بحث في الموقع
   
اختيارات القرّاء
الأكثر قراءةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر تعليقاً
الأكثر طباعةً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
الأكثر إرسالاً
على الرغم من كل شيء..كل عام وأنتم بخير
... المزيد


 
الْعَالِمُ المُجَاهِدُ المُحَدّثُ نِزَار رَيَّان وَجُهُودُهُ فِي خِدْمَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ
طباعة إرسال لصديق
الْعَالِمُ المُجَاهِدُ المُحَدّثُ نِزَار رَيَّان وَجُهُودُهُ فِي خِدْمَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ
تاريخ النشر: 05/01/2010 - 10:41 ص

إعداد الباحث
مُحَمَّد خَالِد كُلاّب

 

بحثٌ مُقَدّمٌ لمؤتمر العالم المجاهد الشهيد أ.د نزار ريان وجهوده في خدمة الإسلام 

أهل الحديث

 

أَهْل الحديث إذا عُدّوا لهم شرفٌ

 

بنسبة من رسول الله تتصلُ

حازوا من الشرف الأعلى مآثره

 

وقد زكا لهم الإخلاص والعملُ

ما آثروا غير آثار النبيِّ هُدًى

 

وعن طريق الهُدى يومًا فما عدلوا

ما أنفق القوم من أنفاسهم نفسًا

 

إلا بنقل حديثٍ عنه ما شُغلوا

كم رحلة أسهروا فيها عيونهمُ

 

وأيقظوا العزم لما أنهم رحلوا

جدوا وجادوا بأرواحٍ لهم كرمًا

 

وجاهدوا ولهم في شأنهم دُوَلُ

سادوا وشادوا حديث المصطفى أبدًا

 

شأن الحديث بهم يعلو وينتقلُ

صانوا الحديث من التدليس من دنسٍ

 

وميّزوا الصدق لما أعيت الحيلُ

فضاعف الله في النعمى لطالبهم

 

هم الثقات على مطلوبهم حصلوا

يا ربّ غفرًا فلي عقد الوفاء لهم

 

محبتي لهم في الدهر إن قبلوا

 

 

بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس

للإمام العلائي ص 207- 208  

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على سيد الأولين والآخرين، نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستنّ بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.

فإن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 من هجرة المصطفى هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو غني عن التعريف، فقد عرّف به كتابه الذي كُتب له القبول بين الناس، على اختلاف الأزمنة والبقاع، حتى أضحى مرجع المتقدمين ومنهل المتأخرين، فما من عالم إلا ورد على حياضه، وجاس خلال رياضه، حتى لم يخل بلد من نسخ منه أيام كانت الكتب عزيزة، أما اليوم فلا تكاد تخلو منه ومن شروحه مكتبة من مكتبات طلبة العلم في أنحاء العالم الإسلامي. وقد تناوب السلف والخلف حتى زماننا هذا على خدمته والعناية به، فلم يظفر كتاب على وجه الأرض -بعد كتاب الله- بعناية وخدمة مثل ما ظفر به صحيح البخاري رحمه الله. 

وكان ممن نَهد لخدمته في أرض فلسطين الطهور الأستاذ الدكتور، شيخ المحدثين، وأستاذ المرابطين، وتاج المجاهدين في غزة العزة أبو بلال نزار بن عبد القادر الريّان رحمه الله، الذي لم يزل له على طلبة العلم أيادٍ يذكرونها، ومحاسن يشكرونها، حتى نودي في الخامس من شهر الله المحرم للعام الهجري الجديد 1430هـ، الموافق 1/1/2009م ، فأجاب نداء ربه، ورحل مع عائلته الكريمة في الخالدين.

ولئن كانت عناية الشيخ رحمه الله بالصحيح متأخرة قليلاً بالنسبة لمن سبقه من أهل العلم، إلا أن فيها إضافة وجدة، تقتضي منا الوقوف عند بعض جوانبها، والتأمل فيها.

وسيرى القارئ فيما يلي من أسطرٍ، صورًا عديدة لجهود هذا الشيخ الجليل، تبرز عنايته التامة لصحيح الإمام البخاري المسمى " الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَر مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ"

 وقد قسم الباحث بحثه إلى تسعة مباحث:

    المبحث الأول: حب الشيخ للبخاري وتأثره بشخصيته وأخلاقه.

    المبحث الثاني: مؤلفات الشيخ حول صحيح الإمام البخاري.

المبحث الثالث : عنايته بقراءة الصحيح وإقرائه

المبحث الرابع : عنايته بشروح صحيح البخاري

المبحث الخامس : عنايته بروايات الصحيح وتأليفه مؤلّفًا كاملًا بهذا.

المبحث السادس : عنايته بالإمام اليونيني ونسخته المتقنة.

المبحث السابع : عنايته بمخطوطات الصحيح وأماكن وجودها.

المبحث الثامن : عنايته بطبعات صحيح البخاري.

المبحث التاسع : عنايته بتحرير بعض المسائل المتعلقة بصحيح البخاري.

وهذا أوان الشروع فيما قصدته، والله أسأل القبول في الداريْن، و يجعله في موازين حسناتنا يوم نلقاه.

المبحث الأول :

حب الشيخ للبخاري وتأثره بشخصيته وأخلاقه.

أحب الشيخ رحمه الله الإمام البخاري حبًا عظيمًا ملك شغاف قلبه، ظهر ذلك جليًّا في اهتمامه البالغ بقراءة سيرة هذا الإمام، واستخراج ملامح شخصيته، وامتثال سيرته، والسير على خطى طريقه.

فكثيرًا ما سمع طلاب العلم سيرة هذا الإمام في مجالس الشيخ ودروسه، مرددًا مآثره، داعيًا إياهم للاستكثار من قراءة سيرته، وتعداد مناقبه وفضائله.

وحاول الشيخ رحمه الله امتثال نهجه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فكان يواصل الليل بالنهار في جمع العلم وتحصيله، لا ينام إلا إذا غلبه النوم، وكان يتأدب بأدب البخاري، ويصون لسانه عن الخوض في الناس وذكر عيوبهم، يرجو بما رجاه البخاري:"ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام"([1])، وقوله أيضًا: "إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً"([2])، وبلغ به التأثر بأدب البخاري أن كان مؤدبًا في عبارات الجرح والتعديل، كما كان البخاري رحمه الله مؤدّب العبارة، وإذا تكلم في الرواة تكلم في الجرح الشديد بعبارة مؤدبة لا تشي بالانتقاص والانتقام([3])، بل هو النصح لله ولرسوله ولدينه، وكان لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله، وتعدى الناس حدوده.

وبلغ به التأثر بالبخاري أن قام بانتهاج طريقه في تلقي العلم من كل أحد، واضعًا عبارة شيخه البخاري نُصب عينيْه "لا يكون المحدّث كاملاً حتى يكتب عمّن هو فوقه، وعمّن هو مثله، وعمّن هو دونه"([4])، وكم رأينا شيخنا رحمه الله كثيرًا ما يعرض ما يكتب على طلبة العلم النجباء، ليقبس من آرائهم، ويستفيد من تعاليقهم وفوائدهم، وقد طلب مني أكثر من مرة وأنا ما زلت في السنوات الأولى من دراستي أن أقوم بمراجعة بعض هذه الأمور، وكان رحمه الله مع شيوخه وأقرانه آية من آيات الله في الأدب وجميل الخلق، وحسن المعشر، وقد شهد له القاصي والداني بأنه من مفرق رأسه إلى قدمه قد امتلأ أدبًا وتواضعًا.

وكان البخاري مضرَب المثل في الكرم والسَمَاحة والجود حتى وصفه ورَّاقه بقوله:" كثير الإحسان إلى الطلبة مفرط الكرم"([5])، وهذا ما كان من شيخنا رحمه الله حتى أصبح يعرفه أهل غزة بهذا، وكان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، ويعطي عطاء الكريم بلا منٍّ ولا رياءٍ ولا سمعة([6]).

المبحث الثاني :

مؤلفات الشيخ حول صحيح الإمام البخاري. 

للشيخ رحمه الله مؤلفات عدة تصبّ جميعها في خدمة السنة المطهرة، ببيان معناها، وتحليل فحواها، وبيان عللها، وحل مشكلها ومختلفها([7])، وكان لصحيح البخاري رحمه الله نصيبًا من هذه التآليف القيمة منها:

1. الإمام اليُونِينِيّ وجهوده في ضبط صحيح الإمام البخاري، نشر بمجلة الجامعة الإسلامية بغزة، المجلد العاشر، العدد الأول، شوال 1422هـ، كانون الثاني 2002م.

2. الصحيحان أسانيدهما ونسخهما ومخطوطاتهما وطبْعاتهما، نشر بدار المنارة بغزة، جمادى الآخرة عام 1421هـ.

3. الحديث النبوي الشريف "دروس في الفقه وفقه الدعوة والسياسة الشرعية"، شرح فيه الشيخ رحمه الله تسعة أحاديث من كتابيْ "الفتن" و"الاعتصام بالكتاب والسنة"([8])، طبع طبعة خاصة.

4. الإمام البخاري وكتابه الصحيح دراسة تطبيقية في الشروط والمناهج، بدأ فيه الشيخ ولم يتمه.

5. الشروح الحديثية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى نهاية القرن الرابع، كتب الشيخ معظمه، لكنه لم يتمّه([9]).

المبحث الثالث:

عنايته بقراءة الصحيح وإقرائه

عُرف الشيخ بنهمه العجيب للقراءة والمطالعة، يواصل الليل بالنهار، يقرأ ويطالع، يبحث ويفتش، حتى أصبح منهلاً معينًا، ونبعًا فياضًا، ينهل منه كل راغب، ويفزع إليه كل طالب.

دأب الشيخ على هذا الطريق، لم يفارق الكتاب سواده، حتى في أصعب المواقف، وأظلم الأماكن، فهذا الشيخ يُسجن مراتٍ عديدة، في سجون الاحتلال الصهيوني تارة، وفي سجون السلطة الفلسطينية تارة أخرى، فلا يُرى في سجنه إلا مطالعًا للكتب ما توفرت هناك، فكان سجنه خلوة له يتعبد الله بها، ويطالع فيها كتب أئمة الإسلام، وكانت كتب السنة لها الحظّ الأوفر من مطالعته المتتالية([10]).

ومن الكتب التي كان الشيخ يحب قراءتها، ويُدمن المطالعة فيها "صحيح الإمام البخاري"، الذي عُرفت محبة الشيخ الكثيرة له، وإجلاله لمصنفه رحمه الله، فلا يكاد يُذكر صحيح البخاري في غزة؛ حتى تلهج ألسنة طلبة العلم بذكر الشيخ رحمه الله ومحبته للصحيح، واعتنائه به، وإكثاره القراءة فيه.

وبلغت محبة شيخنا رحمه الله للصحيح، أن أحيا قراءته في أماكن، لا يوجد على وجه الأرض من يفعلها اليوم إلا هو، وذلك في أماكن الرباط، ومواضع ثغور المجاهدين، إذ كان الشيخ يصحب الكتب النافعة معه ليقرأها على المجاهدين، شأنه شأن السلف الصالح الذين كانوا يحيون ليلهم في الثغور مرابطين، يقرأون الحديث ويُقرئون.

