بحث في الموقع
   
اختيارات القرّاء
الأكثر قراءةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر تعليقاً
الأكثر طباعةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر إرسالاً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
... المزيد


 
ديوان اللؤلؤ والمحار للشاعر الأسير علي عصافرة
طباعة إرسال لصديق
ديوان اللؤلؤ والمحار للشاعر الأسير علي عصافرة
تاريخ النشر: 23/01/2010 - 03:17 م

من إصدارات مؤسسة فلسطين للثقافة

الطبعة الأولى - 2010

تصميم الغلاف: م. جمال الأبطح

التدقيق اللغوي: مأمون المباركة

صورة الغلاف
 
 
 
 

بين يدي الديوان

 

الدكتور أسامة الأشقر

 

منذ نحو عشرين عاماً وأنا أتطلع إلى تقديم أدب الاعتقال والأسر، لما فيه من تلك الوجدانية العالية، والصدق البريء، والحساسية المفرطة، ولما فيه من التجربة العميقة، والانطباعية المطبوعة ،والانفعالية المباشرة؛ فهذا الفن العجيب مرآة صافية لحقيقة النفس البشرية التي تعتاش من الألم، وتغتذي من الحرمان، وتمتد بأفق أبيض على خيط الأمل الرفيع.

كيف لا ؟!! وهؤلاء الأسرى هم نخبة المجتمع الفلسطيني : النخبوية في العطاء والبذل والتضحية، والنخبوية في الثقافة والعلم والمعرفة، فعشرات الآلاف من هذا الشعب على مدى سني النكبة الفلسطينية الطويلة عاش تجربة الاعتقال، وتعاناها واصطلاها، فطبعته بطباعه، وشكّلته بتلاوينها الخافتة أو المضيئة أو القاتمة.

كم كانت تشدني أحاديث قادة الأسرى بعد خروجهم من هذه المعتقلات عن الجامعات اليوسفية، التي تُعلّم، وتُدرّب، وتبني، وتعرِّف، وتنقل التجربة، وتخلق التواصل الفعال، وكم كان يستهويني ذاك الحديث الغني عن محاضرات العنابر و (المردوانات) والأقسام، وعن الإبداع في التعلم والتعليم، وكم يسعدني أن أتأمل في تلك الكراريس المحشورة الأسطر التي صورتُها عن "كبسولات" كانت تنتقل بين هذه الأقسام المعزولة في رحلات عجيبة طويلة لتصل إلى قسمٍ يبعد عن القسم الذي هي فيه بضعة أمتار.

لذلك لم أعجب عندما حطّ بين يديّ هذا الديوانُ بخط يد هذا الفارس القسّامي الأصيل الذي اختطّ لنفسه سبيل الجهاد والمقاومة، ولم ينل حظّه من الشهادة ويترجل للسماء كما فعل رفاقه الذين رافقوه، بل تأخَّر أجله ليبتليه الله بهذا السجن العصيب، فيخرج لنا دقائق روحه في هذا الدفْق الشعري النبيل .

هذا الديوان تجربة شخصية عجيبة لهذا الشاعر الذي أدرك وجود بذرة الشاعر لديه فلم ينْفِها عنه، أو ينشغل عنها، بل تعاهدها وأحاطها بالرعاية والاهتمام ، ودفع في سبيل تحصيل النماء لها سنوات ثقيلة طويلة، كان يبحث فيها عن الأرض الطيبة، والتربة المغذّية، والماء العذب الروِيّ، فطاف على أساتذة قلّ أن يجود السجن بهم، في رحلة تنقلهم بين السجون الصهيونية، وقد حكى الفارس الأسير في قصة ديوانه حكاية البذرة التي نمت وبسقت بصدقٍ جريء لم يكتبه لناقدٍ أو دارسٍ بل كتبه لتوثيق هذه التجربة التي نشأت في ظروف صعبة قاسية، تحكي قصة الإصرار لشعب حرّ عصيّ على الكسر في موجز شخصي أنموذجي اسمه " علي عصافرة" .

قصة الحياة:

إنه يروي لك قصة الحياة وهو يعيش في سجن مؤبد يطوي حياته مرات لأنه متعدد الأحكام بالمؤبدات تغليظاً في عقوبته من جانب الاحتلال الظالم البغيض، إنه يروي لك قصة النفس العجيبة التي تتدفق بسحر البقاء، وخلود الحياة، حتى في هذه المقبرة العظيمة " السجن" .

هذه التجربة الغنية تستحق تسجيلاً خاصّاً، تجده في كل بيت بل في كل كلمة، وكم كان يكون رائعاً لو أن هذا الشاعر نضجت شاعريته قبل أسره ليفجّر لنا قصة الحياة هذه، لكننا لم نخسر كثيراً على كل حال فقد راقبنا هذه الشاعرية منذ انفلاق بذرتها، وارتفاع ساقها، وانتشاء ورقتها، وتبرعم زهرتها، وهي البذرة التي انتفضت بالحياة في تربة لا تنمو فيها في العادة، فتغالبت و تكييفات الزمان والمكان، وأنشأت بيئتها الخاصة.

 

الغنائية:

 احمِلْ هذا الديوان برفقٍ، واستلقِ على كرسيّ عريض أو فراش ممتد، وافتحْ عينَ قلبك، واسمعْ بأذن عينك، فستجد هذه الغنائية الذاتية الحارة تتدفق بوهجٍ دافئ يسكن وجدانك ويغني معك وبك ولك .  

