يغلبون فئة كثيرة". وهكذا أصحاب الطموحات والأفكار الكبيرة.. غالبا يبدون على النقيض، وان غلب التشاؤم أو التفاؤل ، فهو وليد الموقف، إلا أنهم دوما يعرفون الهدف ويقيسون كم اقترب وكم ابتعد، وهذا هو سر انفعاليتهم، ومنهم الشاعر الرائد "برهان الدين". وليس أدل على ذلك، حرص الكاتب على ذكر أسماء القادة العسكريين المنتصرين فى تلك المعركة، وهم "المقدم نوح"، "العقيد الركن صالح زكى"، و"الزعيم طاهر الزبيدى".. وها نحن نذكرهم بذكره لهم.
تقع المسرحية فى ثلاثة فصول، واثنا عشر منظرا.. الفصل الأول:(المنظر الأول)
يدخل المسرح بعد ازاحة الستار شاعر وفى يده كتاب، وراعى بقر بيده عصاه وجرابه..
الشاعر: "بلادى سئمت العيش فى القيد ليتنى يفك اسارى أو أغيب فى قبرى
ولو كنت ذا مال لأصغوا جميعهم الى ولو أنى دعوت الى كفر"
الراعى: "حنانك لا تنفك تندب أمة تصفق للأصنام عجبا وما تدرى
فوفر عليك الدمع يا صاح وامتشق حساما فعضو الشر عولج بالبتر"
(يدخل المعلم محمود ويقرأ صحيفة..
"تعالا اقرأا الخبرا عن (بلودان) والوزرا"
(حيث بلودان قرية قرب دمشق، انعقد فيها مؤتمر لجامعة الدول العربية، وأصدر قرارات سرية، كما يقول العبوشى)
وهكذا يعرض المنظر الأول لبعض الأحوال السياسية والآراء السياسية سواء للرسميين والشعبيين فى تلك الفترة، ويلح الشاعر على شعور بالاحباط والتوجس.
(المنظر الثانى)
يزال الستار ويدخل الشاعر ومحمود باللباس الافرنجى وبالكفية والعقال..
الشاعر: "أسمعت همس الناس فى آيار حسبوه شهر مكارم وفخار
هذى المعارك عند (سلمة) أضرمت وشبابها وثبوا لغسل العار"
("سلمة" هى قرية تكرر ذبح اليهود لأهلها، فثارت وأبلت البلاء الحسن. كما أن "آيار" هو الشهر الذى انتهى فيه الانتداب البريطانى عن فلسطين، تمهيدا لسطوة اليهود عليها)
محمود: "الشعر ناقوس النيام وانه فى الظالمين كصارم بتار"
سعدى: " سلاما أيها الخلان
محمود: " أهلا يا أخا العرب"
سعدى: "وما للشاعر العربى قد أمسى على كرب"
الشاعر: "أخى عفوا فانى اليو م سكران بلا شرب
شرابى ليس من عنب شرابى ليس بالعذب
فاخوانى نأوا عنى ولبوا دعوة الرب
مضت (صفدا) و(حيفا) ثم (يافا) منتهى حبى
ومازلنا هنا ندعو (الى الحرب الى الحرب) "
وتتضح الصورة أكثر باحتلال الكثير من القرى الفلسطينية، يعددها بالاسم ويؤكد الشاعر فى هذا المنظر.
(المنظر الثالث)
(يزاح الستار. الشاعر وسعدى فى ساحة المعركة، وفى يد الشاعر منظار...)
سعدى: "أصبر قليلا
الشاعر: لنهجم
سعدى: بل لننتظر الجوابا
بعثت الى المقدم مستشيرا وانى قد كتبت له خطابا"
بدأت المعارك إذن، جسدها المنظر الثالث سريعا.. بينما ينتهى المنظر بمقدم سيدة وفتاتين، يشكون الاغتصاب على يد اليهود، ويطلب البدوي والشاعر بالثأر.
(المنظر الرابع)
يزاح الستار، ثم يدخل الشاعر ومحمود وسعدى بعد اتمام حراسة مدينتهم، وبعد انسحاب جيش الانقاذ الى بلاد الشام.
