سعاد جبر
يشكل نص (رسالتان إلى..) للأديب المبدع عدنان كنفاني لوحة أدبية مؤثرة؛ تتدفق في نبض الحياة المتصاعد في معارج البقاء، في آتون أجواء الانكسار اللامتناهي، وتعبر عن تلاحم الأدب في مشهده الثقافي مع واقع الألم العربي ومعطياته على الأرض في هوية الوجود، ويبث النص مساحات مفتوحة للمعاناة والاستلاب والدمار في الواقع الفلسطيني والعراقي النازفين بالجراح، والأرض العربية التي ما زالت تحتفظ بأنفاسها في الصمود والتشبث بالجذور والإصرار على الحرية الحمراء مهما واكب الأيام الانكسار وأدمى العمر الجراحات.
وتتشكل التهيئة في النص في لوحة الصمود والبقاء من خلال صورة رمزية تعبر عن أجيال المقاومة، التي ما زالت تتفتح أكمام ورود أرواحها شيئا فشيئا في الأرض الحرة الصامدة لأنها تفتقت من أرواح استماتت في البقاء والصمود، بالرغم من العذابات وسياط أتون الفناء الموجه في زوايا الجسد والمكان
.
وترفرف في سماءات الأرض الطفولة الفلسطينية في رسالة تحليق الحرية في الوجود، تحمل معها ماء الحياة في الصمود وخضرة الأرواح في ظلال الأوراق الخريفية فتنفخ فيها روح الربيع الوجودي من جديد في الثبات الصامد ولغة البقاء الخالد الذي لا يعرف الفناء ومموهات الذوبان.
وتتابع المشاهد القصصية المعبرة عن انتفاضة البوح الثائر في الأعماق، فتنعكس على السطور التي تئن من ضجيج الدمار العابث، ويسلط كاتبنا المبدع أضواءه السردية في النص على "غول " في مفردة رمزية تتناسب مع أجواء القص الدائرة في عيون الطفولة الحالمة في الأفق البعيد، وقد أدمى عيونها نفث الدمار والخراب.
وتتواكب المشاهد التصويرية في النص لتتابع "ثنائية المقابلات" في النص بين اليد المدمرة العابثة الوحشية وبين الروح الملائكية المتصاعدة في مدارجها نحو الحرية والإصرار على البقاء.
وقد أبدع كاتبنا في تشكيلها ضمن باقات رمزية ذات أطياف عذبة تحمل معها روائع التصوير الشاعري في دفء التعبير وقوة الإيقاع في ترسيخ المفردات في النص، حتى تخالها جذور تتأصل بين عينيك في أعماق هوية الوجود في ثنايا الحروف التي تبث نداءاتها في إيقاظ الضمير وتعلي صوت وجودها الحر في البقاء وإنشاد الحرية في صحراء الوجود.
ويمضي السياق السردي في القص ليعبر عن زمانات رمادية من العذابات وأماكن مفتوحة في الثرى العربي، يعتريها الدمار تلو الدمار في متتاليات الدمار اللامتناهي في إيحاء تطلع الأفق القادم
.
وتشرق سماءات النص النضرة عند زاوية تنكسر فيها إشعاعاتها بانحناءات حادة، وتتكاثف عندها لغة السرد المختزلة في بنائها التركيبي لتسلط الأضواء الجريحة هناك على طفولة باحثة عن مقدساتها من بين الركام:
تدمّر بيته ودفاتره ولعبه".
"
أصابعه النحيلة، كأنها سنابك جرّافة يغرزها بقوة في كومة دمار "هي ما تبقّى من بيته".
والمفاجأة كانت نصف دمية حررها الطفل من بين آتون اختناق الدمار، وفي ذلك رسالة إيحاء رمزية على لغة الإصرار على البقاء ورفض الفناء:
"
سحبت أصابعه من قلب الركام.. نصف دمية..! رفعها إلى فوق ينظر إليها بصمت، ودهشة".!
ويعبر النص عن مساحات القهر الدامية في أنفاس طفولة تجاوزت بها مساحات العمر كله، فقد أثقلت محياها بالأحزان، وحاولت عابثة استلاب هويتها لكن هيهات.. هيهات.
ويسقط على النص دمعات تلك الطفولة المحترقة ألما ويبرز من خلالها انبعاث قوة خارقة في لغة رمزية تحمل إيحاء حديدية الصمود وقوة انبعاث الرفض
"لمحت في حزن عينيه المقهورتين بريق دمعتين وقفتا حدّ الطوفان، سقطت الدمعتان على وجنتيه، ثم أشعلتا ناراً في كومة الدمار".
وتمضي شيفرات المقابلات اللفظية في النص لتعبر عن إبداع ساحر في نقش الحرف الخالد ورمزية مبدعة في الإيحاء ضمن لوحة مؤثرة جياشة تتجسد من خلالها الطفولة وقد قطعت أجساد مبعثرة لكنه لا تلبث أن تلملم شتات جسدها لتعود جسداً بروح ملائكية في عمر الصمود.
"
عاد ينظر إلى نصف الدمية..
كأنه يبكي.. كأنه ناي زادت بحّاته.. كأنه يغني".!
وتتأجج جماليات التقابل في هذا المشهد التصويري الذي يلتقي فيه قمة الانكسار وقمة الاستثارة والصعود:
"
صرخ بأسى ذابح ألهب رمال الصحارى كلّها".
وتسدل نهاية الرسالتين في متتاليات اللانهايات من العذابات والدمار والجراح النازفة على السطور المنطبعة بعبق شفافية شذي رموز الطلة العراقية البهية في مواكب الزمان إذ تجاوزت الأفاق على بساط سيمفونية اللحن الحر الأبي الأصيل، الذي وأد بدم بارد بشع في السمت والسلوك عبرت عنه الطفولة البريئة الحالمة بقولها:
"قتلوا السندباد".
وتختتم المشاهد التصويرية في النص في شيفرة لغوية تعبر عن تدفق عواطف فياضة دافئة جياشة تتشكل بدمعات حارة في أثير تلك الرسالتين التي يبث السارد من خلالهما أوج أسرار البقاء في الوجود؛ في نبض الحياة المتدفق عمراً جديدا في الصمود؛ عمراً جديدا في هوية البقاء؛ عمراً جديدا في تجدد الروح في الروح؛ في النص الساكن في ثرى الأرض النابض العاشق لديار الأحرار والصامدين في أتون الدمار والمشعلين نبراس الحرية في ظلمات الواقع التائه في ملفات بيع الأرض في أسواق النخاسة تحت مسميات سموم السلام وملفات السياسة في العبث واستئصال الأرواح من الأجساد ووأد الذاكرة في مقابر الزمان واصطناع حضارة متوهمة في لغة الذئاب.
تحايا التقدير الألق لكاتبنا المبدع عدنان كنفاني.
ودمت مبدعا متميزاً مشرقا بدفء همسات قلمك الجياش المنتفض الرافض للذل والهوان في عمر الأمة، الممتد في آفاق شاسعة بلا حدود في رسالة اليراع النبيل المبدع.
وتقبل تحايا قلم فلسطيني، يذوب تحنانا للأرض ويبث أشواقه من ديار الشتات والاغتراب.
|