كان الشيخ كثيرًا ما يتحدث عن مجالس التحديث في الثغور والرباط، يحث الناس على إحيائها بعد أن أميتت عشرات، بل مئات السنين، وأخبرني رحمه الله شخصيًا أنه جمع مادة ثرة في ذِكْر من عقد مجالس الإملاء والتحديث في الثغور من المحدثين، وكان الشيخ كلما تحدث عن مجالس القراءة والحديث التي قام بها على ثغور غزة العزة، شعرت أنه يتحدث عن لذة لم ينلها أحد على وجه الأرض غيره.

سئل مرة رحمه الله عن أفضل رباط رابطه، وأجمل ليلة قضاها في الثغور؟ فأجابهم: هي تلك الليلة التي رابط معه فيها الشهيد القائد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والشهيد القائد الدكتور إبراهيم المقادمة، رحمهم الله جميعًا، نحسبهم شهداء ولا نزكي على الله أحدًا، قال:" وصحبت معي صحيح البخاري تلك الليلة، وقرأت عليهم منه كتاب الجهاد".

فاعجب من حال هذا الشيخ، حيث لم تشغله مقارعة الأعداء، وحماية ثغور بلاده الطهور فلسطين، من أن يستغل وقته في القراءة والإقراء، بل كان يهتبل فرصًا كثيرة وهو مع المجاهدين على الثغور، والعدو لا يبعد عنهم سوى أربعمائة متر فقط، فيقوم بالاتصال مع علماء هذا العصر خارج فلسطين، يطمئنهم على المجاهدين، وأنهم لم يزالوا يمتشقون سلاحهم كأنها الأحلاس، يحمون الأمة من خلفكم، ويصدون العدو عنكم، وكم بكى العلماء حين سمعوا هذا الكلام من الشيخ رحمه الله، وكان الشيخ يطلب منهم توجيه دروس ونصائح وفوائد للمجاهدين في تلك الليالي.

ولا أنسى تلك الليلة التي هاتفني بها الشيخ رحمه الله وأنا في السنة الثانية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 2004م، كان ذلك في منتصف الليل، وكانت الحرب مستعرة في غزة، ومعسكر جباليا قد انتفض على بكرة أبيه يصدون اجتياحًا صهيونيًا غاشمًا أراد أن يكسر شوكة المقاومة في غزة ، ويستأصل شأفتها.

كانت الحرب قائمة، أطلق المجاهدون عليها وقتئذٍ "أيام الغضب"، وإذ بالشيخ رحمه الله يكلمني بالجوال يطلب مني شيئين، الأول أن استنفر زملائي في الجامعة لقيام الليل في المدينة من أجل الدعاء للمجاهدين، وأما الثاني فقد طلب مني نسخة كاملة من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ذات (26 مجلدًا) ليقرأها على المجاهدين في المعركة، فذهلت، وقلت للشيخ: حتى في هذا الموقف تقرؤون؟ قال: نعم، حتى في هذا الموقف، كي يعلم يهود وأشياعهم أننا أمة لن نترك الجهاد والعلم إلا على رقابنا، لتنقضي المعركة بعدها بنصر الله المؤزر لهذه الثلة المجاهدة.

وبلغت محبة الشيخ العظيمة لصحيح الإمام البخاري أنه كان كثيرًا ما يردد عبارته الجميلة:" إني لأتعبد الله بقراءة صحيح البخاري كما أتعبده بقراءة القرآن"، وقال مرة في مجلس:" لقد قرأت صحيح البخاري ومسلم أيام الماجستير في ستة أيام"، وقام رحمه الله بتدريس كتاب صحيح الإمام البخاري، شرحًا تحليليًا لطلبة الجامعة الإسلامية بمسجد الجامعة، في درس إملاءٍ لمدة ساعتيْن إلى ثلاث، على مدار أربع سنوات.

وقد لمس آل الشيخ في بيته حبه لصحيح البخاري، وإدمانه القراءة فيه حتى كاد يستظهره، فكانت زوجات الشيخ الأربع ([11]) رحمهن الله يشاركنه في قراءة الصحيح لوحدهن، ثم يقمن بسؤال الشيخ عن استشكالات قد ترد، أو علاقات التراجم مع الأحاديث إلى آخر تلك المناقشات، وكان الشيخ يذكر هذا عنهن في المجالس، ويشيد بحرصهن على العلم والمذاكرة.

 

المبحث الرابع:

عنايته بشروح صحيح البخاري

تبوأ "الجامع الصحيح" للإمام البخاري رحمه الله منزلةً سامقةً بين العلماء، وأضحى وجوده في خزانات الكتب أمرًا مفروضًا، والرجوع إليه ضرورة ملحة يعيب على الباحث إغفال مثله.

ولأهمية الكتاب الكبيرة، أقبل العلماء على شرحه، ببيان فحواه، وشرح معانيه، وتوضيح مشكله، وإبراز مقفله، ودرء تعارضه، وتراجم رجاله، وبيان علله، إلى آخر تلك الرعاية الفائقة التي لم تتهيأ لغيره من الكتب، ولم يظفر بها أيُّ متنٍ من متون السنة المشرّفة، حتى تجاوزت هذه المؤلفات المائتي كتاب، ومع ذلك فإن البحّاثة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله (ت 808هـ) لما اطلع على شروح هذا الكتاب المختلفة، وجدها لم تفِ البخاري حقه، ولا صحيحه قدره، مع ما فيها من عظيم الفوائد وجسيم العوائد ما يكفي للرحلة إليها، إلا أنه نظر إلى مكانة هذا الكتاب في نفوس الناس بعامة، وطلبة العلم والعلماء بخاصة، فأراد أن يستفزّ الهمم لشرحٍ يكافئ البخاري في تأليفه، ويجاريه في مضماره، وقال عبارته المشهورة المتداولة " إن شرح صحيح البخاري دَيْنٌ على الأمة لم يوفَّ بعدقال ابن خلدون كلامه هذا، ومداد العلماء لم يرتفع بعد عن صفحات القرطاس، فأراد علامة اللغة في زمانه الفيروز آبادي صاحب "القاموس" في اللغة العربية الوفاء بقضاء هذا الدَّيْن، وإعفاء الأمة من مسؤوليته، وقام بتأليف شرح سماه "منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري" بلغ فيه كما يقول السخاوي إلى ربع العبادات في عشرين مجلّدة، ووافته المنية دون إكماله([12]).

إلى أن جاء إمام زمانه، ووحيد أوانه الحافظ الكبير، والجِهبذ النحرير، خاتمة الحفاظ، وأمير المحدّثين، أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (ت 852هـ)، نسبة لمدينة عسقلان في فلسطين المحتلة على يد الصهاينة، فقام بتأليف أجل تصنيف له مطلقًا، وأنفعها للطالب مغربًا ومشرقًا، وأجلّها قدرًا، وأشهرها ذكرًا، وكان كما قال عنه مؤلفه كما رآه تلميذه السخاوي بخطه قبل إتمام شرحه:"ولولا خشية الإعجاب، لشرحت ما يستحقُّ أن يوصف به هذا الكتاب، لكن الحمد لله على ما أَوْلى، وإياه أسألُ أن يُعين على إكماله منًّا وطولًا"، وابتدأ ابن حجر شرحه أوائل سنة سبع عشر وثمانمائة من الهجرة، وانتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينته، إلا قُبيل وفاة مؤلفه بيسير، فيكون قد مكث في تأليفه خمسًا وعشرين سنة([13]).

وقد أثنى العلماء عليه ثناءً عظيمًا، وتنافس الكبراء والأمراء، وطلبة العلم والعلماء في كتابته وشرائه، وأضحى مرجع الباحثين إلى زماننا هذا على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، ولما طُلب من الإمام الشوكاني (ت1250هـ) أن يشرح صحيح البخاري أجاب بالحديث المشهور:" لا هِجْرة بعد الفَتح" يقصد به فتح الباري.([14]).

ومما سبق، يتبين لنا منزلة هذا الشرح في قلوب العلماء، وكيف أوفى ابن حجرٍ صحيحَ البخاري حقه في الشرح غير منقوص فلم يدع بعده مطلبًا لساعي، ولا مطمعًا لراجي، الأمر الذي يجعلنا نجزم أن ابن خلدون رحمه الله لو اطلع على هذا الشرح الذي لم يشرع فيه ابن حجر إلا بعد وفاته بتسع سنوات، لما قال عبارته، ولجزم كما جزمنا بأن هذا الدّيْن قد انقضى بهذا الشرح المبارك على يد إمامنا العسقلاني رحمه الله.

من هذا المنطلق كان شيخنا أبو بلال رحمه الله يرى أن أعظم شرحٍ لصحيح البخاري قرع سمع الأمة مذ أول شرح له وحتى زماننا الحاضر هو شرح الحافظ ابن حجر رحمه الله، فحرص الشيخ على شراء نسخه الكثيرة، واقتناء جميع طبعاته المختلفة، وتغالى في شرائها حتى أنه دفع مرة لنسخة من هذا الكتاب ضعف ثمنها([15])، وكان يدمن النظر في هذا الشرح العظيم ويطالعه مطالعة نقّابة بصير، وبحّاثة خبير، ويؤثر عنه رحمه الله أنه قال:" قرأت فتح الباري مرتيْن" وقال مرة:"إني لأعرف من أسرار فتح الباري ما لا يعرفه أهل غزة قاطبة"، وما كان هذا إلا لمن عايش الكتاب وصاحبه ولازمه، وخالط حبُّه لحمه ودمه.

وقال مرة: أنه ينوي كفالة طباعة كتاب فتح الباري على نفقته الخاصة، ثم يقوم بتوزيعه على طلبة العلم مجاناً، ولما علم ذات مرة بوجود نسخٍ كثيرة من فتح الباري في مكتبة "آفاق" في غزة، قام رحمه الله بدفع نصف ثمن هذه النسخ كلها من أجل مساعدة طلبة العلم على شرائها ويدفعون النصف الآخر.

وكان من مشاريعه رحمه الله القيام بعمل خيمة علمية مغلقة لمدة شهر داخل الجامعة الإسلامية بغزة، من أجل قراءة فتح الباري كاملاً، لا يخرج طلاب العلم منها إلا للضرورة الملحة.

ولمس منه طلبة العلم أن الشيخ إذا أراد أن يهدي طلبة العلم هدية، لم يجد أنفس ولا أغلى من هدية يكون فيها نسخة من "صحيح البخاري" أو شرحه العظيم "فتح الباري".

ولو نظر القارئ إلى نسخة الشيخ الخاصة به من فتح الباري –الطبعة السلفية- التي قرأها الشيخ مرتيْن، وكان يداوم النظر فيها مرارًا وتكرارًا، لرأى كم ملأها الشيخ بحواشٍ وتعليقاتٍ، ووضع علاماتٍ وخطوطًا مفهمات، حتى الصفحات الأولى من كل مجلدة من مجلدات الكتاب التي تكون عادة فارغة، قد ملأها الشيخ بالإحالات، ونفائس الفوائد المنتقاة، وذكْر التأصيلات لكثيرٍ من المسائل التي تصلح لأن تُفرد في كتاب.

ولم تقتصر همة الشيخ على اقتناء شرح ابن حجر فحسب، بل أوْلَى الشيخ جميع شروح هذا الكتاب اهتمامًا بالغًا، وكان يملك في مكتبته العامرة ذات الأعلاق النفيسة، والعقائل الكريمة -التي استشهدت معه- عدة شروحٍ للصحيح، من أشهرها شرح العيني والقسطلاني والشنقيطي وغيرهم([16])، وكان يوصي طلبة العلم بإخباره عن أي شرحٍ موجود، أو مطبوعٍ حديثًا لشرائه، ولو كلفه أضعاف أضعاف ثمنه. 

