كنانة عفاش العفاش
مواليد 1981 _ سوريا، دمشق
حدث الأمر هكذا بسرعة مذهلة وترتيب غريب، هوت الفرحة على رأسه كمزحة من العيار الثقيل ومكيدة من الليرات الذهبية.
لم يكن قد استعد جيداًَ لمثل هذه المفاجأة، كان ما يزال في طريقه إلى الخيمة يحمل الماء على رأسه المتصدع كأرض محروثة، إلى أن لمحها من بعيد.. فاتنة، متمايلة الخطى، لونها الأبيض بدا كفستان عروس تضحك، صوتها عذب ينفث فحيح غيوم بيضاء، أما عجلاتها كانت بطيئة كما تبطئ الفرحة داخله تخبطاً.
دون تردد ركض ليثبت قدميه أمام تلك الطاقة الصغيرة، وما هي إلا لحظات قليلة حتى عج الصخب، وانسل الأولاد الشياطين من ثقوب الأرض يتدافعون ويتقاذفون الضربات والضحكات.
دفعوه بقوة إلى الوراء، احتلوا موقعه الملاصق للطاقة، رغم ذلك ظلت الفرحة على وجهه طافحة كدلو الماء الذي اندلق على جسده لحظة تلقي المفاجأة، ربما سكبه عن قصد كي يتأكد إن كان الأمر مزحة أم حقيقة.! لكنها الحقيقة.. الحقيقة.. بكل طيشها وجموحها القاهر.
تشبث بموقعه أكثر وضحك بصوت يضج انتصاراًَ.
ما هي إلا لحظات حتى انفتحت الطاقة تتقيأ الضوء في كل مكان، ظهر منها وجه مجدور يصيح:
(بنظام كل في دوره.. لا أريد ضجة.. كل في مكانه..)
وأنا هذا هو مكاني لن أسمح لأحد بمزاحمتي عليه..
طالما ظن أن الحياة ستفتح له ذات يوم كل مساماتها كي ترشقه بفرحها.
بين ضجيج الفرج وصراخ الفرح، تذكر تلك المرات الكثيرة حيث كان يقف هناك بعيدا عن هذا الشباك الصغير، كان النهار يمضي.. قدماه تتورمان، الشمس تذيب رأسه وتصهره في بوتقة تجمع الرأس والرقبة في قالب واحد.
كثيراً ما كانت الحمولات "تنفق" والنهار يمضي قبل أن يأتي دوره، يتبارك بملامسة تلك الطاقة، ليعود أدراجه ثقيل الخطى ينوء ظهره بحمل الخيبة فتقضه.
أمه وأخوته الصغار يتكومون أمام شق الخيمة كثياب "مجعلكة" بانتظار الظافر كي يعود بها لنازلة شتاء طويل يسن أسنانه من الآن، عندما تلوح قامته من بعيد تتلاطمها أمواج الانكسار تلوح
ا
لدموع في عيني أمه، بينما يتدحرج أخوته الصغار إلى شقوقهم، ربما كانوا يلعنون في أعماقهم الأخ الأكبر الذي سيضعهم مرة ثانية بين فكيّ البرد واصطكاك الأسنان والاحتكاك بالموت عن كثب.
إنه خير من يعرف أن للبرد أضراس تمضغ تلك الجثث الضئيلة، تلوكها متلذذة باستسلامها، لتبصقها في آخر المطاف وجوهاً صفراء، وعيوناً فارغة من كل شيء، إلا من دهشة النجاة.
لكن اليوم كل شيء تغير.. هاهي الفرجة المضيئة على بعد أمتار منه.. الظهور أمامه بدأت تستدير تبشره باقتراب دوره، فقط لو يرى وجه "مسعود" الآن كيف يبدو؟
مسكين.. ربما يقف في الصفو
ف
الأخيرة يحاول دسّ جسده بخبث ومهارة كما يفعل دائماً
آه يا مسعود ليتك تراني الآن.. ستحسدني حتماً وسأزهو أمامك خابطاً بقدميّ على الأرض لأقول لك صارخاً: (هل كنت تحلم بهذه الرقعة من الأرض؟ قد تضيء بعض الدموع في عينيك لكنني لن أشفق عليك أبداً، لن أترك فرحتي تشوبها شائبة، خاصة وأنك كنت تستلذ بإغاظتي وتنصرف "تنتع" صرة الثياب الثقيلة على كتفك المتعب، تحلق أمامي مبتسماً وقد سبحت سحنتك في بركة عرق لزجة ـ كمذاق وقفتي الطويلة تلك ـ تقول لي بصوت يضج انتصاراً: (لح
ّ
ق حالك...)
كنت أشعر أن كل شيء متواطئ معك.. الشباك أحسه يدنو منك.. الجموع تتفرق كي تفسح لك ممراً سهل الاجتياز.. حتى الشمس لم تكن تتبلد فوق رأسك لتصب جام زيتها وعرقها عليك.
