بحث في الموقع
   
اختيارات القرّاء
الأكثر قراءةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر تعليقاً
الأكثر طباعةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر إرسالاً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
... المزيد


 
أدباء فلسطين عندما تضيق في طريقهم النقابات
طباعة إرسال لصديق
أدباء فلسطين عندما تضيق في طريقهم النقابات
تاريخ النشر: 08/02/2010 - 09:18 ص

  الدكتور أسامة الأشقر *

 

لم يكن يفاجئني أبداً أن تنشأ رابطة جديدة للأدباء والكتاب في فلسطين وتحديداً في قطاع غزة ، وقد حذرنا مراراً أن السلبية النقابية ، وتجاهل مطالب الكتاب والأدباء وعدم التعامل مع انتقاداتهم سيفجر الوضع وسيؤدي إلى مزيد من التعقيد، كما أنه في المقابل قد يفتح الباب على عملية تغيير حقيقية أيضاً.

لستُ من المعارضين بادئ الأمر لنشوء هذه الرابطة في قطاع غزة فأنا أعتبر ذلك حقاً طبيعياً لهم لاسيما عندما انقطعت السبل أمامهم في أن يكونوا جزءاً من الحالة النقابية الثقافية الفلسطينية بعد قرارات تغييب أعداد كبيرة منهم من الأدباء والشعراء والفنانين وحملة الشهادات العليا وأساتذة الجامعات لأسباب سياسية أو حزبية لا تتعلق بالمستوى النقابي، وليس هذا الأمر وحده لدى الكتاب والأدباء بل الحالة أسوأ لدى الصحافيين والعمال والطلاب والمرأة وكافة القطاعات النقابية .

كما أنني أفهم في الوقت نفسه أن نشوء هذه الرابطة في قطاع غزة هو وليد الحالة السياسية القائمة اليوم في الضفة والقطاع، فقد أُغلقت بوابات الحوار، وهي التي كانت مسدودة أساساً ، لكنها كانت على الأقل تفتح ثغرات في نوافذها العالية لهامش الحديث وإن كان غير مفيد. 

وأفهم أيضاً أن حركة حماس التي تقود قطاع غزة اليوم في حالةٍ تمكّنها من تمكين وضعها بعد أن عانت طويلاً من مسلسل التغييب الممنهج في القطاعات النقابية بسبب سياسات فئوية حزبية جاهلة، وحماس وهي الحركة الفكرية في الأساس والتي أسست لجامعات ومعاهد ومراكز تنوير وتعليم وتربية ، لا يمكنها أن تتجاهل هذه الكوادر التي تبحث عن منافذ نقابية حقيقية التمثيل لها، كما لا يمكنها أن تتجاهل أنها قوة حقيقية على الأرض ويجب أن تكرس قوتها في كافة المرافق المتاحة. 

إلا أنني في الوقت نفسه لا أظن أن حركة حماس هي المسؤولة فقط عن هذا التحرك النقابي فهذا التحرك محدود في قطاع غزة ولم تنهض معه جغرافيات الحركة الأخرى في الضفة والخارج بساحاتها الكبيرة المتوزعة، فساحات الحركة في خارج فلسطين تحاول الاندماج في الأطر النقابية المتاحة بالتشارك مع القوى الأخرى، وبمعنى آخر أن حركة حماس تتعامل بمنطق المشاركة والمنافسة في الأساس لكنها تعمل أيضاً على تحريك عملية التغيير بالمبادرة أيضاً إذا وجدت الطريقة مسدودة ولم تجد قدرة على المشاركة والمنافسة، وأعتقد أن رغبة الأدباء والكتاب الملتزمين والوطنيين والرافضين لخط الانبطاح السياسي والاستقواء بالصهيوني والأمريكي على الوطني الفلسطيني قد دفع بهؤلاء للانسلاخ عن الجسم النقابي الفلسطيني المهترئ أو اليأس منه لهشاشة دوره وعدم قدرته على رفع الصوت ضده ، واشتغل هؤلاء في محاولة فتح أفق جديد يعطي رسالة للنقابيين المتنفذين أولاً بأن النقابات ليست ملكاً لهم، وأن النقابات يجب أن تكون حرة وديمقراطية وتداولية بمنطق المنافسة والمدافعة والمشاركة بما يخدم الشريحة النقابية . 

وأرجح أن الرابطة الجديدة في قطاع غزة لن تقع في أخطاء مَن سلفها فتحصر العضوية في انتماء سياسي محدد بل ستفتح المجال لكل راغب ومؤهل ويتمتع بشروط العضوية النقابية لكي يكون جزءاً منها، كما أنها ستنفتح على محيطها العربي والإسلامي أيضاً بوصفها ضمير الأدب المقاوم والملتزم بذلك قولاً وفعلاً لا ادعاءً ومماحكة ومزايدة.

وأفهم من تسميتها رابطة أنهم لا يريدون أن يكونوا بديلاً عن الاتحادات الأدبية القائمة وإنما يريدون أن يكونوا ممثلين بعدالة فيها دون تغييب ، وهم يعطون بذلك رسالة واضحة أنهم منفتحون على أي توجه إيجابي حريص يعمل على ردم الهوة وتصحيح الوضع المنحرف. 

وأنا هنا أسجل استغرابي من قيام بعض النافذين في النقابات الأدبية الفلسطينية باعتبار تشكيل الرابطة عملاً انشقاقياً، ولم أستطع أن أفهم هذا التصريح إلا أنه تصريح سياسي محض يعبر عن رأي جهة سياسية متنفذة، فقد نشأت روابط عديدة من قبل احتجاجاً على الوضع السيئ، وبعضها كان من القلب الفتحاوي واليساري، فالاحتجاج لا يخص جهة دون جهة بل هي حالة استياء عامة لدى الكتاب والأدباء. 