الشاعر: "أخى قد هاجنى حقدى لعل العز فى اللحد
محمود: ومن هو رأسهم قل لى؟
الشاعر: غريب ظاهر الحقد
سعدى: أجاء ينفذ التقسيم فى (الأقصى) وفى (المهد)؟
الشاعر: أتعرف قصة الكبد مع الهرين يا سعدى؟
قد اختصما على التقسـ ـيم فاحتكما الى القرد"
فى هذا المنظر اشارات واضحة لقائد الجيوش العربية الانجليزى "كلوب باشا".. وأيضا ردد الشاعر اسماء القادة المكافحين والسيدات المشرفات على علاج الجرحى، ثم ذيل الفصل مبررا ذلك بأنه يرى ذلك ضروريا، حتى يعلم العالم أن العرب أهل للبقاء، وفيهم مخلصون.
الفصل الثانى.. (المنظر الأول)
(نوح وجماعة من جنده على تل "خروبة" ومعهم الشاعر وسعدى ومحمود بسلاحهم. نوح ينظر جهة "زرعين" و"المزار")
نوح: "لقد سقطت "زرعين واستحوذ العدا عليها
الشاعر: وما فيها من الانس مرشد"
محمود: ضــاعت
الشاعر: ستشهد
"ولجوننا" قد ضاعت أمس ولم يعد وها نحن نمشى القهقرى"
........
نوح: بلى فاثبتوا أنتم هنا وتربصوا فان عذاب المؤمنين نعيم
نقاتل حتى لا تلوم نساؤنا فان عتاب الأمهات جحيم"
وينتهى المشهد بالاقتراب أكثر من تفاصيل معركة ما، وقد وضحت المشاعر وتجلت روح المقاومة، ليس فقط لدى الرجال وعند الأمهات والزوجات.
(المنظر الثانى)
تسمع صوت طلقات ثم يزاح الستار، المسرح هو مدينة جنين أثناء الاشتباك فى تل "خروبة"، ويشغل المسرح بعض المجاهدين. تدخل امرأة فزعة تجر أطفالها.
المرأة: "ألا أسرعوا
أحد الأطفال: أماه أين مسيرنا؟
المرأة: ألا أسرعوا ان اليهود تقدموا
(تخرج المرأة بأطفالها)
هاهى الصورة والدلالة فى بقية المنظر، الا أن الصمود باق عند المجاهدين.
(المنظر الثالث)
يمكن دمج هذا المنظر مع الثانى دون اسدال الستار. نوح وجنده فى القلعة، قرب نوح جهاز لاسلكى، على الطرف الآخر رجال ونساء وأطفال محاصرون.
نوح (فى الجهاز): "هلو هلو أسد ينادى
اليك اليك
قد هاجم الأعدا وأقفلوا السدا
صوت يرد: هلو هلو أسد اليك
يا نوح لا تمكث ان تنسحب أجدى
نوح (متحمسا): انا لفى حرج لن أسحب الجندا
الأهل فى خطر وأنكث العهدا
(تتابع الأحداث برصد المعركة شرقا وغربا ، حيث يرصدها نوح بالمنظار ويصف الأحداث للجميع.. بينما يدخل خشبة المسرح يهود مسلحون يجرون امرأة عربية وطفلها)
المرأة تستغيث باليهودى: "بربك لا تذبحه خذنى فداءه أليس لكم قلب يرق لدمعتى
اليهودى: قد يكبر الطفل فى غد فيثأر من أبنائنا بعد حقبة
(يقتل الطفل، ويخلو المسرح.. بينما يدخل قائد عسكرى عراقى وجنده ومعهم شهيدين)
(المنظر الرابع)
يزاح الستار ويدخل محمود والشاعر وسعدى مسلحين.
