في كلّ جيبٍ مفاتيح بيتٍ وصورة عائلةٍ
كلّ أهل القطار يعودون للأهل
لكننا لا نعود إلى أي بيتٍ
محمود درويش
تشدّك نحو
نهاية هذه الرحلة رغبة جارفة، لها
رائحة الينابيع والبساتين وأشجار السنديان، تلك الرائحة التي أدمنَها قلبُكَ سنةً بعد سنة، يوقظك ضجيجٌ بكر، يولد مع محطّة جديدة، يطرد السائق عن أهدابِكَ حلماً متكرراً، ينبِّه نومك اللذيذ بقسوةٍ كلَّ صباح لتبحث عن رزقك، شأنك في ذلك شأن الطيور التي تغدو خماصاً، ولكنك لا تروح بَطيناً، ذلك أن سائق الحافلة لا يعطيك ما يسدّ الرّمق، والحافلة ذاتها لا تجود في أكثر من الأحيان إلا بالنزر اليسير الذي تتقاسمه مع بدرية، وأنت تحمد الله على كلّ حال: تحمد الله لأنك ما تزال على قيد الحياة، ولأنّ الركّاب جميعاً لا ينافسونك على المبيت في هذا المكان، فهم يتركون لك طول الحافلة وعرضها، ويعودون إلى جدران منازلهم، ويلجؤون إلى دفء أطفالهم وزوجاتهم.
وحدها بدرية تضيء وحشة هذا المكان: تنظّف معك الحافلة كلّ ليلة، وتساعدك في البحث عمّا يجود به المسافرون، عن طيب خاطر، أو عن ضيق وقت، أو عن ملل، من بقايا أكياس البزر ورقائق البطاطا وعلب الكولا التي لم تفرغ خلال الرحلة الطويلة..وتحدّثك أحاديث لا تُنسى عن القهر والنفي والتشريد، تحدّثك عن قرية "صفّورية"، التي يسميها اليهود "تسيبوري" وتسمّيها بدرية "عيون القسطل"، تحدّثك عن آبارها وينابيعها وبساتينها، لاعنةً أبا الزمن وأبا اليهود الذين سحقوا أباها تحت جنازير دباباتهم، وطردوا أهلها في أربع جهات الأرض، فتحدّثها بدورك عن "الجِشّ": سنديانة صفد التي تحبّ أن تسميها جسكالا، تلك القرية التي تمدّ سفحها إلى الرأس الأحمر وطيطبا وقديتا والصفصاف وكفر برعم وسعسع، ولا تملّ الحديث عن أعمدتها ومدافنها ومغائرها.. ترتضيان الكراج وطناً مؤقتاً، ولكنك تؤكد لها كلّ ليلة أنّك تشتاق إلى من بقي هناك من آل حليحل والخلايلة وزيدان، وتسمُران حتى ينتصف الليل، وتحلمان أن تبنيا بيتاً، وتنجبا أولاداً. ولولا عيونها المتورمة من النعاس لأسعفتك ذاكرتك، وأسعفها خيالها بمزيد من حكايات الحب والحرب التي لا تنتهي.
كانت بدرية متعبة هذا المساء؛ لذلك تركتها، على غير عادتك، تستسلم لتعبها ونومها وأحلامها، تقاوم برد الأرض الندية بمعطف قديم، ومضيتَ تبحث لكما عمّا يجود به الغريب للغريب.
كثيراً ما استطعتَ أن تقرأ قلوبَ المسافرين من خلال وجوههم وعيونهم وأحاديثهم، وما يتركونه من أغراض، وما يكتبونه من كلمات على زوايا مقاعدهم، فهذا غني مترف، وهذه فقيرة معدمة، وهذا عاشق حزين، وتلك زوجة سعيدة، تشعر أنك تحسد أولئك جميعاً: الغني والفقير، السعيد والحزين، لأنهم يركبون الحافلة ثم يذهبون إلى عناوينهم، أما أنت فليس لك عنوان في هذا الكراج الذي يلتهم عمرك سوى بدرية.
هذه الأفكار كانت تأكل رأسك عندما برز لكَ، مثل مطر صيفي مفاجئ، ضوء ساطع في زاوية أحد المقاعد، تلفتَّ حولكَ، راقبتَ كل الباحثين عن أرزاقهم في الكراج، فوجدتهم مشغولينَ بأكياس أحلامهم الملونة، لذلك ذهبت إلى مصدر الضوء لتجد بين يديكَ عقداً لامعاً، سرعان ما استقرَّ في جيبكَ الواسع.
لم تستطع النوم تلك الليلة، ذهبتَ إلى بدرية التي حاولتْ أن تؤجل استيقاظها من نومها المتعَب، ولكنك كنتَ تهزّها بعنف. وإذ فتحتْ عينيها لمحتْ في عينيكَ بريق سرٍّ مغلق:
-
ماذا وراءك يا درويش؟
-
اخرسي الآن.. لا تفضحينا.