وهذا الشاعر الأسير شاعر شاب له أحلامه الإنسانية كما كانت له آماله الإيمانية، وقد حُكِم عليه بحياة سجينة طويلة لا نهاية لها إلا القبر إذا استمر الكيان الصهيوني حاكماً متجبراً محتلاً دون قوة تردعه وتجبره على دفع الثمن وإطلاق الأسرى، وفي شعره الشاب الفتيّ تقرأ هذه الغنائية المختلطة العجيبة المفردات، وهي ليست غنائية صناعية يفتعلها النقاد في قراءاتهم لبعض الأعمال الأدبية التي يتكلفون فيها القراءة والاجتهاد، فهنا تختلف الصورة تماماً، وتبرز الوجدانيات الإنسانية بعمق وصراحة مكشوفة صارخة :

فالموت أمنية حاضرة دوماً، ولِمَ لا !! فقد خُتِم العناء بما عاناه، واكتفى من هذه الدنيا الحبيسة بين الجدران الظلمة، والغيلان المتوحشة،حيث لا يستقر له صديق أو أخ ، ولا يظفر بأسرة تحوطه : بلا أب ولا أم ولا إخوة ولا أخوات ولا زوجة ولا أبناء... ، هي الذكريات فقط تعيش فيه، يحاول أن تبقى صورتها حاضرة، لكنها تتآكل أمامه من كثرة ما تكررت صورتها ومشاهدها والأحاديث عنها...، حيث يتجدد الصبح كل يوم بالقيد والسجّان، ويستمر الكون بثبات الليل وانطفاء النور:

وأنا هنا قد عشتُ في أسر الردى    لأموتَ قهراً في يد السجّانِ

تتردد في قصائده مفردات الأسى والحزن والشجن والقيد والموت والسجّان، والشوق والحسرة والضيق والنجوى والألم والشكوى والغربة والرحيل، والحصار والدمار والنواح والضياع والظلمة والوحشة والجوع والصمت واليأس والملل ... .

هذه الكلمات المخيّمة على سقوف الأسير تحيط به، وتقسو عليه وتشتد، ليعيش في حالة اليأس المكتئب الثقيل، والشكّ المريع:

مُذْ أودعوكَ رحالَ الموت وانصرفوا   لا صاحبٌ حَنَّ أو خِلٌّ بكى الطَللا

وهذا اليأس يندفع بقوة في عقله وفكره، فيثور على كل من تسبب باستمرار أَسْره ومحنته، ولم يصنع ما يجب لاستنقاذه وفكّ قيده من زعماء وأحزاب وشعوب:

هذي الشعوب تعفّنت أفكارُها    لا شيئَ يحيي جثّةً بين الرِّمَمْ

إنْ كان هذا حال مَن يحمي الحِمَى فارْكلْ بنعلِكَ هذه الدنيا ونَمْ

ولا ينفكّ هذا الشعور القاسي يغالبه، فيرهف حسّه حتى يجرحه مرور النسمة الناعمة، والريشة الخفيفة الطائرة، فتظلم الدنيا في عينيه عندما يرسل المكاتيب إلى الأحباب والأقرباء ويتأخر الجواب أو لا يحضر، ويطول انتظاره الثقيل، فيعاود الكتابة ثانية دون جوابٍ ينتظره، ويقطّع الوقت الضائع بالحديث عنهم وملء الوقت بالذكريات الخالية الباقية، فيقرر الانقطاع عن الكتابة، ثم يعاوده الحنين فيكتب ثالثةً والألم يعتصره، والحرمان يكبته، والهجران يخنقه؛ ويتحول عقله العاقل إلى سجن آخر تحاصره الظنون والأوهام حتى يقول :

ويزيد حرماني إذا العقلُ ادّكرْ

ومن هذا الإحساس المرهف تكثر الاعتذرايات والمعاتبات الأخوية في هذا الشعر، إذ إن هذا اللون لون عاطفي كثير الحضور في الحياة داخل السجون، تتجلى فيه مظاهر الحيرة والحزن و الشعور بظلم الأحبة، والرغبة في استعادة الروح. 

وتنفجر أبلغ وجدانياته عندما يستحضر ذكرى رفاقه الشهداء في الوقت الذي يشتد فيه ضيق السجن، وتبلغ النفس منتهى التشوّق عندما تنطفئ الأنوار، ويتحول السجن إلى قبر مظلم لا منفذ فيه لضوء، ويتجدد هذا الإحساس مع كل قائد مجاهد يرتفع شهيداً حتى إن كان لا يعرفه، إذ تظن أنه كان منه على صلة وقرب لصيقين كما حدث في رثائه لشيخ الشهداء أحمد ياسين – رحمه الله - وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي – رحمه الله - .

ومثل تلك الوجدانيات المتفجرة تجدها بوضوح في رسائله الشعرية إلى والدته، أما قصائده إلى والده فهي عاقلة حكيمة تظهر فيها الجلادة والحكمة التي يحبها الآباء في أبنائهم، وهي رغم عقلانيتها تحكي بعاطفية مقنّعة ما يود هذا الأسير أن يبلغه لوالده من أن سجنه لم يكن شراً كله، بل فيه خير عظيم له يمكن للأب الواعي أن يفهمه من رسالة ابنه إليه.