لكن الأمر ليس كذلك، ها أنت في مكان لا أستطيع معاينته، وأنا هنا.. هنا يا مسعود
مازلت أذكر حين سألتك مرة وقد اكتسى جسدي بانحناءة استجداء مهترئة كذلك البنطال الذي عجزت أمي عن رثيه:
ـ (مسعود علمني.. علم رفيقك كيف تفعل ذلك بكل تلك الشطارة؟)
كنت تبتسم أمامي ببنطالك الكتاني وقميصك
الذي
فُصّل على مقاسك ـ حتى الثياب كنت أشعر أنها متواطئة معك ـ أجبتني حينها:
ـ (إن الأمر يحتاج إلى ذكاء.. ذكاء فقط)
لم أنفجر في وجهك لأقول لك إن تصريحك معلن بأنني غبيّ لأنني ظننتك ستعطي صديقك البائس شيئاً من أسرار المهنة.
لكن الآن كل الأمور انقلبت.. سيهوي أخوتي فوق تلك الصرة يتقلبون ويتدحرجون وسيأتي الشتاء رحيماً كما لا تجري العادة.. سنجلسه معنا.. سنحكي له كل الحكايات الخبيثة والبريئة.. سيضحك حتى ينقلب على قفاه فيبدو كولد مراهق، سنوبخه ونعاتبه على كل المرارات ساخرين من تحطمه وسيعتذر لنا تائبا.. أحدنا سيدس أصابعه الدافئة تحت الغطاء السميك قبل أن يقبل اعتذاره.
ظهر جديد استدار، ما هي إلا لحظات ويدخل طاقة الفرج ليخرج منها شخصاً آخر.
تمسّك بالشاب أمامه وألقى نظرة خاطفة للوراء وضحك في عبه.
سال عرق بارد على سلسلة ظهره.. تداخلت كل الصور في عينيه فأزاحها لأنه هنا..
ها أنت أيها البائس
وجهاً
لوجه أمام هذه الطاقة دون فواصل دون حدود دون طوابير متكاثرة
ها أنت أمامها وجها
لوجه (
من قال إن الدنيا ظلامة الحظوظ؟
)
.
حدق في المربع الصغير عاين زواياه الحادة كعيون صقر.. تحسس قضبانه، حيث المربع المجاور كان أكثر اتساعا كي تتمكن المعونات من إعانة نفسها بالتزحلق، ها هي الطاقة تتحسس لون الضوء في سحنتها،
ارتفع صوت الرجل أمامه، يخربش بين الأوراق، كان سيقول له:
ـ أ
نا في واد وأنت في واد..
أين أنت الآن يا مسعو
د.؟
جاءه صوت الرجل مُلحاً بعصبية:
ـ البطاقة.. أعطني البطاقة.
ليست مزحة من العيار الثقيل أو مكيدة من الليرات الذهبية ما سقط على رأسه.. فؤوس.. فؤوس مشحوذة بحرفية فالق الصخر.
البطاقة.. كيف نسيت البطاقة.!.
بلع ريقا ناشفا وهو ينضح العرق الدافق من جبهته.
تدافعته الجموع للوراء.. أحس برغبة ملحة للبكاء لكنه لم يفعل
صرخ البرد في جميع غرف قلبه المتخبطة الأبواب والشبابيك.. دوى الصوت في رأسه يفلقه إلى نصفين، أحس أنه يبلع جفاف الصحراء بشوكها وواحاتها الكاذبة في حلقه.
وجوه أخوته ما لبثت تركض في ممرات جمجمته نيئة.. أجساد منكمشة على نفسها كضحكة مقتضبة.. أصابع تتآكل برداً.. عيون صامتة كقبر قديم.
إنه من يعرف البرد.. إن دخل من الباب هربت الحياة من الشباك .
وحده من خبر للبرد فحيحاً ساماً أشد قسوة من لدغ البرد نفسه.
هل كنتُ حقاً هناك قربها.؟ أم كانت تلك اللحظات القصيرة ضرباً من ضروب التشظي حلماً.؟
انكسرت جميع مرايا الثقة في أعماقه، وجد نفسه يتمرغ فوق فتاتها..
نهره هذا.. ولكزه ذاك.. أخذت الشمس تسلط أشعتها المحترقة عليه..
رنا عميقا إلى يديه تباركتا بملامسة تلك الطاقة التي غدت بعيدة.
بعيدة جداً كتلك الشمس المتواطئة معك يا "مس
عود".
.
* * *
*من القصص المنوّه بها في مسابقة القصة الشبابية القصيرة التي أطلقتها مؤسسة فلسطين للثقافة، احتلت المرتبة السادسة حسب تسلسل الدرجات.
|