وأستغرب أيضاً من الادعاء بـأن اتحاد الكتاب الفلسطينيين في مقره برام الله مفتوح للجميع، فهناك عشرات الحالات التي أعرفها ليست عضواً في هذا الاتحاد، بل هي مستبعدة لاعتبارات سياسية، وهناك حالة تشنج سياسي في هذه الأجسام النقابية، وإن كنتُ أعرف أن بعض المؤطرين في بعض القوى المرفوض تنسيبها لاعتبارات سياسية فئوية هم أعضاء في هذا الاتحاد تم تنسيبهم لأسباب شخصية وعلاقات عامة وليس انفتاحاً على كافة التيارات وتحديداً تيارات المقاومة الوطنية. 

وأستغرب أيضاً الحديث عن لجنة تحضيرية تجمع 34 كاتباً من الداخل والخارج تحاول أن تعيد بناء الاتحاد من جديد فهذه اللجنة المزعومة تجدها على الورق فقط كما لا يعلم عنها سوى قلة محدودة ومركزة جداً ، كما أننا لا نعرف متى شُكِّلت؟ وكيف شكلت ؟ ومن هم أعضاؤها؟، وهل عرضت على المؤتمر العام ؟ ولماذا شكلت بالأساس؟ فكان على هؤلاء ابتداءً أن يصارحوا الكتاب والأدباء بأزمتهم، وألا يناقشوها في كواليس الأحزاب والتنظيمات المقفلة. 

وأحسب أن هناك تضليلاً كبيراً يمارَس علينا نحن معاشر الكتاب والأدباء، ويتسلل إلينا بين الفينة والأخرى تسريبات تتحدث عن اتفاق ما تم توقيعه في دمشق بتاريخ 6/3/2006، ممهوراً – كما يقولون – " بتوقيع كل القوى الوطنية والإسلامية، على طريق الدعوة لمؤتمر عام موحّد، في أقرب وقت، تسمح به الحالة الفلسطينية، التي ينبغي أن تتوحّد على كل صعيد، وبعد أن تم إعادة عضوية فلسطين كاملة في الاتحاد العام العربي". هذا الاتفاق الذي لا نعرف تفاصيله بعد ولم يُنشَر في أوساط الكتاب والأدباء في الخارج، وبما أنني مهتم بهذا الملف وعارف ببعض تفاصيله على الأقل من خلال علاقات عامة وشخصية وليس من خلال منظومة تعريف نقابية فأنا أعرف أن عضوية فلسطين اتحاد الكتاب والأدباء العرب استعيدت بصورة تبعث على الألم إن لم تكن مستفزة ففلسطين يمثلها شخصان واحد من الضفة وآخر من الخارج، وهما يتناوبان الرئاسة، وأما ما يزعمه هذا الاتفاق من الدعوة إلى مؤتمر عام في أقرب وقت فهذه كذبة كبيرة للأسف تعودنا عليها، فالاتفاق قد مضى عليه الآن نحو أربع سنوات ولا يوجد أفق ولا حراك ولا مبادرة على طريق المؤتمر العام المزعوم.        

إن نقاباتنا الأدبية شبه عاجزة أو قل إنها مشلولة وتعمل في العلاقات العامة وتلبية الدعوات وإقامة بعض الفعاليات في بعض المناسبات المتباعدة، وأنا أعذرها قليلاً لأنها شبه مفلسة وتعاني من انعكاسات الوضع التنظيمي للفصائل عليها، لأنها شُكلت باعتبارات تنظيمية فصائلية بالأساس، لكنني لا أعذرها أبداً في أنها تتجاهل أزمتها ولا تبادر إلى حلها، ولا أدري كيف تحتمل كل هذا الضغط الهائل عليها من الكتاب والأدباء دون أن تسعى بوضوح ومكاشفة إلى تقديم اقتراحات عملية على الأقل لحل الأزمة. 

ولا يفوتني هنا أن أقول إنه ليس ثمة اتحاد واحد يمثل شريحة الكتاب والأدباء بل هناك اتحادان وروابط عديدة فهناك اتحاد في الخارج يجمع الكتاب والصحافيين ومقره في دمشق، واتحاد آخر في الضفة الغربية ويتشكل من فصائل منظمة التحرير، والأول أكثر انفتاحاً على القوى والفصائل غير الممثلة في منظمة التحرير، وفيه عضوية لا بأس بها من المستقلين، والثاني تعاقبه الجغرافية المحصورة بسبب الاحتلال، وتعاقبه أيضاً انتماءات قيادته السياسيه رغم أنه يناصر - بحرجٍ وعمومية - خط المقاومة إذ هو الخط المعتمد لدى اتحاد الكتاب والأدباء العرب. 

إنني شخصياً أدعو إلى إعطاء الفرصة لكل رابطة أو هيئة أدبية تسعى لملء الفراغ الأدبي والفني في واقعنا الفلسطيني ، وأعتبره حراكاً مشروعاً يجب تشجيعه ودفعه للإنتاج بدل مناكفته، ولتتفتح الزهور في البساتين الواسعة أمامنا، ولتشرق الشمس على أكبر مساحة ممكنة فقد أرهقتنا الظلمة، وهي فرصة لاستدراك واقعنا النقابي المأزوم، والعمل على تحشيد المثقفين لخدمة الوحدة الوطنية وخط المقاومة وإشاعة الديمقراطية المتأسسة على الكفاءة لا الولاءات والانتماءات.
ـــــــــــــــــــــ    
 
* المدير العام لمؤسسة فلسطين للثقافة

أعلى الصفحة