د.رمضان عمر
الرؤية- كما نراها- تمثل المضمون المحوري- من وجهة نظر الكاتب- أو فلسفته الذاتية التي يسلط الأضواء من خلالها على معطيات القص، بحيث تقوم- هذه الرؤية- بوظيفة التشكيل البنائي.
وأول تشكيل بنيوي في هذه القصة القصيرة نجده في العنوان ذاته" يا أيها الكرز المنسي "
هذا العنوان ذو التركيبة الرباعية، تضافرت في تكوين مجموعة من التقنيات اللغوية تصدرتها أداة النداء يا والمنادى الكرز الموصوف بصفة عملت على تشكيلها صيغة اسم المفعول" المنسي".
العنوان يكشف عن قيمة رمزية في كلمة "الكرز" سرعان ما تتفكك أسرارها مع تطور الحدث في ثنايا القصة؛فنجد أن الكرز له علاقة ب" عمر القاسم" الشخصية الرئيسية في القصة.
ولعل العنوان قد عدل-هنا- عن استخدام الجملة الخبرية ليتوافق مع منحى القص في شخصية عمر القاسم الذي عدل عن حبه للكرز، فالكرز كان في وقت من الأوقات مطلوبا محبوبا عند المعلم عمر القاسم لكنه أصبح منسيا بعد لحظة التحول جعلت عمر القاسم وزيرا.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الكرز باعتباره مشكلا محوريا في العنوان والقصة ذاتها،هذه القيمة الإشعاعية الإيحائية الموجزة والمكثفة في آن واحد سرعان ما تتجلى في غير غموض مع بدء عالم القص، فكلمة الكرز تتكرر غير مرة في ثنايا الخطاب السردي بل وينغلق بها هذا الخطاب لتكتمل قيمتها الدلالية الموسومة بالعنوان" الكرز المنسي ".
حيث يوزع أبو فياض سلة الكرز على الصغار، ويطب منهم أن يأكلوها"
قائلا لهم:" تعالوا وكلوا الكرز وعندما تكبرون لا تنسوا طعمه"
لقد غدا الكرز ضحية النسيان بسبب الرغبة في السلطة، فلم يعد عمر القاسم يتذكر أيامه في القرية حيث كان معلما مبدئيا تملؤه القيم وتحصن سلوكه أبجديات الرفض لسلطة الأغا، وكان يجلس بين الفلاحين ويصفهم بالطيبة حينها كان مذاق الكرز طيبا.
البناء السردي.
يبدأ النسق التعبيري من لحظة زمنية متأخرة لحظة تحول الشخصية المركزية في القصة عندما أصبح عمر القاسم وزيرا، عندها بدأت المبادئ تتحول هذه النقطة نقطة تحول جوهرية يضيء من خلالها الكاتب جملة اضاءات على مجتمع القرية البسيط الحالم بالتغير عاقدا الآمال على عمر القاسم ليخرج القرية من أتون الفقر والحرمان ثم ينتقل السرد.
هذه البنية التشكيلية الهندسية التي عبثت بالزمن وأحالته الى اهتزازات ترددية بحيث راوح السارد بين الحاضر والماضي ليقدم لنا شخصيتين لعمر القاسم ، عمر اللحظة " الوزير " وعمر " المعلم " فبعد كل وقفة مع عمر الوزير يرتد الزمن سريعا إلى الماضي السحيق ليحدث نوعا من التداخل الزمني تشكيل لحظة التغير.