مسكينة بدرية، لا تعرف السلطة التي تجعلُ رجلاً مثلكَ يتحكّم بها، فأنتَ تهينها، وتصرخ في وجهها، وتضربها أحياناً، ولكنها تحبّكَ.. تذكُرُ وعدَك لها بقميص نومٍ وردي، يشبه لون أحلامها، فتضحك في سرّها.. أي حبٍّ هذا الذي يجمع مشرّدَين في كراج؟ وأيُّ زواج هذا الذي لم يستطع حتى الآن أن يثمرَ أطفالاً على الرغم من أنها تعيش معك في هذه المحطة منذ عشرين عاماً.
تُرى هل تنتظر ثلاثين عاماً أُخَر؟
ستبقى معك حتى النهاية. ليس الحبُّ فقط هو ما يجعلها تصبر عليكَ، حتّى إنّ نفسها كثيراً ما حدثتها بتركِكَ، ولكن: إلى أين ستذهب؟ وليس لها في هذا العالم سواك، هذا العالم الصغير الذي يتّسع لآلاف المسافرين، ويضيق بأحلامِكُما التي تمتدُّ من البحيرة إلى البحر.
مسكينة بدرية، تركَتْ لَكَ يَدَهَا المرتجفة، لتسحبها منها مثلَ غنمةٍ حتى أخذتها إلى إحدى زوايا الكراج:
-
بدرية.
-
نعم؟
-
سنتزوج.. وسأشتري لك قميص النوم الوردي.
ضحكتْ بدرية ضحكة هامسة، ثم تشجّعتْ فضحكتْ ضحكة أخرى، استطعتَ رغم زكامِكَ أنّ تشتمَّ منها رائحة استخفاف.
-
وهل تظنُّ أننا قادران في هذه السنّ على الزواج.
-
أنا قادر بالتأكيد، أمّا أنت فلا أدري.
قلتَ هذا، ورحتَ تمسّد شاربيك المتهدّلين، وتحاول جعل ظهرك قائماً دون جدوى، فتصفعك نظراتها المرتابة، غير أنها سرعان ما تنتبه إلى فكرة طارئة:
-
وهل سنتزوج هنا، في الكراج؟
-
لا..
-
إذاً.. فقد وجدتَ كنزاً.
-
نعم..
وحتى لا تترك المسكينة في حيرتها أخرجتَ من جيبك العقد اللامع، وفردته أمام عينيها، فأخَذَته، ثم راحت تمسحه بثوبها، فيزداد لمعاناً.
-
وأين وجدته؟
-
على مقعدٍ في الحافلة.
لمعت أسنان بدرية الصفراء بابتسامة ظافرة، ثم راحت تتحدث عن المستقبل باندفاع فتاة في ربيع عمرها:
-
ستشتري لي قميص النوم الوردي إذاً، سألبسه لكَ في المساء، ثمّ أعلّقه عند الصباح في الخزانة، لذلك ستشتري لي غرفة نوم، ولكن أين سنضعها؟
-
تريدين غرفةً إذاً؟
-
بل بيتاً.
-
وهل تظنّين ثمن العقد كافياً لتحقيق هذه الأحلام كلِّها؟
-
سيكفي، إنه عقد ذهبي ثقيل، انظر إلى لمعانه، وتحسس وزنه.
تحدثتما ساعة أو يزيد عن صاحبة العقد، واتفقتما أن تعيداه إليها إذا عادت، ولكنَّ رغبةً دفينةً داعبت قلبيكما بألا تعود، حتى يبقى العقد الثمين لكما.
ثمَّ سارت أحلام كل منكما في طريق مغاير: وضعت بدرية يدها فوق جرح غائر، وراحت تتخيّل أثاث البيت: الغسالة الكهربائية والثلاجة، وغرفة النوم، والأرائك، والوسائد المزركشة، أما أنتَ فرُحْتَ تفكّر في البيت نفسه: على أي أرض ستبنيه؟ فوق أي تراب؟ وينابيع صفورية وبساتينها، وسنديانة صفد التي تمدّ سفحها إلى الرأس الأحمر وطيطبا محاطة بالأسلاك. أصاب وجهك حزن شديد، وإذ لمحته بدرية قالت فزعةً:
-
وماذا لو كان العقد من النحاس مثلاً؟
قُلْتَ لها بحكمة رجل أنهكه التشرد والقهر:
-
لا فرق يا بدرية.. لا فرق.
بكت بدرية بكاءً مريراً إذ تأكّدَ لها مرة أخرى أنّ بناء البيت يحتاج إلى أكثر من المال، لذلك دثّرتْ نفسها بمعطف التيه، وأغمضت عينيها على حلم ورديٍّ، أماّ أنتَ فقد بقيت ساهراً بانتظار فجرٍ جديد.
الإمارات 5/12/2009
|