ولما كان شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم أحد مشاريع الشيخ التأليفية، فإننا نرى أن عنايته رحمه الله توجهت لشرح صحيح مسلم أكثر، لاعتقاده أن صحيح مسلم لم يخدم بعْد الخدمة اللائقة به كصحيح البخاري، وقد كشف رحمه الله عن هذا الأمر في مقدمة شرحه لصحيح الإمام مسلم المسمى "إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم" فقال([17]) :" لا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ مَا لِصَحِيحَيْ الإِمَامَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، الإِمَامِ مُحَمَّدِ بن إِسْمَاعِيْلَ بن إِبْرَاهِيمَ البُخَارِيِّ، وَالإمَامِ مُسْلِمِ بن الحَجَّاجِ النَّيْسَابُوْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، مِنَ المَكَانَةِ السَّامِقَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِعَامَّةٍ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِخَاصَّةٍ، فَلَمْ يَزَلْ صَنِيعُهُمَا مَحَطَّ أَنْظَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاهْتِمَامِهِمْ، وَمصَدَرَ إِلْهَامِهِمْ كُلَّمَا خَبَتْ نَارُ الْعَزِيمَةِ فِي نُفُوسِهِمْ.

وَقَدْ قَيَّضَ اللهُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، لِكِتَابَيْهِمَا مَا لَمْ يُقَيِّضْ لِغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَاعْتَنَى أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِمَا، اسْتِخْرَاجًا وَاسْتِدْرَاكًا، وَشَرْحًا وَبَيَانًا، وَدَفْعًا لِمُشْكِلِهِمِا، وَدَرْءًا لِلشُّبُهَاتِ عَنْهُمَا، فَكَانَ صَنِيعُ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ؛ أَحْمَدَ بن حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الحُسْنِ وَالْإِبْدَاعِ، فِي شَرْحِهِ" فَتْحُ الْبَارِي" إِذْ نَهَضَ لَهُ نُهُوضًا، وَاسْتَقَلَّ بِهِ اسْتِقْلالاً، وَعَلا لَهُ عُلُوًّا، فَكَانَ الْمَاهِرَ فِي صَنْعَتِهِ، الحَاذِقَ فِي مَهَارَتِهِ، قَدْ رَجَعَ فِيهِ إِلَى كُلِّ شَارِحٍ سَبَقَهُ، فَأَفَادَ مِنْهُ، وَنَهَلَ عَنْهُ، وَنَافَسَ وَنَاقَشَ، وَبَيَّنَ وَسَدَّدَ، حَتْى أَصْفَقَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِهِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَلِسَانٍ يَلْهَجُ بِالثَّنَاءِ:" لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ".

أَمَّا صَحِيحُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَكَمَا قَالَ الإمَامُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ عَزَمَ لَهُ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِهِ لِشْرْحِهِ، فَأَفَادَ رَحِمَهُ اللهُ وَأَجَادَ، غَيْرَ أَنَّهَ لَمْ يَشَأْ تَطْوِيلَهُ قَالَ:" وَلَوْلا ضَعْفُ الْهِمَمِ، وَقِلَّةُ الرَّاغِبِينَ، وَخَوْفُ عَدَمِ انْتَشَارِ الْكِتَابِ؛ لِقِلِّةِ الطَّالِبِينَ لِلْمُطَوَّلَاتِ، لَبَسَطُّتُهُ فَبَلَغْتُ بِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْمُجَلَدَاتِ"

فَرَأَيْتُ أَنْ أَمْضِيَ عَلَى مَا تَمَنَّى الإِمَامُ النَّوَوِيُّ مِنْ شَرْحِهِ، وَالتَّوَسُعِ فِيِهِ، لَعَلَّ اللهَ تَعَالَى يُيَسِّرُ لِيَ ذَلِكَ وَيُذَلِّلُـهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ"([18]).

إلا أن الشيخ رحمه الله قُدّر له الشهادة قبل إكمال شرحه النفيس هذا، ولم يشرح من صحيح مسلم إلا المقدمة فقط، وذلك في خمسة مجلدات ضخمة([19])، يسر الله نشرها وطبعها.

وسبقت الإشارة إلى أنه رحمه الله قام بتدريس كتاب صحيح الإمام البخاري، شرحًا تحليليًا لطلبة الجامعة الإسلامية بمسجد الجامعة، في درس إملاءٍ لمدة ساعتيْن إلى ثلاث، على مدار أربع سنوات، وكذلك قام بشرح بعض كتب صحيح الإمام البخاري في مجالس أخرى، مثل شرح "كتاب العلم"، وشرح "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، وشرح "كتاب الفتن".

ولما أراد طلبة العلم منه درسًا في العقيدة، قام الشيخ بشرح كتاب "الإيمان" من صحيح البخاري، في إشارة منه رحمه الله إلى سلفية الإمام البخاري وسنيته في باب التوحيد والاعتقاد .

المبحث الخامس

عنايته بروايات الصحيح ونُسَخه وتأليفه مؤلّفًا كاملاً بهذا

 

يُعد الإمام الخطابي رحمه الله أول من أشار إلى روايات البخاري واختلافها في أول شرحٍ لصحيح البخاري على الإطلاق، والمعنون بـ"أعلام الحديث" فقال:"وقد سمعنا معظم هذا الكتاب من رواية إبراهيم بن مَعْقِل النَّسَفِيِّ، حدثناه خلف بن محمد الخيَّام، قال: حدثنا إبراهيم بن مَعْقِلٍ، عنه .

سمعنا سائر الكتاب إلا أحاديث من آخره من طريق: محمد بن يوسف الفِرَبْريِّ، حدَّثنيه محمد بن خالد بن الحسن، قال : حدَّثنا الفِرَبْريِّ، عنه .

ونحن نبين مواضع اختلاف الرواية في تلك الأحاديث إذا انتهينا إليها إن شاء الله"([20]).

لذلك نرى أن الشيخ رحمه الله اهتمّ بهذا الباب كثيرًا، وأشغل نفسه زمنًا بالبحث فيها، وأسهر ليله جائسًا في كتب الأسلاف، ليضع خلاصة ما جادت به قريحته، ودبجته يراعته في مؤلّف مستقلٍّ يحمل اسم " الصَّحِيحَان أَسَانِيدُهُما وَنُسَخُهُما ومُخْطُوطُاتُهُمَا وَطَبْعَاتُهُما "، وبلغ عدد صفحاته 161 صفحة، انتهى من تأليفه في شهر ربيع الآخر لعام 1421هـ.

وقد سبق الشيخَ رحمه الله جمعٌ من العلماء تكلموا حول روايات صحيح البخاري، مما يدلل على أهمية هذه المسألة وشرفها الكبير عند العلماء، وهاك ذِكْرهم باختصار مرتبين حسْب وفياتهم:

1. الحافظ ابن رُشَيد الفهريُّ السبتيُّ الأندلسي ت 726 هـ، في كتابه إفادة النَّصِيح في التعريف بسند الجامع الصحيح  "([21]).

2. الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني ت 852 هـ، في تضاعيف كتابه " فتح الباري "، وكذلك في مقدمته النفيسة " هدي الساري ".

3. الحافظ جمال الدين يوسف ابن عبد الهادي ت 909هـ، في كتابه " الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري ، وروايات عن إبراهيم بن معقلٍ النسفي  "([22]) .

4. الحافظ القَسْطلاّني ت 923 هـ، في مطاوي كتابه " إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري "، والذي امتاز بأنه وضعه على نسخة اليونينيّ رحمه الله.

ومن المعاصرين:

1. العلامة المحقق عبد الفتاح أبو غدة ت 1417هـ، في كتابه " تحقيق اسميْ الصحيحين واسم جامع الترمذي "([23]).

2. العلامة المحقق محمد بن عبد الهادي المنُّونيّ ت 1420هـ، في بحثه النفيس " صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين، ورواياته، وأصوله "([24]).

إلا أن بحْث شيخنا رحمه الله تعالى تميّز بأنه أفرد روايات صحيح البخاري مرتبة ومهذبة، وبعرض رائق يسر الناظرين([25])، جامعًا إليه روايات صحيح -لزيم البخاري وظله ورصيفه- الإمام مسلم رحمه الله.

ذكر الشيخ رحمه الله سبب اختلاف هذه الروايات فقال:" وكان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يديم النظر في كتابه، ويزيد وينقص، ويقدم ويؤخر، ويأتي برواية مكان أخرى؛ حسب ما يرى من تفاوت الروايات وتعاظم درجاتها، فتذبل السُّرُج ولا تذبل عينه، وقد طاب للخلق ليلهم الساجي، وهو يعدد أسانيده " ما نمت البارحة، حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة"([26])فهذا حِبُّه الذي له يحيى وعليه يخشى، فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة أدخلها في مصنفاته، وما تُرِكَ كثيرٌ.

ويصفُ وَرَّاقُه كيف كان البخاري يتابع مصنفاته، فيجافي جنبُه مضجَعَه، يحيي ليله وهو يفتش ويبحث، فكأنما يبيت على قتاد، فقد كان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ" يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القَدَّاحَةَ، فيوري نارًا بيده، ويسرج ثم يخرج أحاديث، فيعلم عليها، ثم يضع رأسه"([27]) ويحصي عليه الفِرَبْرِي" أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة، ثماني عشرة مرة"([28]).

وكان رحمه الله يُحَوِّلُ" تراجم جامعه بين قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين"([29])، وهذا يفسر ما روى أبو الوليد الباجي قال: حَدَّثَنا أبو ذَرِّ عبد بن أحمد الهَرَوِيُّ، ثنا أبو إسحاق المُسْتَمْلِيُّ إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفِرَبْرِيِّ فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض"([30])، وبسبب هذا البياض في الكتاب، تفاوتت نسخ" صحيح البخاري" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فقد أقام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بنَيْسَابُورَ" سنة خمسين ومائتين، فأقام بها خمس سنين، يحَدَّثَ على الدوام"([31]) يعني أنه حَدَّثَ به بنَيْسَابُورَ إلى قبيل وفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكان كل مرة يزيد وينقص، ويبيض ويترك فراغات، ووافته المنية، وطلابه يروون كتابه، فبعضهم يسمع اليوم، وآخرون بعد خمس سنين يسمعون، وعليه كان تفاوت النسخ ([32]).

 

وقال شيخنا رحمه الله في موطنٍ آخر:" لما صنّف أستاذ الأستاذين محمد بن إسماعيل البخاري كتابه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه" تقاطر الناس عليه من كل حدبٍ وصوب، يأتونه من كلّ فجٍ عميق يسمعون ويُسمع منهم؛ حتى سمع الصحيح منه تسعون ألف رجل ينتشرون بكتابه في آفاق الأرض وأطرافها، من بُخارى إلى الرّيّ، ومنها إلى بغداد ثم الكوفة والبصرة، والشامات وبيت المقدس الأسير المصابر، ثم مصر المحروسة، والمغرب المطل على الأندلس الجريح العائد بإذن الله".