وفي سنوات السجن الأولى يكون اليأس هو الأظهر، وينحشر الأمل بتكلّفٍ ومصانعةٍ مفضوحة، ثم ينفتح باب السماء عليهم ليزرع فيه الأمل الذي يبثّ فيهم الحياة والرغبة في البقاء، فيميل الأسرى إلى العزلة الفلسفية المؤمنة، والحكمة الإشراقية الملهمة، فينبت الاعتزاز والافتخار المضيئ بما فعلوه بين غابات اليأس المظلم، ويتحول الحرمان إلى معلّم ومرشد :

وإنْ تأبَى أُربّيها بسَوْطٍ     من الحرمان يُرشِد مَن أصمَّا

وترتفع الرؤوس إلى السماء حيث مصدر الأمل المطلق، من كثرة ما أرهقهم الأمل الأرضي بلا جدوى، ويخاطبون الرب سبحانه بعبوديةٍ مطلقة أنَّ الكربَ قد ضاق بنا جدًّا واشتدّ علينا، وليس لنا من ملجأ إلاك يا الله .

وهنا ترى مفردة العزة والكرامة والمدافعة، والحب والإصرار والجنة والبقاء والحياة واللقاء والعودة والأمل والطبيعة الجميلة ...؛ ويقْوَى التصبّر والتعزّي، وتنبسط الحكمة، ويضعف اليأس وينزوي دون أن يختفي ، وكيف يختفي وهو الواقع الوحيد الذي يحاصر كل شيء !! :

تمضي السنين كحدّ السيف مرهفة    تجتثّ عمرك إلا الحبّ والأملا

تزداد حباً وقد ألقوكَ منفرداً       كالزهر فاح شذاً في روضةٍ وفلا

لا تيأسنّ فإن اليأس مهلكة     لو ذاقه النحلُ ما أوفَى لنا العسلا

ويتعقّل الشكّ الحارق الغاضب، ويسود منطق العفو الحُر:

واكتبْ بعفوكَ: ليس الحرُّ مَن عذلا

 

 وعندما يتجاوز الأسير تلك السنوات الأولى من قصة السجن، يعيش حياته المحاصرة بتفاصيلها لتروي لنا قصة جديدة تتحدث بروح الجماعة وعن الجماعة في غنائية رصينة مهذّبة.

 

قصة الحياة في قفص :

في تضاعيف هذا الشعر قصة حياة عجيبة تشبه حياتنا قليلاً في سلوكها، وتختص لنفسها بنمطها النفسي المميز، فهي حياة ليست كأي حياة ، فهي حالة تعايش إجبارية قاسية بين الجلاد والضحية، وهي حياة لا تتجدد ولا تتعدد إلا في بعض شخوصها، إذ تحكمها جغرافية مملة واحدة تبلِّد الإحساس، وتميتُ الحيوية، وتثبت الجمود، وتنفي الراحة والأريحية .

هذه الجغرافية الواحدة تتمثل في غرفة مكتظة صغيرة ، يسكنها الأسرى دون إرادتهم، ويُرغمون على العيش مع من يختاره السجّان، فهذه الغرفة في العنبر المكتظ ليس بيتاً يطمئن فيه ساكنه أو يسكن فيه قلبه ، وهي غرفة تحت الرقابة الدائمة ، لا خصوصية فيها ولا انشراح ولا ارتياح، قد يتسلل من نافذة بعيدة نائية فيها ضوء خائف مخنوق، لكن البرد القارس والحر الغضوب ينحشر معهم رغماً عنهم، ويعيش معهم في أَسْرٍ لم يُجْبَرا عليه ليزيد من شِقْوتهم وعذابهم.

وإذا تعددت جغرافيتهم فإنها تبقى في جغرافية واحدة، فالأسير يحرّكه سجّانه من سجن إلى آخر، ليبقى معزولاً عن رفاقه وإخوانه، ومعزولاً عن التواصل معهم والأنس بهم، وينتظر الأسير لحظة تواصله مع الشمس أو الغيمة في " الفورة"، ولحظة امتلاكه بعض المال آخر الشهر ليشتري من غير طعام السجن ...، وتغدو التفاصيل الصغيرة عند الأسير تفاصيل كبيرة، فتغدو التفاحة بستاناً، والقطعة الحلوةُ سِدْراً ساخناً من الكنافة اللذيذة التي تتهافت عليها الأيدي، وقطعة لحم العجل غير المنضج خروفاً مشويًّا محشوًّا يُنضَج على نار هادئة تفوح منه اللذاذة الكاملة، والوردة الصغيرة المرسومة على بقايا ورقة بالية مهترئة حقلاً ملوناً من الزهور المتموجة بالنسيم العليل ... .