محمود: "أرأيت؟
الشاعر: ماذا؟
محمود: قد تبدد شملنا فى كل واد كالقطيع الشارد
الشاعر: لا تخش بأشا انهم فى قرية عربية فى بيت آل العابد
(يخرجون)
(يدخل جنود اليهود من ذكور واناث)
القائد: لقد خليت مدينتهم وفروا ولم أر فى شوارعها جنودا
فهل كادوا لنا؟
ضابط: كلا ولكن رأيت جنودهم ركبوا الحديدا
القائد: وقلعتهم؟
الضابط: رأيت بها جنودا فقد رصدوا لها حرسا شديدا
(يخرجون، بينما يدخل القرويون)
صالح: لقد نسفوا البيوت ودمروها وما وجدوا هناك فتى رشيدا
أيوب: حنانك ان من رخصت عليه كرامته وهان فلن يسودا
محمود: سلام عليكم أيا اخوتى أراكم شغلتم بعلم الحساب
وصفتم لقومى داء الرقود فهلا وصفتم لقومى الشراب
أيوب: علام تلوم عدو البلاد فقومى أولى بهذا العتاب
ادريس: ألا فلنهىء صفوف الشباب فان الخطوب على كل باب
صالح: ألا ما أعز دموع الرجال ففيها مخالب أسد غضاب
ادريس: أذا ما بكينا هنا مرة فدمع عدانا جرى كالعباب
.........
فموتى أحب الى وأشهى فان زمان بلادى عاب
أبعد انتصار رضوا (هدنة) وبعد التقدم يأتى انسحاب
(يذهل الحاضرون)
صالح: لعلك تهذى: أمن هدنة؟
ادريس: أقول الصواب ورب الكتاب"
وكانت الهدنة، وهو ما رفضه المجاهدون.
(المنظر الخامس)
يزاح الستار فيدخل الشاعر ومحمود وسعدى باللباس الملكى.
محمود: أرأيت الشحوب فى سحن الخلق تبدى وهل رأيت الوجوما
سعدى: عجبت ورب البيت من أمة عدت عليها الليالى ثم راحت تسالم
محمود: لقد هددوهم بالعقوبة ان أبو سلاما
سعدى: ألم تسمع الرادى (المذياع)؟
محمود: بلى قد سمعته فقد ضج أهل الضاد والحى واجم
وأخشى انقلابا فى الحكومات بعدها
سعدى: ألا عند أهل الحكم منهم طلاسم
هم يخدعون الشعب ان هب ثائرا ألا ان جو العرب لا شك قاتم
............
الشاعر: ألا هيا الى الهيجا لنختم بالرضا العمرا
فان عشنا نمت قهرا وان متنا نعش ذكرا
(يسدل الستار)
الفصل الثالث.. (المنظر الأول)
يزاح الستار فيدخل الشاعر ومحمود وسعدى وصالح بسلاحهم وبالكفية والعقال...
الشاعر: دحرناهم وسقناهم قطيعا وساقيناهم الموت الشنيعا
شكا مرج ابن عامر مذ سفكنا ورويناه من دمهم نجيعا
وفى رأس المزار لنا فعال تشيب بهولها الطفل الرضيعا
وقالوا (هدنة) فرضت فقلنا بلى فرضوا وربك أن نضيعا
فهذى (الرملة) اليبيضاء ضاعت بلا حرب ولم تقبل خنوعا
فدافع أهلها عنها وثارت شباب اللد قد أنفوا الهجوعا
أيذهب للعدى دمنا جبارا ونمشى للفنى مشيا سريعا؟
تكاد النفس من حنق تنزى
سعدى: بربك لا تكن قلقا جزوعا
فهذى الحرب قد كشفت قناعا عن الأعداء وقد أبدوا خشوعا
صالح: لقد بدأ الشقاق يدب فيمن حسبنا عندهم قدرا رفيعا
الشاعر: تعالوا وأنظروا تسعين الفا بلا مأوى قد افترشوا الربيعا
(يدخل جماعة يحملون شيخا لاجئا وطفلته وهما فى النزع الأخير)
محمود: قد مات مئات مثلهما ويموت ألوف فى الطرق
فالثأر الثأر لاخواننا وليفن الغرب مع الشرق
(المنظر الثانى)
يزاح الستار فيدخل خليل وسعدى وصالح ومحمود والشاعر بلا سلاح...