ثم قال:"ووافته المنية رضي الله عنه والمحابر تزدحم على نَسْخه، قال المستمليّ:" انتسخت كتاب البخاري من أصله، كان عند محمد بن يوسف الفِرَبري" فانتقلت النسخة إلى الفربري وأقرانه، ومنه إلى مئات الثقات، حتى صار "الصحيح" إلى الرواة، وعرفت الأصول التي قام عليها هؤلاء الجهابذة، وكان أشهرهم محمد بن يوسف الفِرَبري، وآخرهم أبو طلحة بن محمد بن عليّ البزدوي"([33]).

 

 

ثم قام الشيخ رحمه الله بذكر رواة الصحيح الذين أثبتت المصادر أسماءهم حسب وفياتهم سواء كانت لهم رواة عنهم أم لم تكن([34]).

1. إبراهيم بن معقل النَّسَفي ت 294هـ.

2. حماد بن شاكر النسوي ت290 هـ، وقيل:311 هـ.

3. محمد بن يوسف الفِرَبْرِي ت 320 هـ.

و"كان سماع الفِرَبْرِي من البخاري مرتين: مرة " بفِرِبْرَ" سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة" ببخارى" سنة اثنتين وخمسين ومائتين"([35]).

وممن روى عن الفِربري:

أولاً: الجُرْجَاني: الإمام أبو الحسَن، علي بن أحمد بن عبد العزيز الجُرْجَاني المُحْتَسب ت 366هـ. ويرويه عن الجُرْجَاني الأَصِيْلِي، ونسخة الجرجاني، وكذلك نسخة الأصيلي عنه، من نسخ اليُونِيْنِيِّ التي وقعت له([36]).

ثانيًا: أبو زيد المَرْوزيّ : الشيخ الإمام المفتي، أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المَرْوزيّ، ت 371 هـ، وممن روى عن أبي زيد المروزي اثنان:

أ. الأصيلي : وهو الإمام، شيخ المالكية، وعالم الأندلس، عبد الله بن إبراهيم الأَصِيْلِي ت 392هـ.

ب. القَابِسِيُّ: وهو الإمام علي بن محمد بن خَلَف المَعَافريُّ القَرَوِيُّ القَابِسِيُّ ت 403هـ([37]).

ثالثًا: شَبُّويَه الشَّبَويُّ : الحافظ أبو علي، محمد بن عمر بن شَبُّويَه الشَّبَويُّ المَرْوَزيّ.

رابعًا: ابن ناقب : أبو بكر محمد بن حَمّ بن ناقِب البخاري الصَّفّار ت 381 هـ.

خامسًا: الكُشَاني : الشيخ المُسْنِد الصَّدوق، أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد الكُشَاني السَمَرْقَنْدَي، ت 391هـ، وقيل: 392 هـ.

سادسًا: النُّعَيْمِي: الإمام المسند، أبو حامد؛ أحمد بن عبد الله بن نعيم بن الخليل النُّعَيْمِي السَّرخسي، نزيل هراة، ت 386هـ، وهو في عشر التسعين.

سابعًا: الكُشْمِيهَني : المحدث الثقة، أبو الهيثم، محمد بن مكي بن محمد بن مكِّي بن زرَّاع المروزي الكُشْمِيهَنيي، ت 389هـ.

ويرويه عَن الكُشْمِيهَنيي ثلاثة رواة.

أ. أبو ذر الهروي : وهو الحافظ المجود، العلامة، شيخ الحرم، أبو ذر، عبد بن أحمد بن محمد المعروف ببلده بابن السماك، الأنصاري الخُراسانيُّ، الهَرَويُّ، ت 435 هـ.

ب. كَرِيْمَة المَرْوَزِيَّة : وهي الشيخة العالمة، الفاضلة، المسندة أم الكرام؛ كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية المجاورة ببيت الله الحرام، ت 465 هـ، وقيل 463 هـ.

جـ. أبو سهل الحفصي : وهو الشيخ المسند، أبو سهل، محمد بن أحمد بن عبيد الله المروزي، الحفصي، ت 465 هـ.

ثامنًا: المُسْتَمْلِي: الإمام المحدث الرَّحَّال الصادق، أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم المُسْتَمْلِي، ت376هـ.

تاسعًا: ابن حَمُّويه: الإمام المحدث المسند، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه خطيب سَرْخَس، 381 هـ.

عاشرًا: الإشْتِيخَنِي: الإمام الفقيه، أبو بكر، محمد بن أحمد بن مَتَّ الإشْتِيخَنِي ت 386هـ.

الحادي عشر: ابن السَّكَن: الإمام المجود، أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، المصري البزاز، وكان أول من جلب الصحيح إلى مصر، ت 353هـ.

قال الذهبي: " هو أول من حَدَّثَ بالكتاب عن الفِرَبْرِي، وأعلمهم بالحديث"([38]).

الثاني عشر: محمد بن خالد بن الحسن ([39]) .

          قال الدكتور نزار رحمه الله([40]):( وبوُرِكَ في رواية الفِرَبْرِي رحمه الله([41])، فلا زال الناس إلى يومنا هذا يَرْوُونَ" صحيح البخاري " من طريقه، قال الإمام النووي:" واشتهر في بلادنا … عن الفِرَبْرِي عن البخاري"([42]) وقال ابن حجر:" الرواية التي اتصلت بالسماع في هذه الأعصار هي رواية محمد بن يوسف الفِرَبْرِي"([43])).

4. منصور بن محمد البَزْدَوِيُّ  ت 329 هـ.

5. الحسين بن إسماعيل المحاملي ت330 هـ.

6. طاهر بن محمد بن مخلد النَّسَفي .

هذا ما انتهى إليه الشيخ رحمه الله من تعداد رواة الصحيح عن إمام المحدثين في زمانه([44]).

ثم ذكر الشيخ رحمه الله نُسخ الصحيح معتمدًا في ذكر هذه النسخ على ما ذكره ابن حجر رحمه الله في الفتح فقال:"اعتمد الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لصحيح البخاري على أتقن النسخ في زمانه، وهي نسخة أبي ذرٍّ الهروي عن شيوخه الثلاثة المستملي وحمويه والكشميهني، قال الحافظ" فليقع الشرح الآن والقتصار على أتقن الراويات عندنا، وهي رواية أبي ذرّ عن مشايخه الثلاثة([45]) لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه ممن يخالفها"([46])".

ثم ذكر شيخنا رحمه الله طرق النسخ التي اعتمدها الإمام ابن حجر في الفتح لهذه الرواية وقال:

"الناظر في فتح الباري يلاحظ أن العسقلاني رحمه الله يقارن بين هذه النسخ الثلاث، وبين نسخٍ أخرى يأتي بألفاظها أثناء شرحه، وهي:

1. حماد بن شاكر النسوي ت290 هـ، وقيل:311 هـ.

2. إبراهيم بن معقل النَّسَفي ت 294هـ.

3. محمد بن يوسف الفِرَبْرِي ت 320 هـ".

ثم ذكر نسخ الطبقة الثانية التي تروي عن الفربري عن البخاري، ومنها:

1. نسخة ابن السكن، ت 353هـ.

2. نسخة المروزي، ت 371 هـ.

3. نسخة الجرجاني، ت 374 هـ.

4. نسخة المستملي، ت 376 هـ.

5. نسخة الشبوي، أو شبويه، لم تُعرف وفاته، وكان آخر عهده بالرواية سنة 378 هـ.

6. نسخة حمّويه، ت 381 هـ.

7. نسخة النُّعَيْميّ، ت 386 هـ.

8. نسخة الكُشْمِيهني، ت 389 هـ.

9. نسخة الكُشَاني، ت 391 هـ.

ثم ذكر شيخنا رحمه الله نسخ الطبقة الثالثة التي تروي عن شيوخها عن الفِرَبري عن البخاري فقال:

1. نسخة أبي ذرّ الهروي، ت 434 هـ.

2. نسخة كريمة المروزية، ت 463 هـ.

3. نسخة الحفصيّ، ت 465 هـ.

4. نسخة الأصِيليّ، ت 392 هـ.

5. نسخة القابسيّ، ت 403 هـ.

6. نسخة عبد الرحمن الهمدانيّ، ت 411 هـ.

ثم أردف رحمه الله بنسخ الطبقة الرابعة التي تروي عن شيوخها عن شيوخهم عن الفِرَبري عن البخاري فقال:

1. نسخة أبي الوقت، ت 553 هـ.

2. نسخة ابن عساكر، ت 571 هـ([47]).

وختم هذه النسخ بنسخ الطبقة الخامسة التي تروي عن شيوخها عن شيوخهم عن شيوخ شيوخهم عن الفِربري عن البخاري وقال:" لم يقف الباحث-يعني نزار ريان- إلا على نسخة واحدة يرويها السمعاني عن الفضيلي عن المليحي عن النعيمي عن الفِربري عن البخاري، وقد انفرد بذكرها اليُونينيّ، ورقمها بالرقم (ع) على الظن لا القطع"([48]).

المبحث السادس:

عنايته بالإمام اليونيني ونسخته المتقنة

 

كان الشيخ رحمه الله معجبًا جدًا بخدمة الإمام اليونيني لصحيح البخاري حتى نعته بقوله:"محقق صحيح البخاري"([49])، وقال أيضًا:" صاحب الفضل العظيم، في حفظ" صحيح البخاري" من التحريف والضياع"([50])، ولئن كان الحافظ ابن حجر رحمه الله يرى أن أتقن نسخ صحيح البخاري، والتي اعتمد عليها في شرحه للصحيح، هي نسخة "أبي ذرّ الهروي" عن شيوخه الثلاثة " المستملي، وحمويه، والكُشْمِيهنيّ، "لضبطه لها، وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها"([51])، فإن الشيخ نزار رحمه الله تعالى له رأيٌ آخر، إذ يرى أن أصل الإمام اليوينيني ونسخته النفيسة هي أتقن من هذه النسخ الثلاث([52]).

ثم قام رحمه الله بإفراد مؤلّف مستقلٍّ يحمل عنوان"الإمام اليونيني وجهوده في ضبط صحيح الإمام البخاري"، وقد كشف في مقدمته سبب تأليفه له فقال:" كنت أدرس بين يدي أستاذنا" أمين القضاة" بالجامعة الأردنية، وكان يكثر ذكر الإمام اليُونِيْنِيِّ وصنيعه في ضبط ألفاظ" صحيح البخاري" والمقارنة بين نسخه ورواياته، ويثني على صنيعه، ويبين سبقه في التحقيق والتدقيق المستشرقين وتلامذتهم، وكان يندبنا لإبراز هذا العمل.

ومن ذلك الدرس، والباحث يتشوق إلى تحقيق أمنية أستاذه، حتى كان هذا الأوان، فعمد إلى تجشم مشاق كتابته، وهو البحث الذي لا مصادر له، فلا تجد من يتناوله من قريب أو بعيد"([53]).