أين الكنائفُ والقطائف والقِدَر
 

والكعك والمعمول بالعجو انفجر
  

وهريسةٌ شامية وفلافل
 

وفواكه وعصائر تجلو الكدر
  

سال اللعاب بذكرهنّ وكيف لا
 

والفول أثمر في البطون كما الشجر
  

والبيض نغَّصَ لذّتي وبشاشتي
 

والدِّيسةُ[1] النكداء زادي والقدر
  

قل لي أنا: من ذا يساوي ذي بِتي
 

إلا الأسير من المجاعة والطفر
  

ويستدعي الأسير مشاهد الطبيعة لتشاركه في أحزانه وأحلامه، ويدعو الأثير الحر ليحمل حزنه وأمله إلى من يليه من أحبابه وأصحابه، ثم تتحول الصورة المتخيّلة إلى حقيقة ماثلة في خياله، فيرسم لأمّه الحزينة الوالهة وردة ملونة ثم يكتبها شعراً ويرسله إليها في لوحة عاطفية مؤثرة يتخللها غزل خيالي قصير العاطفة طويل الأثر والمقصد؛ ويستدعي الأسير القمر ويناجيه ويجعل منه معبراً لأحزانه لعلها تصل بسرعة عبر خيوط الضوء البدريّ إلى من يسمعها فيسارع لنجدتهم، وينصت الأسير إلى حمامة شاردة وقفت ثواني على السلك المكهرب ثم نفرت خائفة مستنجدة.

وتنتشر بين الأسرى حكايات الرؤى والأحلام التي يعيشون فيها حياتهم الأخرى بما تحويه من خصوبة درامية، وتشكّل للأسرى مادة سَمَرٍ وأُنسٍ لا تنتهي في مجالسهم الحبيسة، وتجد نحو أربع قصائد تشكل الرؤيا فيها الموضوع الأساس يتجول فيها في خياله ويسبح في وهمه المأمول لعله يقع فيه، ورؤاهم تلك مفعمة بالأمل و النقاء لا تجد فيها الكوابيس المظلمة التي قد تحدث لغيرهم من المعتقلين الذين لا رسالة لهم ولا هدف.

ويصور هذا الشعر أشد اللحظات على النفس، وهي اللحظات التي يضغط فيها الشوق والحنين مع الألم والرثاء عندما تموت أمّ أحد الأسرى، أو زوجه، أو يبلغه خبر يسيئه عمن يحب ولا يملك أن يفعل شيئاً فتنسدل دمعته، ويعلو نشيجه في استسلامٍ مُذلٍّ يضيّق عليه كل ما حوله.

ويصور الأسير في شعره الشعور بالظلم من إهمال الأهل للأسير المنقطع في زيارتهم المتاحة في بعض الأحيان، وجفاء الأهل في المراسلة أو الزيارة أو إظهار الحرص على أخيهم الأسير، ويشتد الشعور بالظلم عندما يحكي الأسير الشاعر قصة صاحبه الذي تخلّت عنه زوجه بإلحاح أهلها عليها، ثم تركها لابنتها في رعاية جَدّيها لأبيها، وهي البكائية التي تدمع لها كل العيون، إذ هي مظلمة جماعية يتشاركون فيها بحسرة وتوجُّعٍ.

ويقسو السجان عليهم عندما يجردهم من آدميّتهم وإنسانيتهم ويتعامل معهم بأنهم أرقام مفردة في قوائم مسطورة، يا رقم كذا! ويا رقم كذا! ويا رقم كذا !، وعندما تجتمع هذه الأرقام وينسجم بعضها ويتآلف يتدخّل السجّان ثانيةً، وينقل هذه الأرقام المتآلفة المنسجمة ويحولها إلى سجن آخر ، فتمتلئ نفوسهم الحزينة المريضة بمزيد من الحزن والمرض الغليظ . 

لكن هؤلاء المحزونين لا يتخلون عن ظُرفهم رغم كل هذا الألم فلديهم سمرهم وجلساتهم الحلوة ولديهم حكاياتهم الضاحكة ورواياتهم المحببة كما أن لديهم حرصهم على المعرفة والعلم والمثاقفة، ومن قصائد الأسير الظريفة تبدو لك بعض المأكولات المحببة التي تأتي نادراً إثر زيارة خاصة ، أو إنتاج فلسطيني لأسير يفتنّ في مهارات الطبخ التي تعلمها خارج سجنه ...، تبدو له هذه المأكولات كمحبوبات جميلات مهضومات ، يزيد من شوقه إليهن أنه صائم لله ينأى عن المفطّرات.

ومن ظرافتهم تجد ذلك الهجاء المحبّب الذي يطلبه بعض الأسرى من الشاعر طلباً رغم قسوته وفجاجته أحياناً، فيتقبّلونه ويتحادثون به بفرح واغتباط، وتلك الظرافة تتجدد على موائد الطعام أكثر ما تتجدد حيث يحلو عندها ذكر الأطايب التي كانوا يتشهّونها، ثم يصطنعون لهم من بعض الطعام ما يشابه تلك التي هي محل اللذاذة والاشتهاء فيحلو لهم الضحك الحزين.

وهذا الأسير يشعر بما يشعر به الإنسان في حريته فيصطنع في خياله محبوبةً يهواها ويشبّب بها في عفّة عنتريّة عُذْريّة، وقد يغالي قليلاً في الاقتراب من خياله الواهم لكنه لا يلبث أن ينحسر عن مبالغته ويفطن إلى واقعه وإلى نظرته إلى حقيقة المرأة على أنها من الحرائر الكريمات .

وفي السجن تعيش صورة المجتمع السابق الذي انتقل منه الأسير إلى واقعه المأسور الجديد، ويُعِينه واقع السجن الذي تعيش فيه مجتمعاته وفق المعرِّفات الفصائلية، والانتماءات الحزبية، فيحافظ هذا المجتمع المعزول على نمطيته في التفكير السياسي، ويحمي كل مجتمع فكري جماعته بهذا التجمّع الفكري والحزبي، ليحصّنه من أي محاولة لتغيير فكره أو سلوكه مستغلاً حالة الأسير النفسية الصعبة.