خليل: ما بال جيش النيل عاد القهقرى قد كان فى الأمس القريب مظفرا
دكت مدافعه القلاع ومهدت للنصر وانكفأ العدو على الثرى
قد كاد يدخل (تل أبيب) فما له (قدح الزناد) الى الوراء وشمرا
(فى الهامش أشار الشاعر أن الجنود والضباط من خيرة الجند، ولكن الذنب ذنب السياسة)
سعدى: حشد العدو عليه كل جنوده وعدا عليه من أمام ومن ورا
والجند قد أمنوا العثار فسرحوا فى العيد فانتفض العدو وكشرا
صالح: قد كان أحرى أن تجند مصر ما يكفى لدحر الغادرين فتنصرا
ما مصر الا أمنا وعتادنا فعلام نرضى أن تهون وتقهرا؟
ويتابع المنظر حوارا حول أسباب الهزيمة هنا أو هناك.
(المنظر الثالث)
يزاح الستار ثم يدخل الشاعر يناجى بلاده...
الشاعر: بلادى! قتيل الهم لا يمنع الهما اذا كان راميه محبك والعما
تقاسمك الأعداء والأهل قسمة أطاروا بها عينيك والقلب والفما
فبت بلا قلب يحن ولا فم يئن ولا عين ترى شعبها يرمى
........
شباب فلسطين استعدوا وجندوا ولا تهنوا فاليأس لم يزد العمرا
أعدوا وشدوا واستعدوا وجندوا فاما حياة العز أو ننزل القبرا
فقولوا معى عاشت فلسطين كلها لنا فى أمان وليعش شعبها حرا
الجميع:
عاشت فلسطين عاشت فلسطين
يا للثأر يا للثأر
(ما تم عرض بتصرف من الكاتب، لعله يتضمن جملة أفكار المسرحية)
ربما ترجع أهمية تلك المسرحية الى عدة محاور:
كونها رصدت بعض الأسماء بمسمياتها، سواء أماكن الشخصيات مثل القادة العسكريين المنتصرين الشرفاء.. أو اسماء أماكن دارت فيها وحولها المعارك الحقيقية. أليس أدب المقاومة هو ذاكرة التاريخ بعد أن يذهب الجميع!
كما أن الشاعر حرص على ابراز العديد من الجوانب السياسية والرسمية، دون افتعال أو إقحام، وبطريقة سلسلة. لعل اختياره الأساسى بأن تكون شخصيات المسرحية هم رجال ونساء القرى والمدن العاديين هو سر نجاحه فى ذلك. كما أن هذا الاختيار تحديدا يبرز الانتماء الأيديولوجى والعاطفى عنده، فهو لا ينزع الى أن ينافق سلطة أو سلطان كان’ ما كانت، انه إلى الشعب ومنه.
تكشف المسرحية عن حس ناضج للانتماء الوطنى والقومي،
فبالرغم
من كل شيء، ومع كل الظروف القاهرة والظالمة، مازال يدعو لنبذ الخلافات، والدعوة إلى الاتحاد والوحدة، بلا صوت زاعق أو ادعاء.. سواء بين الفلسطينيين أنفسهم أو بين العرب بعامة.
كما تكشف المسرحية عن مكانة الشاعر وتمكنه من فنه، فاستخدام الحوار الشعرى فى المسرحية جاء متعدد البحور، حيا ومتفاعلا بلا ادعاء أو اعتلاء على القارىء. وان بدت بعض الشخصيات متماثلة الملامح، ربما لنظرة الكاتب الى القضية والتوجه نحو الهدف الأسمى أكثر. كما بدت المفردات منتقاه بلا افتعال ولا يوجد بينها لفظا معجميا يعيق القارىء (المشاهد) عن المتابعة.
وان بدت مشاعر الكاتب من خلال بعض المفردات والتراكيب وأيضا من بعض الأفكار المطروحة، بدت متشائمة، فلا ضير،، فالألم كبير والنزف شديد والقضية مصيرية. الا أننا نشاركة انفعاله وصراخه المخلص فى آخر المسرحية "عاشت فلسطين".