أراد الشيخ رحمه الله بصنيعه هذا رد مزاعم كثير من المعجبين بالمستشرقين([54]) جدا فيقول:"لكن العجب العجاب، أن الناس خدعت بالمستشرقين، وأخذت تطريهم بما ليسو له أهلاً، فهم قادة العلماء في التحقيق والتدقيق، وعلى أيديهم اكتشف الناس ضبط النصوص وتحقيقها، وانطلت الخديعة حتى على كبار كتاب الأمة، فصرت تجد مدارس نشر التراث وتحقيقه تحتفي بالمستشرقين، وتذكر طرائقهم في تحقيق النصوص، دون أدنى إشارة إلى سبق المسلمين في هذا الميدان، لا من زمن اليُونِيْنِيِّ فحسب، بل من لحظة قال البخاري كلمته الكريمة: "ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول"([55])فكان يقارن بين الروايات، وينظر، ويدقق ويختار على بصيرة، وهل التحقيق إلا ذلك، لا بل لقد كان البخاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نفسه مسبوقًا، ألم يقل" هشام بن عروة عن أبيه انه كان يقول: كتبتَ؟ فأقول: نعم، فيقول: عرضتَ كتابكَ؟ قلت: لا قال: لم تكتب!!"([56]) أليس العرض تحقيق النص والتثبت من عدم التصحيف أو التحريف، وهل التحقيق إلا ذلك؟"([57]).

وقد ذكر الشيخ رحمه الله كلامًا نفيسًا في تتبع رواية اليونيني وقصة تأليفها فقال([58]):

"كان الإمام اليُونِيْنِيُّ "صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب ومحاسن"([59]) "استنسخ" صحيح البخاري" وعُنِي به وقابله([60]) وقد حَدَّثَ به مرات([61]) وقرأه" على ابن مالك تصحيحًا، وسمع منه ابن مالك روايةً، وأملى عليه فوائد مشهورة، وكان عارفًا بكثير من اللغة، حافظًا الكثير من المتون، عارفًا بالأسانيد، وكان شيخ بلاده، والرحلة إليه"([62]) وحين ارتحل ابن مالك إلى دمشق الشام؛ طلب منه فضلاء المحدثين والحفاظ، أن يوضح لهم مشكلات ألفاظ روايات"صحيح البخاري"ويصححها، فأجابهم إلى ذلك([63]) فقرأ اليُونِيْنِيُّ عليهم صحيح البخاري، في واحد وسبعين مجلسًا([64]) وقابل أصله([65])الموقوف بمدرسة" أقبغا آص" بأصل مسموع على الحافظ أبي ذر الهروي، و بأصل مسموع على الأصيلي، وبأصل الحافظ مؤرخ الشأم أبي القاسم ابن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وهو أصل من أصول مسموعاته، في وقف" خانكاه السميساطي" بقراءة الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني"([66]).

واجتمع لليُونِيْنِيِّ رحمه الله أربع عشرة نسخة من نسخ" صحيح البخاري " مع أَصْلَي سَمَاعَي الحافظ أبي محمد المقدسي الموقوف على" خانكاه السُّمَيْسَاطِي"([67]) فكان اليُونِيْنِيُّ رحمه الله يقرأ، ويتابعه جماعة من الفضلاء ناظرين في نسخ معتمد عليها، كما أثبت ابن مالك ذلك في نسخته قال: سمعت ما تضمنه هذا المجلد من" صحيح البخاري " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بقراءة سيدنا الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين علي بن محمد بن أحمد اليُونِيْنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نسخ معتمد عليها، وكتبه محمد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى([68])وذلك بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة([69]).

وقد بالغ رحمه الله في ضبط ألفاظ" الصحيح " جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدل على مراده([70]) وجعل هذه الرموز في فرخة في أول الكتاب، وقال:" ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة([71]) لتُعْلَمَ الرموز، كتبه علي بن محمد الهاشمي اليُونِيْنِيُّ عفا الله عنه"([72]).

وممن وقف على هذه الفرخة، وانتسخ لنفسه نسخة منها السيد أحمد بن عثمان المكي قال:" الفرخة التي عنى بها الشيخ اليُونِيْنِيُّ في كلامه هنا، كنت قد وقفت عليها في سنة 1299 في (بدوامرى) بالهند، وهي محفوظة عندي الآن، نقلتها مِن خَطِّ مَنْ نقلها بالمدينة المنورة في سنة 1260 من خط مفتيها حينئذ؛ مولانا الشيخ العلامة المحدث عبد السلام بن محمد أمين الداغستاني المدني، رحمه الله تعالى، بين فيها جملة كبيرة من الرموز التي عينها في نسخته".

فعلامة أبي ذر الهروي( ه ) والأصيلي ( ص ) وابن عساكر الدمشقي ( ش ) وأبي الوقت ( ظ ) ولمشايخ أبي ذر الثلاثة؛ الحموي ( ح ) والمستملي ( ست ) والكُشْمِيهَنيي ( هـ ) فما كان من ذلك بالحمرة، فهو ثابت في النسخة التي قرأها الحافظ عبد الغني المقدسي على الحافظ أبي عبد الله الأرتاحي بحق إجازته من أبي الحسين الفَرَّاء الموصلي عن كريمة عن الكُشْمِيهَنيي، وفي نسخة أبي صادق مرشد بن يحيى المديني وقف جامع عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بمصر وله رقوم أخرى لم أجد ما يدل عليها وهي: ( عط ) ( ق )( ج ) ( صع ) ولعل الجيم للجرجاني، والعين لابن السمعاني، والقاف لأبي الوقت، فإن اجتمع ابن حمويه والكُشْمِيهَنيي فرقمهما هكذا ( حهـ ) والمستملي والحموي فرقمهما ( حسـ ) هكذا وإن التفق الأربعة الرواة عنهم رقم لهم ( ه ص ش ظ ) وما سقط من الأربعة زاد معها ( لا ) وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير ( لا ) مثاله أنه وقع في أصل سماعه في حديث بدء الوحي" جمعه لك في صدرك " ووقع عند الأربعة " جمعه لك صدرك " بإسقاط في فيرقم على" في" لا، ويرقم فوقها إلى جنبها( ه ص ش ظ ) هذا إن وقع الاتفاق على سقوطها فإن كانت عندهم وليست عند الباقين، رقم رسمه وترك رسمهم، وكذا إن لم تكن عند واحد وكانت عند الباقين كتب عليها( لا ) ورقم فوقها الحرف المصطلح عليه، وما صح عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذر الثلاثة رقم عليه ( هـ ) وفوقها صح، وإن وافق أحدَ مشايخه وضعه فوقه"([73])" فقابله بضع عشرة مرة في سنة، وكان ذا عناية بالغريب والأسماء وضبطها"([74]) وكان الجمال ابن مالك لما حضر عند المقابلة المذكورة، إذا مر من الألفاظ ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية، قال للشرف اليُونِيْنِيِّ: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنه منها؛ شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه([75]).

وكان مسك ختامه ما كتبت يراعة الرجل الصالح؛ الإمام اليُونِيْنِيِّ" بلغت مقابلة وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام حجة العرب مالك أَزِمَّة الأدب الإمام العلامة أبي عبد الله بن مالك الطائي الجياني أمد الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسبعين، وهو يراعي قراءتي، ويلاحظ نطقي، فما اختاره ورجحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححت عليه، وما ذكر أنه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثة فأعملت ذلك على ما أمر ورجح"([76]).

وَسَمَّى العلماء نسخة الإمام اليُونِيْنِيِّ " الأصل " وما كتب عنها" الفرع " قال القسطلاني: ولقد وقفت على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل فرأيت من أَجَلِّهَا الفرعَ الجليلَ الذي لعله فاقَ أصلهَ؛ وهو الفرع المنسوب للإمام المحدث شمس الدين؛ محمد بن أحمد المِزِّيِّ الغزولي، وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، المُقَابَل على فَرْعَيِّ وقف مدرسة الحاج مالك وأصلِ اليُونِيْنِيِّ غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئاً([77]).

وممن وقف على أصلِ اليُونِيْنِيِّ الإمام ابن حجر العسقلاني، قال:" ورأيته في نسخة الحافظ أبي الحسين اليُونِيْنِيِّ، وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له، إلا رواية واحدة، فإنه كتب عليها علامة" ق "([78]) ووقف عليه الإمام القسطلاني قال:" ثم وقفت في يوم الإثنين؛ ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وتسعمائة بعد ختمي لهذا الشرح على المجلد الأخير من أصل اليُونِيْنِيِّ"([79]) وضبط شرحه عليه "([80]) وقال:" ووجد الجزء الأول من أصل اليُونِيْنِيِّ ينادى عليه للبيع بسوق الكتب، فعرف وأحضر إليَّ بعد فقده أزيد من خمسين سنة"([81]).

وممن وقف على فرع من فروعها، أحمد شاكر قال:" وقع لي النصف الثاني من نسخة فروع اليُونِيْنِيّة، في مجلد واحد متوسط الحجم، وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في 24 ذي القعدة سنة 1215، كتبه كما وصف نفسه" السيد الحاج محمد الملقب بالصابر، بن السيد بلال، بن السيد محمد، العينتاني وطنًا"([82]).

وأشار الأستاذ أحمد شاكر إلى أنَّ:" المفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر، في 20 صفر سنة1313، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، أن أصل اليُونِيْنِيِّ محفوظ في" الخزانة الملوكية بالآستانة العلية" وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه، على يد" صاحب السعادة عبد السلام المويلحي" والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في" الخزانة الملوكية بالآستانة العلية"([83]) ويقول الأستاذ فؤاد سزكين:" ولا يعرف حتى اليوم مصير النص الأصلي لليُونِيْنِيِّ"([84]).

          وكان السلطان عبد الحميد رحمه الله قد" أمر بطبعها ، بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة 1311 وشرعتْ المطبعة في ذلك تلك السنة، وأتمت طبعها في أوائل الربيعين سنة 1313 في تسعة أجزاء، واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري الشريف، وعلى نسخ أخرى خلافها، شهيرة الصحة والضبط، كما قالوا في مقدمة الطبع، ولم يذكروا وصفًا للنسخ التي صححوا عنها غير ذلك، ولكن المتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضًا على شرح القسطلاني، وقد ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد الله بن سالم"([85]).

ومما يدل على اهتمام الشيخ رحمه الله باليونيني وروايته توصيته في آخر مبحثه بما يلي:

"1. أن يدرس طلبة الدراسات الشرعية العُليا، ضمن مساق البحث العلمي، طرق تحقيق النص عند علماء المسلمين الأُولِ، دراسة تطبيقية على" صحيح البخاري" وطريقة ضبط نصه عند اليونيني وأمثاله من الأئمة.

2.     أن يطبع كتاب" صحيح البخاري" طبعة جديدة، يراعى فيها:

أ. تحقيق مبتغى اليونيني رحمه الله، وإثبات أسانيد النسخ التي اعتمدها في تحقيق ألفاظ" صحيح البخاري" مع إثبات حواشي ابن مالك في هامش الكتاب، وبيان ما قام به اليونيني وابن مالك في مقدمة الكتاب.

ب. أن يطبع الكتاب حسب علامات الترقيم المعاصرة، عن النسخة اليونينة نفسها، أو عن فرع من فروعها، فإن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله قارن بين النسخة اليونينة التي وقعت له، والطبعة السلطانية، فوجدها منقوصة، لم يثبت فيها كل ما رقمه اليُونِيْنِيُّ، وكنت لاحظت ذلك أثناء شرحي لكتاب الإيمان من" صحيح البخاري" حيث كان ابن حجر يشير إلى روايات لنسخ من نسخ اليُونِيْنِيِّ لا أجدها في السلطانية"([86]).   