وتظهر في الشعر هنا هذه اللونية الحزبية والفكرية في انتقاد صريح حادّ لسلوك الخصوم السياسيين وطرائق تفكيرهم، ويتكلم الشاعر الأسير بحرية عن رفضه لمشروعات التسوية السياسية الظالمة، وعن غدر الأحزاب المؤمنة بهذه السياسات التي لا تؤدي إلا إلى تكريس الظلم، وعن انتقاد لشخصيات أمنية وسياسية اعتبر أنها شاركت في الحرب ضد المقاومة التي آمن بسبيلها،ويتحدث بغضب عما يفعله هؤلاء من استهداف المقاومة واغتيالها كما حدث في هجومه اللاذع على محاولة بعض الأجهزة الأمنية للسلطة اغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية، ويدافع الشاعر الأسير عن جهاده وإيمانه وصوابية ما فعله ضد العدو المغتصب بغضبٍ وعن جدوى العمليات الاستشهادية دفاعاً يعتمد على الموقف القاطع الذي لا يقبل جدالاً أو تشكيكاً، كما يتحدث الشاعر عن أمته المكلومة وما يجري على ثراها من ابتلاءات ومحن كما يجري الحال في العراق الذي تركه العرب نهْباً للمحتل الأمريكي، وعن نكبة الأمة برضاها بحصار غزة وقطع سبل الحياة عنها.

ويوثق الشاعر لصورة عن حياة المعتقلات بما لا تجده في تسجيل آخر بهذه الشفافية حيث يحكي لك عن نشاطهم الإعلامي وإصداراتهم الثقافية ونشراتهم السياسية والمنوعة وما يجري فيها من خصومات ومعاكسات، وعن المكتبات العلمية الصغيرة التي يكونها المعتقلون الطارئون من هدايا الأهل فينتفع بها من بعدهم في تنمية المعرفة أو في المسامرات ومناشط التسلية، ويصور لك الشاعر سلوك السجانين الذين يقتحمون العنابر والغرف، ويجرون الأسرى الأبطال في إذلال وإخضاع وسط مقاومة عنيفة تتمزق فيها جلودهم وتتسع جراحاتهم، ويحدثك الشاعر عما كانوا يتسامعون به من مهاجمة هؤلاء السجانين للأسيرات الحرائر، وكيف يستاقونهنّ كالإماء، وما يفعله الأسرى من تمرد غاضب احتجاجاً على المس بأخواتهن الأسيرات ؛ ويصور لك الأسير لحظات الذل التي يعيشها أهالي الأسرى والمعتقلين في انتظار السماح لهم بزيارة أبنائهم، ثم يردّهم السجان الصهيوني خائبين فينفجر الألم فوق اندفاقه، ويشق النفس شقّاً ، ويروي لك الشاعر قصص القادة والرموز وما يلاقونه في الزنازين الانفرادية الموحشة...، وسنجد في هذا الشعر صوراً كثيرة لقصة العلاقة بين الأسرى بعضهم ببعض، والأسرى بالسجانين، والأسرى بالعالم المنقطع عنهم وتفاعلهم مع ما يصلهم من أخبار وحوادث .    

وفي سبيل الإصلاح الاجتماعي ينتقد الشاعر السلوكيات المنحرفة التي توجد لدى بعض المجتمعات الأسيرة التي انتقلت إليها من واقعها الأصلي، والتي ساعد على بقائها وجود قنوات تلفزيونية معينة تحرص هذه الفئات على انتقاء برامج ترضي رغبتها حتى لو كانت لا تتناسب مع طبيعة النضال وسبيل الحرية، وينتقد التعلق الشديد من بعض المعتقلين بالملاعب والمواسم الكروية، ويعجب كيف يتأتّى لمناضل له رسالة أن يتعلق بمثل هذه التفاهات التي تتناقض مع عظم الرسالة التي من المفترض أن يحملها هؤلاء المناضلون!.

وعندما يتكيف الأسير مع سجنه مع امتداد سنوات الأسر وطولها يجد ساعات من الخلوة الفكرية التي يحاول أن يتجرد فيها قليلاً من عاطفيته، فينشئ حوارياته الافتراضية بين القلم وبنات الفكر،و كذلك في قصائده التي تحاول أن ترسم مساراً تأملياً كما في قصائد الديوان الأخيرة، لكن عقلانيته تلك تنقلب عليه فلا تجد في هذه القصائد مذاق الشعر الأول حيث الوجدان الملتهب، وهو أمر مفهوم في ظل خصوصية هذا الشعر النفسية، لذلك تجده يستعيد حيويَّته الشعرية ببعدها النفسي في حوارية القلب والقلم ، وفي معارضاته الشعرية لأشعار الآخرين وموضوعاتهم .                        

وعندما يتحدث الشاعر بروح الألم الجماعية في لحظة الذكرى ينقل لنا الوجع الجماعي بتأثر بالغ لأنه يعيشه بكل تفاصيله، لكنه كان يحاول أن يبدو هادئاً متزناً لا يصيبه من السجن إلا تذكر ماديّات الحرية وبعض أحاسيس اللقاء والاجتماع،كما جرى في قصيدته التي حاول فيها الأسرى أن يتذكروا "حسنات" السجن ومما ذكر من حسناته حسنة الراحة والنوم والتفرغ للذات وملازمة الفراش لكنهم يخرجون بالنتيجة: "لا شيء في السجن يعدل دفء البيت وأحضان الزوجية".