ثم أولا وأخيرا، ترجع أهمية تلك المسرحية، أنها كتبت بقلم محارب شجاع، تمرس المعارك والقلم معا. وقد انتهى منها فى عام 1949م، وهو ما يعنى أنها تحمل كل حرارة التجربة الحربية، بلا افتعال أو رياء سياسى ما.
تتميز الأعمال الأدبية (ومنها النص المسرحى) المعبرة عن التجربة الحربية.. أثناء وبعد المعارك مباشرة بعدد من الخصائص، وهى: استخدام مفردات قد لا يستخدمها الكاتب بعد مرور سنوات بعد المعارك، مثل "أسماء الأماكن بمسمياتها – اختيار شخصيات بلا اسم بل بأحوالها، مثل الأم/الشيخ/الأطفال".. غلبة روح التحمس، وهو ما تجلى فى أكثر من موضع، سواء بالتعبير عن النصر بفرحة عارمة، أو عن الهزيمة بحزن قاطع.. وان كان الزمن المستخدم فى المسرحية مستقيما من الماضى الى المستقبل، إلا أنه لا يتبدى الا برصد حدث ما أو موقعة ما.
لست أدرى هل من صالح العمل الأدبى أن نؤكد أن تلك المسرحية، تعد وثيقة تاريخية أم لا؟ البعض يرفض تلك الوجهة، إلا أنني أرى أهميته فى "أدب المقاومة" والذى يتناول التجربة الحربية تحديدا. ماذا يمكن أن يخطه الكاتب المنتمى الى جماعته وأهله، وهو يستشرف الخطر الذى يحيق به وبهم؟؟ أليس هو الناقوس ومبعث الوعى لجماعته، بل ودوره الباق مهما تعددت المدارس النقدية ومناهجها؟!
أليس الانتماء بداية، انتماء الفرد لجماعة معينة والعمل على تقديم التضحية الواجبة تجاهها ان لزم الأمر. فهو قوة دافعة فى ذاته، أي أن الانتماء روح وسلوك لا ينفصلان.
غالبا ما يكسب الانتماء بعض الصفات للمنتمى، منها التخلص من الذاتية الفردية الأنانية، الشعور بالسعادة حين مشاركة الجماعة وخدمتها، الموافقة المطلقة على أفكار الجماعة، وبذلك يصبح الفرد متكيفا مع الجماعة، وما البطولات الفردية الا من بواعث روح الانتماء.
فسر الكثيرون الانتماء على أنه فطرى، حيث أن الانسان ضعيفا بطبعه وفى حاجة الى الآخر/الجماعة كى يشعر بالاطمئنان. كما أضاف البعض أن وجود "قضية" يزيد من الانتماء، حيث يتحول الكل الى وجهة مشتركة. الا أنه يلزم الاشارة الى أن مقولة أن الانتماء فطرى، فى حاجة الى اضافة حقيقة موضوعية، ألا وهى أن كل فطرى فى حاجة الى تهذيب وتوجيه أو الى "تربية" .. فتكون البداية بتحديد قضية/قضايا الجماعة، والتدريب على حب الجماعة وقبولها. لعل نمو وازكاء روح البطولة لا يتشكل الا من خلال "الانتماء"، حيث الصراع بين رغبات وشطحات الذات الفردية، وحاجات الجماعة ورغباتها، فتتولد روح البطولة أولا من خلال وعى الفرد بتحقيق حريته من خلال جماعته، وفى مرحلة تالية تعبر روح البطولة عن نفسها ، من خلال الفناء من أجل قضية الجماعة للتعبير عن الانتماء وقوة الذات المنتمية.
وكان "برهان الدين العبوشى" أحد هؤلاء المخلصين بصدق القول والعمل، المنتمى لبلده وقضيته بتحمس الشرفاء. كما ندعوا الى أن تدرس أعماله هنا أو هناك لتعرض على خشبة المسرح وتراها الأجيال الجديدة، فهي أحوج إليها من غيرها، من أجل قضية عادلة وحياة كريمة.
|