المبحث السابع:

عنايته بمخطوطات الصحيح وأماكن وجودها

 

قرر شيخنا رحمه الله أن صحيح البخاري انتشر "انتشارًا واسعًا في الأرض، وتمددت جذور دوحته العظيمة، وتأصلت أرومته، وصارت الرحلة إلى ظلاله الوارفة مقصد كل كريم، فسرى نوره في أطراف الكون، واشتهرت مخطوطاته، حتى بلغ ما أحصاه مصنفو "الفهرس الشامل" ألفين وثلاث مئة وسبعًا وعشرين مخطوطًا".

ثم ذكر نفائس ونوادر مخطوطات صحيح البخاري معتمدًا على هذا التقسيم:

"أولاً: أقدم مخطوط لصحيح البخاري.

ثانيًا: المخطوط الذي يليه من حيث القدم، لظن كثيرين أنه المخطوط الأقدم.

ثالثًا: مخطوطًا من رواية الطبقة الأولى التي تروي عن الإمام البخاري.

رابعًا: مخطوطًا من رواية الطبقة الثانية التي تروي عن الفِربري عن البخاري([87]).

خامسًا: مخطوطًا من رواية الطبقة الثالثة التي تروي عن شيوخها عن الفِربري عن البخاري([88]).

سادسًا: مخطوطًا من رواية الطبقة الرابعة التي تروي عن شيوخها عن شيوخهم عن الفِربري عن البخاري([89]).

سابعًا: مخطوطًا من بلادي فلسطين، من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس"([90]).

ثم قام بذكرها وعرض نسخها في كتابه " الصحيحان"([91]).

 

المبحث الثامن:

عنايته بطبعات صحيح البخاري

 

بين الشيخ رحمه الله أن بداية ظهور الطباعة الورقية كانت أواسط القرن الخامس عشر، بعد أن كانت الناس تعتمد في نشر العلوم وبثها على النسخ والاستنساخ، وارتقت في الناس أسباب التقدم، "حتى صار المؤلف يكتب كتابه على الحاسوب مباشرة، بحرف حسن قشيب، وانتهى زمن النساخ، واختفت حرفتهم، وكسدت أسواقهم، وصار الكتاب يُكتب بمداد مؤلفه للمرة الأولى، ثم يصير إلى الطباعة، وتخوّف العلماء أول الأمر من الطباعة([92])، حتى صدرت الفتوى بجواز طبع كتب التفسير ونحوها([93])، وابتدأوا طباعة الكتب، ومنها صحيح البخاري رحمه الله"([94]).

ثم قام الشيخ رحمه الله بتعداد طبعات صحيح البخاري منذ أول طبعة له وحتى تاريخ كتابة بحثه الصحيحان عام 1420هـ، فبلغ عدد هذه الطبعات (60) طبعة، وأفاد أن أقدم طبعة لصحيح البخاري هي التي طبعت بمدينة "بومبي" بالهند، سنة 1269هـ، في ثمانية أجزاء، في مجلد واحد، وتليها التي طبعت في مدينة "دلهي" بالهند، سنة 1270هـ في جزأين، ثم أعيد طباعته على شاكلة الطبعة السابقة في مدينة "دلهي" بالهند سنة 1274هـ، في مجلّدين أيضًا.

ثم قام رحمه الله بتعداد باقي الطبعات، وكان آخرها طبعة دار السلام بالرياض، حيث طبعت في مجلّد واحد، مع مجموعة الكتب الستة، بإشراف فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ([95]).

المبحث التاسع:

عنايته بتحرير بعض المسائل المتعلقة بصحيح البخاري

 

كان للشيخ دورٌ بارزٌ في تحرير بعض المسائل الحديثية المتعلقة بصحيح البخاري، وإن كان الوقت لم يسعفه في تدوين بعضها وكتابتها، إلا أنه لم يُغفل الحديث عنها في دروسه ومجالسه.

من هذه المسائل([96]):

 

أولاً: اهتمامه بنشر الاسم العلمي للصحيحين والسنن.

لم يزل الشيخ منذ أن وطئت أقدامه أرض غزة، بعد رحلته العلمية المباركة وحتى استشهاده، يدعو طلبة العلم إلى تحرير المسائل العلمية وتدقيقها، والاعتماد على الكتب الأصول في كلّ فن وعلم، وتحرير أسمائها، وذكر العنوان الصحيح لها، و تحقيق نسبتها إلى مؤلفيها، وكان لا يولي المؤلفات المعاصرة اهتمامًا كثيرًا سوى تآليف بعض العلماء التي لا غنى لطالب عنها كالألباني وأبي غدة وغيرهم.

ومن الكتب التي كان يدعو لنشر اسمها الحقيقي: صحيح الإمام البخاري، إذ كان كثيرًا ما يردد في مجالس العلم وحلقات الدروس الاسم الحقيقي لصحيح البخاري هو"الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَر مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ"، وذكر في كتابه "الصحيحان"([97]) أن:"هذا اسم صحيح الإمام البخاري، كما في مقدمة ابن الصلاح النوع الأول الصحيح ص 24-25".

وقد سبق الشيخَ رحمه الله إلى هذه الدعوى في هذا العصر كلٌّ من:

العلاّمة النحرير شيخ الشام في زمانه محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله في كتابه "حياة البخاري" ص12، وقال:" هذا عنوان صحيحه فليُحفظ، وينبغي لكلّ من ينسخ الصحيح أو يطبعه أن يُعِنونه بتسمية المؤلّف، محافظة على الأعلام، وتحرّسًا من الاقتضاب، فيما لا محلّ له من الإعراب"([98]).

والعلامة المحقق عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ت 1417هـ، في كتابه النفيس" تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي".

وَوَجْهُ اهتمام الشيخ رحمه الله بأسماء الكتب الصحيحة، والعنوان الصحيح لها، أن "العنوان للكتاب هو الدال على ما فيه، وبعنوان الكتاب يُعرف لناظرِه موقعُه من العلم الذي أُلّف فيه: حاجةً إليه أو استغناءً عنه بغيره، ونفاسةً في بابه أو رُخصًا فيه، في غالب الأحوال، ولذا كان للعلماء اهتمامٌ شديد بصَوْغ العنوان، ليكون دالاًّ بدقة واستيعاب على ما يدخل فيه، وما لا يدخل فيه"([99]).

كما من فوائد تحقيق اسم الجامع الصحيح بهذا التمام، وضرورة نشره كما سماه البخاري به، أنه يتضمن "الأسس العظمى التي بنى عليها البخاريّ كتابه، مما لا نجده إلا في هذا العنوان، لخلوّ صحيح البخاري من مقدّمة تُبِينُ عن منهجه فيه"([100]).

وقد قام شيخنا الشريف حاتم بن عارف العوني، حفظه الله، بتعداد هذه الأسس والفوائد فقال: 

" قوله "الجامع"، يعلن عن شموله لأبواب العلم، وأنه غير مقتصر على ما يدلّ عليه اسم (السنن)، من أن جُلّ عناية مصنّف (السنن) بأحاديث الأحكام.

وقوله "المسند" هو مرفوع صحابي بسندٍ ظاهره الاتصال، ولهذا اللفظ من الفوائد شيءٌُ كثي، لكني أختار أدقّها:

فمن مسائل (الحديث الصحيح) في كتب علوم الحديث: بيان أول من صنّف في (الصحيح) المجرّد، فلما ذكر ابن الصلاح ت 643هـ أن البخاري هو أول من جمع أحاديث صحيحة مجرّدة مما سواها، اعتُرض عليه بـ(الموطأ) للإمام مالك ت 179هـ، وقيل في تقرير هذا الاعتراض: إن قيل إنّ في (الموطأ) مراسيل وبلاغات، قلنا: إن في صحيح البخاري معلّقات أيضًا، وأجاب الأئمة عن هذا الاعتراض بأكثر من جواب، وأنصع الأجوبة حجةً هو أن يقال: إن البخاري بتسميته لكتابه (المسند) بيّن أنّ شرْط الصحة شرطٌ في الأحاديث المسندة وحدها، دون المعلّقة، فالمعلقات خارجة عن شرط الصحيح عند البخاري، أما الإمام مالك فالمراسيل والبلاغات التي في الموطّأ عنده صحيحة، كما ذكروا ذلك عنه.

وفائدة أخرى مأخوذة من ذيل السابقة، هو أن رجال تعاليق البخاري لا يلزم أن يكونوا على شرط رجال الصحيح المسند في كتابه.

وقوله "الصحيح" أذانٌ باشتراطه الصّحّة في كتابه، لا أنّ وصْفه بالصحيح كان استنباطًا من تصرّفه في كتابه.

وقوله "المختصر" فيه ردٌّ على من زعم أن اقتصار البخاري على ما اقتصر عليه من الحديث الصحيح يُطرّق لأهل البدع ادّعاء أنه لا يصح عند أهل الحديث إلا ذلك العدد الذي أخرجه البخاري؛ فهذا البخاري يردّ على ادعائهم، بوَسْم كتابه بأنه مختصر.

وفائدة أخرى: تُقفل باب الإلزام للبخاري بإخراج كل صحيح على شرطه، فإن البخاري صرّح بأنه لم يستوعب ولم يقصد الاستيعاب، وذلك بتسميته كتابه (المختصر)"([101]).

إذا تأملت هذا؛ علمت سرّ اهتمام شيخنا رحمه الله بهذه المسألة كثيرًا، فلله درّه.

 

 ثانيًا: تحرير مسألة النص على طول الملازمة وقلتها وكيفية معرفتها.

ذكر الشيخ رحمه الله أن "للبخاري شرطان رئيسان في رواية أحاديثه في صحيحه وهما:

1. شرطه في العنعنة.

2. شرطه في انتقاء الرجال".

ثم تكلم على شرطه في انتقاء الرجال فقال:" وقد اشتهر أنه رحمه الله يخرج حديث رجال الطبقة الأولى، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية، قال الحازمي رحمه الله:( اعلم أن لهؤلاء الأئمة مذهبًا في كيفية استنباط مخارج الحديث، نشير إليها على سبيل الإيجاز، وذلك أن مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهم ثقاتٌ أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت، يلزمهم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقة معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن نعلم مثلاً أن أصحاب الزهري على طبقاتٍ خمس، ولكلّ طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر، ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة، فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى)([102]) "

ثم قال الدكتور رحمه الله:

" وتعرف الملازمة بالنص عليها، فقد يقول الناقد في الراوي مثلاً: روى عنه في موسم الحج، وهذا نصٌّ في قلة الملازمة، كما قد ينصُّ على طول الملازمة بقوله: صحبته ست سنين مثلاً، فهذا بيان طول الملازمة، والناظر في كتب الرجال يجد بيان ذلك وتوضيحه.

كما تعرف الملازمة بكثرة أحاديث الراوي عن هذا الشيخ، فإن كثرة الرواية مظنة طول الملازمة، وإن لم تكن لازمة، فقد يأتي الراوي إلى شيخه في زيارة سريعة لا تتجاوز شهرًا مثلاً، ثم يأخذ أحاديث شيخه بكتابة غيره، ثم يقرأها عليه، ويعود سريعًا بأحاديث الشيخ، فهذا لا شك من رجال الطبقة الأولى.

وتعرف الملازمة من طريق ألفاظ أداء الراوي عن شيخه، فإن أكثر من قوله:"حدثني" و"سمعت" دلّ على طول الملازمة والانفراد.

وهناك إشارات في ترجمة الراوي تشي بطول الملازمة، كأن يكون الراوي وشيخه بلديان تعاصرا مدة طويلة، وكثرت رواية الراوي عنه.