 

بناء الديوان:

يحكي الشاعر في مقدمة ديوانه عن قصة معاناته الشعرَ ، وكيف جرّ موهبته جرّاً في ظرف قاسٍ ليضعها على عتبة الشعر ، فيفقه عروضه، ويجاري شعراءه، ويبني لغته الشعرية، فيكتب بتدفقٍ، ويصير الشعر أنيسه وتسليته في المعتقل،فيكاد لا يمضي أسبوع إلا يكتب قصيدة، كما هو واضح في نمطية تاريخ القصائد التي حرص الشاعر على توقيعها في مقدمة كل قصيدة، وهو المنهج الذي ارتضاه لنفسه عندما كتب ديوانه بخط يده، وسِرنا نحن عليه في طباعة الديوان ليكون هذا الديوان معبِّراً عن صاحبه كما أراده هو، ولكن شاعرنا عندما قدّم لنا نسخة ديوانه تصرف فيه وتدخّل بحجب بعض القصائد التي رأى أنها دون المستوى الذي يرتضيه لنفسه، أو أنها ستتسبب في إيذاء مشاعر بعض الناس الذين يحبهم، أو أنها يمكن أن تتسبب في إشكال سياسي مع فصيلٍ ما أو دولةٍ، وتردد الشاعر في إثبات بعض القصائد أو حجبها، فأثبت قصيدةً غزلية في ديوانه مثلاً، ثم كتب في هامشها : " تحذف عند الطباعة" ، ولكنني لم ألتزم بحذفها، إذ غلب على رأيي أنه يريد إثباتها لكنه يخشى من أن أحداً قد لا يفهمها كما أراد فيسيء الظن به.

وفي بناء القصيدة نجد شاعرنا يعتمد العروض الخليلي في تشكيله الإيقاعي، ولا يورد أيَّ خروج عنه إلى شعر التفعيلة أو قصيدة النثر، وقد كان حريصاً على ضبط إيقاعه، وقلّ أن تجد علّة قادحة في الوزن الشعري، إلا أنه يقع في الإقواء أو اختلاف الرويّ بسبب حداثة تجربته اللغوية والشعرية، وقلة مخزونه اللغوي من المفردات، كما لا تخلو القصائد من سقطات نحوية لا تؤوّل، نظراً لأن الشاعر بنى معرفته النحوية واللغوية من خلال القراءة والجهد الشخصي، ولم يتلقّ إلا مساعدات مفتاحية قليلة في ظروف صعبة في السجن من شخصيات غير متخصصة في النقد والأدب وإن كانت عارفة معرفة جيدة بهذه الفنون.

وفي هذا البناء يظهر تعلق الشاعر بالبحور الطويلة حيث إنها الأكثر حضوراً في قصائد الديوان، وكما أن اقتحامه لهذه البحور يعطيه ميزة وقوة، فإن اختياره لها أوقعه في مطبات فنية غير قليلة، إذ إن هذه البحور تحتاج إلى ثراء لغوي وإلى تمرّس في استخدام اللغة، ولاسيما عند الأضرُب والأعاريض، وسيجد الناقد المتابع وقفات كثيرة لا يقع فيها شاعر متمكّن ، وقد أشرنا إلى بعضها لكننا آثرنا أن نعزف عن الإشارة إلى كل ما وقفنا عليه خشية إغراق الحواشي بها مما يُضعِف من حالة التلقّي والانطباع لدى المتلقّي.

وتجد في هذا الديوان بعض المقطوعات التي تسجل حدثاً سريعاً، أو تبرز مهارةً خاصة بالشاعر ، وتجد قصائد لم تكتمل لأنها تأخرت في التسجيل والتدوين فأثبتها الشاعر، أو أن بعضها مشروع قصائد لم يتح لها أن تستكمل ميلادها فبقيت بين الرحم والحياة الكاملة.

إننا نقدم هذا الديوان وفاءً لهؤلاء العظماء في سجون الاحتلال، ورصداً لإبداعهم الذي يحفرونه في الصخر الناري الصلب بأظافرهم المتكسِّرة، وتوثيقاً لهذا السجل المقاوِم مما يندر إيجاده والحصول عليه، فهذا الديوان وُلد وخرج للنور في السجن، والتجربة كلها عاشت في السجن، مما يعطيها قيمة عالية في التسجيل التوثيقي لهذه التجربة الفنية، ويعطي الفرصة لأحد أهم ساحات العمل المقاوم (السجن) لتمثيل دوره في ميدان الأدب المقاوِم.

وفي الختام فإن الشكر يزجى لأهله وأخص بالذكر أخاً عزيزاً في الضفة المحتلة الشماء كان همزة وصل بيني وبين هذا الديوان حتى أوصله إليّ، ولولا خشيتي من ضرر يلحق به من الاحتلال البغيض لكنت نوّهتُ باسمه، وهو الأديب المفكر الواعي ، وفقه الله ونفع به، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .

الدكتور أسامة الأشقر

دمشق في 24/6/2009م

 
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الشاعر

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسّلام على سيد السّادات، وقدوة الدّعاة إلى يوم الدين،  أمّا بعد:

فقد كنت أنقل مشاعري في مصاريع لا أوزان لها، وعبثاً كنت أسمّيها شعراً !! لأنها لو بُعثرت لظهرت حقيقتها النثريّة.

هكذا كانت البداية في الثانويّة العامّة، إلا أنّها كانت أثمن مكنوزاتي، وأغلى ممتلكاتي، أعرضها متغنياً بها، وأُسمعها مفتخِراً طرِباً بعواطفي المبثوثة فيها، إلى أن قُدّر لها في الشهر الخامس من الاعتقال أن تقرع سمْع أخي المهندس أبي إبراهيم محمود حماد شريتح[2]، وذلك في سجن هداريم المركزي، ورغم مساوئها فقد اتسع لها صدره، وحفّها بالرعاية والاهتمام، وقد كان ضليعاً في فن القافية والعروض، وذا ذوق رفيع في تناول الشعر، وتعلّمت على يديه في جلسات خفيفة النظم الميّسر للبحور الثلاثة: الكامل، الوافر، والبسيط.

نُقلتُ إلى سجن الرملة المركزي واستمررت بالمجاهدة في الكتابة غير أن فقدان الدليل، وقلّة المصادر والمراجع التعليميّة حالت دون إحداث تقدّم ملموس، إضافة إلى أنني لم آخذ الشعر على محمل الجد فمضت بهذا ثلاث سنوات تقريباً من تاريخ اعتقالي في أواخر العام ألفين واثنين.

في سجن السبع المركزي- إيشل- أواسط العام ألفين وخمسة، حبتني الرّعاية الرّبانية بلقاء شيخي الجليل أبي همّام محمد جمال نعمان النتشة[3] فحرصت على ملازمته، وتشبّثت بصحبته فحظيت منه بتوجيهات سامية وإرشادات غالية، غيّرت مسار تفكيري، وأعادت برمجة عقلي، وعمّقت نظرتي للحياة وفتّحت عيني على المستقبل، وانطلق في ذلك كلّه من نظرة شمولية متعمّقة في فهم القرآن الكريم حاثّاً على التّمعّن في تلاوته وتقصّي معانيه، والتأمل في مساحات الجمال الباهرة فيه، من البلاغة والبيان فكانت أثمن سبعة أشهر مضت من حياتي! فقد أمضى فيّ عزماً، وأوقد في نفسي همّة، وعبّد للمستقبل طريقاً!

رحلت إلى عسقلان[4] والأفكار تخامر عقلي، ويشغلني سؤال جاد ومُلح كيف لي أن أنطلق؟ فقد مضت سنوات، ولم أحفل بمدرس في اللغة فكيف لي أن أغوص إلى أعماق الأدب لأقتنص منه الدّرر وأكتشف شيئاً من أسراره العظيمة ؟!.

دخلت مكتبة عسقلان المتواضعة وفي عقلي أنّ البداية هي علم النحو ففتّشت ونقّبت فوقعت يدي على كتاب بالٍ شاحب الوجه وعليه أثر الموت، وعَنَتُ القيد، وغبار الزمن! مسكته وقلّبته وإذا مكتوب على مغلفه: "شرح شذور الذهب- ابن هشام الأنصاري" كنت أقرؤها وكأني أقرأ عملةً مهترئة محا الدّهر معالم حروفها، فأمضيت عزمي، وانطلقت في قراءته مضطراً- فلا بديل عنه! حاولت فهمه في البداية غير أني عبثاً أحاول، فخضت معه معركة حامية الوطيس، انتصرت فيها بعد أربعة أشهر من المكابدة والعناء والجهاد الطويل.

هذا الإنجاز الأول كان حافزاً قويّاً لخوض الغمار بقوّة، ومضت الشهور في سجن السبع المركزي من بعد، وقد درست مجموعة من الكتب المتوفّرة في النحو والصرف والبلاغة، ثمّ حفظت قواعد القافية والعروض من كتاب الدكتور عبد العزيز عتيق، وقد فعلتْ دراسة الأشعار فعلها من المتقدّمين خاصّة ديوان أبي تمام، ثمّ شرح ديوان المتنبي للعكبري، ومن المتأخرين أمير الشعر في شوقياته، وفي كل المراحل التعليميّة لم أنقطع عن كتابة الشعر غير أنّه تراوح في كمّه ونوعه بين المدّ والجزر.

مرّت السّنون إلى أواخر أواخر العام ألفين وسبعة، حيث شملتني التّوفيقات الرّبّانيّة والرحمات الإلهية بصحبه شيخي الفاضل أبي معاذ عيد محمد دحادحة[5]، فثبّت ما أرساه شيخي الهمام أبو همّام، وهندس نفسي للتحليق فحلّقت ووثبت من محاضن الملالة والسّآمة إلى آفاق الهمّة والأمل الرحيب فعرضت عليه القديم من قصائدي فأقرّني، وصرت أعرض عليه كل جديد يُكتب، فيهذِّب ويشذّب ويوجّه ويرشد، فكان تفاعله مع القصائد بمثابة الوقود المحرّك والدّافع للمثابرة والتجديد.

ومع هؤلاء المشيخة النبلاء جميعاً وفي جميع المراحل المتقدّمة من حياتي الشعرية رافقني أنيسي الحبيب والمجاهد الأديب أبو تقي الدين جمال الهور[6].