وهنا يتدخل الكاتب في رسم معالم شخصية عمر القاسم في كل مرحلة منذ أن قال لأمه: " فابنك ليس زجاجا سهل الكسر" إلى أن قال أبو فياض عنه: " مات عمر القاسم " وهنا تبدأ المفارقة التصويرية لتكشف عن معالم تحول الشخصية ، ويقوم السارد برصد هذا التحول من خلال حوار أهل القرية البسطاء الذين خبروا عمر القاسم معلما متواضعا طيبا ، وهنا يدفع الكاتب أهل القرية الذين احتفظوا بذاكرة حية اتجاه ابنهم عمر القاسم البار، لذا فقد بدا إسرارهم لزيارته وتهنئته حتى إن بعضهم نادى بان يذهب جميع أبناء القرية مع ما يملكون من بقر ودجاج وغنم وأرانب إلى أن تستقر الفكرة إرسال مندوبا عنهم، وهنا ينتقل السارد في لحظة استرجاع من خلال منولوج داخلي يستحضر فيه شخصية عمر القاسم التي مثلت المعارض المثقف للسلطة الأغا الجبرية ، "ولكن اليوم الذي تتخلصون فيه من ذلك الأغا ليس ببعيد" وسترونه انتم لا أحفادكم هذه هي صورة الطيف الأخير لعمر القاسم قبل أن يغادر القرية إلى دمشق بأمر من الأغا، ولكن صورة أخرى اختلطت بهذه الصورة الوردية مرت في سياق الحوار تكشف عن شهوة السلطة والمال وقدرتها على تغير المواقف والرجال.
(ماذا يشتغل الوزير )
"تخصص له سيارة أحلى من أجمل بنت، ويقبض في أخر كل شهر معاشا يتيح له أن يأكل خاروف في كل يوم، وعندما يدخل إلى وزارته يرتجف الموظفون خوفا ويسلمون عليه".
صورة المثقف
تناولت قصة يا ايها الكرز المنسي جملة من المعادلات الاجتماعية ساعدت التقنيات السردية المتمثلة في تكسير الزمن وتعدد الاصوات والمفارقة التصويرية بين المكانين " القرية والمدينة " ورسم الشخصيات وخصوصا " عمر القاسم " على كشف طبيعة هذه المعادلات والتي يمكن اختصارها في مثلث متساوي الاضلاع تشكل السلطة رأس الزاوية فيه ، أما عمر القاسم فهو الزاوية المحورية التي تربط السلطة بالناس ، وهذه المعادلات نلاحظ انها جاءت مختلة في النص حيث يلعب عمر القاسم دورالمثقف السلبي الذي لا يعبر عن اشواق الناس بل يتحول الى اداة او بوقا يكذب مزاعمه التي نادى بها عندما كان معلما ، هذا الاختلال في الرؤية لزمه اختلال في البنية مع تكسر الزمن .
صورة المثقف مع السلطة والناس لازمتها صورة أخرى لجدلية العلاقة بين القرية والمدينة ، القرية التي ظنت أن عمر القاسم ابن الوافد من المدينة سيكون مصباحا سحريا لحل أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بيد ان الحقيقة تتأكد بأن الحل لا يمكن أن يكون الا من الداخل ، فعلى أولاد القرية أن يأكلوا والكرز ولا ينسوا طعمه .
اما المعادلة الأخيرة التي يثيرها النص فهي المعادلة التاريخية ، فأذا عرفنا ان القصة كتبت عام 1973م بعد هزيمة حزيران المشئومة فأن هذا التاريخ يدل على لحظة الانكسار الثقافي للأمة والانهزام الروحي لها، ولعل الجانب السوداوي الذي بدا واضحا في الصورة التي رسمها القاص لابي فياض عند عودته خائبا من دمشق " ونزل منه ابو فياض عابس الوجه واجما " تدل على ذلك الواقع المأساوي في تلك المرحلة التاريخية .
الحبكة والحل
ليس غريبا إن تأتي صورة عمر القاسم الجديد سريعة وباهتة في نهاية القصة، وكأن هذا الزخم الشكلي المتمثل في عمر القاسم الوزير تلاشى مع زمن السرد الحكائي يشير بطرف خفي إلى القيمة الحقيقية إلى هذا (العمر الجديد )
إن عمر الجديد هو عمر اللحظة، عمر المنصب، عمر المنسي، وليس عمر التاريخ ابن البيئة، والمبادئ، والوطن، والذاكرة المنتشية، ورغم هذه الهالة الزخرفة المادية التي أحاطت به كوزير إلا أن عبارة" مات" في نهاية القصة تختصر وتختزن زمن عمر القاسم السلطوي الوزير
فيصبح معادلا موضوعيا لكرز المنسي الذي أصر على إبرازه السارد وإحيائه وإبقائه في الذاكرة من خلال الخطاب السردي
|