فكان السرّ الخفيّ في الاستمرار والثبات، يحفّزني إذا فترت، ويؤمّلني إذا سئمت، ويطرد المثبطين من حولي بعزمٍ فتيّ ونصحٍ وفيّ، فساندوني جميعاً- حفظهم الله ورعاهم- لإخراج اللآلئ المعتقلة من وسط محَار يائس تلاطمه أمواج الفتن وظلمة النسيان".

وقد آثرت في ديواني هذا أن أرتب القصائد حسب التاريخ لتبرز المراحل جليّة وينكشف التطوّر والتجديد بين مرحلة وأخرى لكلّ قارئ متبصر، فيرصد الدّارس الموضوعات والمعاني والمباني بأقلّ جهد وأدنى نظر، وليتنقل المتذوّق بين القصائد المتنوّعة دون ملل أو سآمة، هذا إضافة إلى أنّ تعدّد الأغراض الشعريّة وقلّة القصائد الداعمة لكل غرض حال دون التبويب وفق الأغراض والموضوعات.

كما عملتُ على إسقاط الكثير من البدايات بل معظمها، ولم أُبقِ منها إلا أثراً يدلّ عليها لما وجدت فيها من ضعف وركاكة، ثمّ أجّلت نشر قصائد أخرى لأني رأيت المرحلة لا تسمح بذلك فتركتها للأيام.

وليس من نافلة القول التنويه إلى أنّ جميع قصائد الهجاء لم تحمل في طيّاتها معنى الهجاء الحقيقي وإنّما قيلت في مناسبات للتسرية والترويج والتسلية حاملة معها معاني الممازحة في سجن ضيّق ومحنة نكداء.

وبعد: فإن الحمد لله الذي منحني من عطاياه ما لا أحصي ثناءً عليه، ثمّ الشكر موصول لكلّ من ساهم في إصدار هذا الديوان ولو بدعاء صادق أو كلمة طيبة.

 

أبو محمّد علي بن محمّد عصافرة

الجمعة: 8/8/2008


[1] الفول والبيض وجبة صباحية يومية يلزم المعتقل بها لكون مصلحة السجون لا تقدم غيرها غالباً، فيضطر المعتقلون لأكلها –وهذا هو الغالب-، أو الاعتماد على الشراء من "الكنتين" وهو مرتفع الأسعار ولا يتوفر على ما يشتهيه شاعرنا، ويمكن لنا أن نتخيل كيف حال من يقضي المؤبدات والسنوات الطويلة مع هذا الإلزام اليومي بالفول والبيض؛ أما الديسة: فهي وجبة حلو مصنوعة من السميد والسكر، تقدم للمعتقلين كثيراً في أيام الشتاء.

[2] محمود شريتح: من بلدة يطا في محافظة الخليل، خريج هندسة من جامعة بيرزيت في رام الله، كان أميراً للكتلة الإسلامية في الجامعة، يقضي في السجون الآن حكماً بسبعة أحكام بالمؤبد، يحفظ كتاب الله ويتلوه بأكثر من رواية، وله بعض من دراية في الشعر ونظمه.

 

[3] الشيخ محمد جمال النتشة: أحد القيادات التاريخية لحركة حماس، من محافظة الخليل، اعتقل مراراً، وما صحبه أحد في السجون إلا أحبه، وقصته مع شاعرنا تظهر أثره فيمن يلتقيه، فإنه دائم التحفيز والتشجيع، لا يعرف التثبيط ولا يقلل من قدر أحد.

[4] يقصد سجن عسقلان المركزي.

[5] الدكتور عيد دحادحة، تخرج في كلية الدعوة وأصول الدين، وأتم حفظ القرآن، وهو شاعر شعبي، وراوية لشعر الحكمة الفصيح، وخطيب مفوه، نال الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وفي الإعلام، وهو مدرب معتمد في البرمجة اللغوية العصبية، اعتقل لدى عودته إلى فلسطين بعد رحلته الطويلة في طلب العلم.

[6] جمال الهور "أبو تقي" أحد كبار أبطال خلية صوريف ، مجاهد فذ، وقصص مجموعته تستحق أن تسجّل وتوثق بكل أشكال التوثيق الأدبية والفنية والتسجيلية لما فيها من بطولة نادرة، وقصص آسرة، ومعانٍ نب ي لة، ولمجاهدنا محاولات في تسجيل بطولات المجموعة على نحو أدبي، غير أن انقضاء وقته في خدمة إخوانه داخل السجن يحول بينه وبين إتمام تلك المهمة.
 
 


الشاعر في سطور:

-    علي محمد علي عصافرة

-    قرية بيت كاحل- الخليل

-    ولد بتاريخ: 20/3/1982م

-    نشأ وترعرع في أحضان قريته الوادعة، وتربى منذ صغره في مساجدها، وعلى موائد القرآن.

-    التحق بجامعة الخليل- كلية الآداب- لغة عربية

-    كان ناشطاً في الكتلة الإسلامية في الجامعة.

-    التحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام، ونفذ عملية كرمي تسور البطولية، بالقرب من مدينة حلحول شمال الخليل.

-    اعتقل من قبل الاحتلال بتاريخ 28/10/2002م.

-    حكم عليه بالسجن المؤبد أربع مرات، وما زال يقبع الشاعر الأسير القسامي في سجون الاحتلال.

 

أعلى الصفحة