كما يعرف حال الراوي في شيخه من صنيع الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب؛ حيث يأتي بأسماء الرواة عن الشيوخ حسب مراتبهم، فيذكر أولاً من طالت ملازمته، وهكذا"([103]).

وقد سمعت الشيخ في أكثر من مجلس يقول أنه لا يعلم أحدًا أفرد هذه الضوابط في مكان واحد، ولا نُص عليها في كتاب، مثل ما نَصّ هو عليها في هذا الموضع، وهذا مما فتح الله به عليه رحمه الله تعالى.

 

ثالثًا: بطلان اشتراط البخاري للعلم باللقاء.

قال شيخنا رحمه الله:"لم يرد عن الإمام البخاري رحمه الله أيّ نص بأنه يشترط العلم باللقاء بين الراويين المتعاصرين حتى يثبت اتصال سندهما، ولم يَدَّعِ أحد من العلماء أنه استقرأ الصحيح وخرج منه بهذه النتيجة، وهذه الأدلة التي استدل بها من نسب البخاري إلى اشتراط اللقاء:

الدليل الأول : لم يستدل القاضي عياض رحمه الله أبدا لقوله باشتراط البخاري وشيخه علي بن المديني لثبوت اللقاء، لكن اتضح للمصنف بعد البحث والتنقيب أن كلمة للبخاري عن شيخه ابن المديني ذكرها في الصحيح كانت هي السبب غالبًا في نسبة اشتراط ثبوت اللقاء إليهما.

قال الإمام البخاري في صحيحه عقب حديث الْحَسَنِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ... الحديث.

وترجيح كون هذه العبارة مستند القاضي عياض في نسبة الشرط إلى البخاري وشيخه له أسباب:

أحدها: أنها صريحة في اشتراط ثبوت اللقاء مرة واحدة لإثبات سماع الراوي لشيخه، وهو هنا الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه.

الثاني: أنها قد ذكرها البخاري عن شيخه ابن المديني، ففيها ذكرهما معا، وإيهام اشتراطهما لهذا الشرط.

الثالث: أن هذه العبارة موجودة في صحيح البخاري، فقد مر عليها القاضي قطعًا.

ولعل المتأمل لعبارة البخاري التي نقلها عن شيخه يرى أنها صريحة فعلًا في اشتراط ثبوت اللقاء مرة حتى يحكم بالاتصال بين الراوي وشيخه، والحقيقة غير ذلك، إذ أن الحسن البصري رحمه الله كان مشتهرًا بكثرة الإرسال أو التدليس عن من عاصره ولم يلقه، وشهرة الحسن بهذا الأمر جعلت الشبهة على كثير من مروياته عن الصحابة، فلما صرح بالسماع هنا انتفت الشبهة عنه.

ومسلم رحمه الله لم يحد عن طريقة البخاري وشيخه ابن المديني في التعامل مع الحسن البصري ومروياته، إذ أنه لم يخرج من طريق الحسن عن عمران بن حصين شيئًا خشية الإرسال.

قال الحاكم عقب حديث من هذه الطريق: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بطوله، والذي عندي أنهما قد تحرجا من ذلك خشية الإرسال([104]).

فهذا مسلم سار على الطريق ذاته في التحقق من السماع عند خشية الإرسال والتدليس.

أما إن كان الأمر على الإبهام أي: بدون قرائن تدل على عدم السماع، فإن الحكم يكون بالاتصال حتى تقوم قرينة على عدم السماع.

إذًا فالنص قد يُرى دليلا لمن ينسب للبخاري وابن المديني اشتراط ثبوت اللقاء مرة للحكم بالاتصال بين المتعاصرين، وقد ترجح لدى الباحث أنها مستند القاضي لما نسبه إليهما، فإنه لم يفتره - حاشاه الله - عليهما، فلعله قاله بسبب هذا النص في صحيح البخاري وقد ظهر بطلان الاستدلال به.

الدليل الثاني : إعلال البخاري رحمه الله لأحاديث بنفي العلم بالسماع أو اللقاء، كقوله: لا أعرف ليونس بن عبيد سماعًا من عطاء بن أبي رباح([105]) أو ما شابهها من العبارات.

وهذه العبارة لا تدل على اشتراط ثبوت اللقاء والعلم به، وإنما هي ترجيح لجانب عدم السماع يتوصل إليه من خلال قرائن دالة على انتفاء اللقاء أو السماع.

ولو كانت تدل على اشتراط العلم باللقاء بين المتعاصرين مرة حتى يحكم بالاتصال بين الروايات، لكان مسلم نفسه يشترط العلم باللقاء، وواضح أن مسلمًا يحمل على القائل بهذا الشرط بشدة.

فقد قال مسلم في كتاب التمييز: ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه([106])، فلو كان هذا الدليل يصلح لاشتراط ثبوت اللقاء لكان مسلم على الشرط الذي شنع على مشترطه أشد التشنيع، فإن عبارة مسلم تكاد تكون أشد من عبارة البخاري.

والمتتبع لعبارات الأئمة التي تنص على عدم العلم بالسماع أو اللقاء يجد أن قرينة قد دلت على عدم اللقاء بينهما، والمثال المذكور أعلاه: يونس بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح يشهد لهذا، فيونس مدلس، وقد تجنب مسلم الإخراج له عن عطاء كما صنع شيخه البخاري، أما أبو داود والترمذي وابن ماجه فقد أخرجوا له بهذا الطريق لأنهم لا يشترطون الصحة، وأما النسائي فلم يخرج له لأنه هو الذي وصفه بالتدليس.

والإمام البخاري يكتفي بإمكان اللقاء صراحة: فقد روى الإمام الترمذي في العلل الكبير من طريق عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم فقال:" ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة" سألت محمدًا عن هذا الحديث فقلت له : أترى هذا الحديث محفوظا؟ قال: نعم، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم([107])، وهذه العبارة نص في الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء "([108]).

 

رابعًا: دراسة المعلقات في صحيح البخاري.

قال الشيخ رحمه الله:" كَثر المعلق في البخاري الصحيح، وهو في مسلم في موضع واحد فقط([109])، والتعليق في أحاديث من صحيح البخاري قُطِع إسنادُها، صُوْرَتُه صورةُ الانقطاع، وليس حكمُهُ حُكْمَهُ، ولا خارجًا من دائرة الصحة إلى الضعف، وذلك لما عرف من شرطه وحكمه.

والمعلقات في الصحيحين ليست من جملة أحاديثهما، فقد أخرجها البخاري من مسمى صحيحه عندما سماه" بالمسند" وكذا مسلم، وعلى هذا جرى العلماء في التعامل مع الصحيحين"([110]).

ثم ذكر أسرار التعليق عند الإمام البخاري فقال:

1. قد يفعل البخاري رحمه الله ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات، عن ذلك الشخص الذي علقه عنه.

2. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلاً([111]).

3. وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، فإذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها، أو قطعه في الأبواب، إما مختصرًا المتن، أو الإسناد، أو هما معًا.

4. قال النووي:" اعلم أن هذا التعليق إنما يفعله البخاري لأن مراده بهذا الكتاب الاحتجاج بمسائل الأبواب فيؤثر الاختصار"([112]).

5. ومنها مالا يلتحق بشرطه، من الصحة والحسن، ولكنه مقبول على شرط غيره، فيورده معلقًا([113]).

6. ومنها ما هو ضعيف لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده([114]).

وما ذكر من الحكم في التعليق المذكور فذلك فيما أورده منه أصلًا ومقصودًا، لا فيما أورده في معرض الاستشهاد، فإنَّ الشواهد يحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح معلقًا كان أو موصولاً([115]).

 

خامسًا: تحرير القول في مسألة من الذي عناه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه.

من المسائل المهمة التي انتشرت بين طلبة العلم قديمًا وحديثًا، هي معرفة من الذي عناه مسلم في مقدمة صحيحه حين قال:"وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقولٍ لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا، ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطَّرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه"([116])، إذ ذهب البعض إلى أن المقصود هو الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني، وقيل ابن المديني فقط، إلى آخر تلك الأقوال.

لكن شيخنا حرّر هذه المسألة تحريرًا بديعًا في شرحه لصحيح مسلم، أثبت فيه أن مسلم لم يكن يعني البخاري بشيءٍ من هذا ألبته، وهاك ما حرره بنصه:

" أولاً: تاريخ نسبة مسلم إلى التشنيع على البخاري والحط من قدره.

اشتهر بين طائفة من أهل العلم المتأخرين أنَّ مسلمًا رحمه الله أراد بتشنيعه في مقدمته شيخَه الإمامَ البخاريَّ رحمه الله، وهذه محاولة من الباحث للتحقق من ذلك وبيانه.

ولعل القاضي عياضًا رحمه الله أول من ذكر الإمام البخاري رحمه الله، وجعل له علاقة بنص الإمام مسلم الذي يشنع فيه على صاحب القول في العنعنة.

قال القاضي عياض:" وذكر مسلمٌ كلامَ بعض الناس في المعنعن وهو قولهم: فلان عن فلان، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا ولا سمعت، وقولهم: ولا يحمل منه على المسند إلا ما كان بين متعاصرين يعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدًا، وما لم يعرف ذلك فلا تقوم الحجة منه إلا بما شهد له لفظ السماع والتحديث، وأنكر مسلمٌ هذا ورده، ولم يشترط غير التعاصر لا أكثر، والقول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم علي بن المديني والبخاري وغيرهما"([117]).

فهذا أول نص وقف عليه الباحث يأتي على ذكر البخاري في هذه المسألة.

وواضح أن القاضي عياضًا لم يَدَّعِ أن البخاري صاحب القول المشنع عليه، بل جل ما ذكره موافقة قول خصم مسلم لقول ابن المديني والبخاري في العنعنة، وقد التزم القاضي بالنص، فأبهم الشخص الذي يرد عليه مسلم وقال:"بعض الناس" ولم يسم هؤلاء الناس.

وقال ابن الصلاح:" والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم؛ علي بن المديني والبخاري وغيرهما، ومنهم من لم يقتصر في ذلك على اشتراط مطلق اللقاء أو السماع، وزاد عليه، فاشترط أبو عمرو الداني المقرىء الحافظ أن يكون معروفًا بالرواية عنه"([118]).

وقال في موضع آخر:" وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا: أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها، وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني و البخاري وغيرهما"([119]).

فليس في كلام ابن الصلاح هذا أبدا دلالة على أن مسلما أراد البخاري في هذا الرد.

وقال ابن دقيق العيد في تعريف المعنعن:" وهو ما كان صيغة روايته: فلان عن فلان، فمن الناس من قال: لا يقبل حتى يثبت لقاء الراوي لشيخه ولو مرة.

ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقاء في الزمن ، وهذا مذهب مسلم، وقد أطنب في الرَّد على الأول في مقدمة كتابه"([120]).

ويبدو أن أحدًا من العلماء لم ينسب إلى مسلم رحمه الله الوقوع في البخاري، وجلهم كانوا على أن مسلما رد على بعض معاصريه، ثم إن هذا المعاصر وافق قوله قول البخاري وابن المديني، إلى أن جاء الإمام الذهبي رحمه الله، فقال في سير أعلام النبلاء: قلت:" ثم إن مسلما، لحدة في خلقه، انحرف أيضا عن البخاري، ولم يذكر له حديثًا ولا سماه في" صحيحه" بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة" عن " وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك.

وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة([121]).

وهكذا يرجح الذهبي أن مسلمًا رحمه الله إنما أراد البخاري بهذه المقالة.

وبعد الإمام الذهبي بدأ بعض العلماء يذكرون أن مسلمًا أراد البخاري أو ابن المديني ويرجحون أحدهما على الآخر.

ثم أتى ابن رجب الحنبلي، فوازن بين الرأيين، ورجح الرأي المنسوب للبخاري، لكنه لم يزعم أبدًا أنه البخاري، وسار على نهج القاضي في إبهام خصم مسلم، إذ قال: وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله([122]).

فليس في قوله ادعاء أن مسلمًا أراد البخاري، وإنما أراد أن توافقا حصل بين رأي البخاري ورأي من رد عليه مسلم.

وقال ابن كثير:" وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه: وشنَّع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقيَّ، حتى قيل: إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح"([123]).

فلعله أشار إلى قول الذهبي بترجيح كون مسلم أراد البخاري بتشنيعه، ثم إنه رجح أن يكون المراد ابن المديني.

وللأسف فقد بدأت دعوى أن مسلما أراد البخاري أو شيخه ابن المديني تجد طريقها إلى كتب المصنفين في علم الحديث حتى غدا الأمر من المسلمات عند المعاصرين، فقد حاول العلامة المعلمي أن يعتذر لمسلم في هجومه على البخاري مثبتًا أنه شنع عليه فعلا.

قال المعلمي رحمه الله: فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعةً اتبعوا بعض الأفاضل في أمر، يرى أنه ليس لهم فيه وجه... أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل؛ لكي يكف الناس عن الغلو فيه، الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه... ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه، مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري([124]).

وقال محقق سير أعلام النبلاء: وقد تكلم مسلم في مقدمة كتابه في الرواية بالعنعنة، وأنه شرط فيها البخاري ملاقاة الراوي لمن عنعن عنه، وأطال في رد كلام البخاري والتهجين عليه، ولم يصرح أنه البخاري، وإنما اتفق أهل العلم أنه أراده، ورد مقالته([125]).

ومن خلال ما اقتبس سابقا من نماذج لأقوال العلماء في نسبة مسلم إلى الحط على البخاري والرد عليه، يتضح كيف تدرجت الدعوى من كونها ادعاء لموافقة البخاري لقول معاصر مسلم الذي يرد عليه في المقدمة، إلى أن مسلمًا إنما أراد البخاري نفسه عينا، وترى كيف أصبحت دعوى مهاجمة مسلم للبخاري مسلمة لا شك فيها.

ثانيًا: تأكيدُ بطلان نسبة مسلم إلى التشنيع على البخاري والحط من قدره.

ذهب أستاذي عبد الفتاح أبو غدة([126]) إلى أن المراد بتشنيع مسلم في مقدمة الصحيح هو علي بن المديني رحمه الله، ولم يستدل لقوله هذا، وإنما عمل بطريقة السبر والتقسيم، إذ قام بحصر المشتبه بهم بكونهم معنيين بكلام مسلم وهما البخاري وابن المديني ثم نفى بشدة أن يكون البخاري هو المقصود، واستدل لذلك بدليل تاريخي قوي، فانحصرت التهمة عنده في ابن المديني، فأثبتها عليه.

ونقل عن الحافظ ابن كثير دعواه أن المراد به هو ابن المديني، وقد سبق قول ابن كثير، وعمدته في ذلك أن البخاري لا يشترط في ذلك القول في أصل الصحة، وإنما في صحيحه فقط، وأن الذي يشترطه في أصل الصحة إنما هو علي بن المديني، ولم يذكر ابن كثير حجته في نسبة ابن المديني إلى ذلك.

ثم ذكر الشيخ عبد الفتاح موافقة ثلاثة من العلماء لابن كثير في دعواه وهم: شيخ الإسلام البلقيني، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والعلامة محمد بن قاسم الغزي؛ تلميذ السخاوي.

ولم يذكر واحد من هؤلاء جميعًا شيئًا يستدلون به على أن مسلمًا أراد ابن المديني، إنما نفوا التهمة عن البخاري فانحصرت عندهم فيه.

والمهم هنا في كلام الشيخ عبد الفتاح رحمه الله هو الدليل الذي استدل به على عدم إرادة مسلم للبخاري، إذ أنه ذكر مستدلا بما ما ملخصه أن مسلمًا بعد تصنيفه كتابه صاحبَ البخاري ولازمه خمس سنين، وناصره في محنته، واختتم الشيخ عبد الفتاح استدلاله بقوله: فلا يعقل أن يكون البخاري هو المعني بهذه اللهجة الشديدة، التي لا تطاق معها مقابلة ولا لقاء، فضلا عن الصحبة والملازمة خمس سنين، بل إن مسلمًا قد قاطع شيخه وبلديه: محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، من أجل البخاري لما ورد نيسابور، ووقف منه محمد بن يحيى الذهلي ذلك الموقف المعروف.

فهل يعقل ممن يناصر البخاري هذه المناصرة ويقول له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك، ودعني أقبل رجلك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله: أن يصفه بتلك الصفات النابزة، والأقوال القاسية، والكلمات الجارحة، ويتصاحبا بعد ذلك دهرًا طويلًا: خمس سنين؟ هذا فضلًا عن أن البخاري خارج من البين في هذه المسألة، على ما بينه الحافظ ابن كثير وشيخ الإسلام البلقيني وغيرهما، والله تعالى أعلم ا.هـ.

أما ما ادعاه الإمام الذهبي من كون مسلم رحمه الله انحرف عن البخاري وترك حديثه، فلم يثبت إذ أنه استدل على ذلك بأمرين:

الأول: أنه لم يرو عنه في صحيحه شيئًا، ولا يلزم منه أنه انحرف عنه، إذ يحتمل أنه إنما أراد علو الإسناد، وقد شاركه في معظم شيوخه، والترمذي رحمه الله على قربه من البخاري وكثرة أخذه عنه وتبجيله له واعتزازه به لم يخرج عنه إلا حديثين اثنين.

الثاني: أن مسلمًا وبّخ البخاري في مقدمة الصحيح، وهذه دعوى ثبت بطلانها، فلا تصح للاستدلال على هذا، فبهذا يثبت أن البخاري قطعًا غير مراد بتوبيخ مسلم رحمه الله وتشنيعه"([127]).

 

سادسًا: اهتمامه بضبط بعض أسماء رواة الصحيحين.

اهتمّ المحدثون كثيرًا بضبط أسماء الرواة، والتمييز بينهم، وعقدوا مباحث مستقلّة في علوم الحديث تعني بهذا الأمر، كعلم المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، وغير ذلك من أنواع علوم الحديث([128]).

وكان الشيخ رحمه الله يولي رجال الصحيحين وضبط أسمائهم اهتمامًا شديدًا، وبرز اهتمامه أكثر في اقتناء كتب هذا الفنّ، وقلّما وقع له كتاب في هذا إلا تملّكه، وحثّ طلبة العلم على اقتنائه، وأبرز هذه الكتب التي كان يوصي بها، كتاب الإكمال لابن ماكولا، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي، وأمثالهما.

ومن أمثلة الرواة الذين اهتم الشيخ بهم محمد بن سلام البيكندي البخاري شيخ الإمام البخاري رحمه الله، فبين الشيخ أثناء شرحه لحديث مرّ فيه ذكْر محمد بن سلام أن هذا الاسم اختُلف في ضبطه كثيرًا، فذهب أكثر العلماء إلى تخفيف لام "سلام"([129])، وذهب آخرون إلى تشديدها([130])، ولأهميتها البالغة ألفت فيها مؤلفات عديدة([131]).

وكان الشيخ رحمه الله يرجح قول الأكثر من العلماء أن سلام بتخفيف اللام لا تشديدها، بناءً على رواية رويت عن محمد بن سلام أنه قال: "أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام ".

إلا أنني كنت أطلعْت الشيخ رحمه الله قبل ثماني سنوات على نقْلٍ نفيسٍ لابن رجب الحنبلي رحمه الله يقول فيه:" محمد بن سلام هو البيكندي، وقد اختلف في ضبط (سلام) هل هو بالتخفيف أو بالتشديد؟، والتخفيف فيه أكثر وأشهر، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء مفرد، ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام أنه قال: أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام، وقد أفردت لذلك جزءًا، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح، وفي إسنادها متهم بالكذب "([132]).

فتأمّلَ الشيخ رحمه الله هذا النصّ، ووقف وِقفة إعجابٍ به، ثم قال:"إن ابن رجب رجل محقق في المسائل، ولا يأتي بمثل هذا القول جُزافًا" كأنه رضي قوله واعتمد تحريره في المسألة.

الخاتمة

 

أولاً: النتائج

ها هو البحث قد انتهى أجله، وبلغ للحد الذي قُدّر له، وآن للباحث أن يلقي عصا التسيار بعد ترحال مع شيخه الإمام المحدث نزار ريان، وتجوال مع كتبه ومؤلفاته، خالصًا بالنتائج التالية:

1. كان الشيخ رحمه الله صاحب مفاريد وأوائل تميز بها عن غيره من شيوخه وأقرانه، فهو:

v    أول من أقرأ صحيح البخاري في غزة، وأملاه على المجاهدين في الثغور.

v    أول من أفرد روايات البخاري ومسلم في مؤلَّفٍ واحدٍ مستقلّ.

v    أول من أفرد تأليفًا مستقلاً عن الإمام اليونينيّ وجهوده في خدمة صحيح البخاري.

2. تميزّ الشيخ بتحرير مسائل متعلّقة بصحيح الإمام البخاري لا تكاد تجدها لغيره في الضبط والتحرير.

3. يظهر لنا مدى حب الشيخ رحمه الله للبخاري وصحيحه، وتأثره العظيم بمناقبه وشمائله.

4. يرجح الشيخ أن أصح نسخ صحيح البخاري وأتقنها هي نسخة الإمام اليونيني رحمه الله.

5. يرجح الشيخ أن أعظم شرح لصحيح البخاري هو كتاب "فتح الباري" لابن حجر، حتى بلغ به أن قرأه مرتين.

 

ثانيًا: التوصيات:

1. أوصي بإتمام مشاريع الشيخ الحديثية التي لم يكملها ليعمّ النفع بها.

2. أوصي بطبع جميع مؤلفات ومقالات الشيخ رحمه الله في جمهرة ومعلمة كاملة.

3. أوصي بفتح المجالات البحثية أمام الطلاب لدراسة منهج الشيخ الحديثي وأثره في خدمة السنة.

4. أوصي بما أوصى الشيخ رحمه الله من إتمام مشروع الإمام اليونيني المتمثل بـ:

أ.تحقيق مبتغاه، وإثبات أسانيد النسخ التي اعتمدها في تحقيق ألفاظ "صحيح البخاري" مع إثبات حواشي ابن مالك في هامش الكتاب، وبيان ما قام به اليونيني وابن مالك في مقدّمة الكتاب.

ب. يُدرّس طلبة الدراسات الشرعية العُليا، ضمن مساق البحث العلمي، طرق تحقيق النص عند علماء المسلمين الأُولِ، دراسة تطبيقية على "صحيح البخاري" وطريقة ضبط نصه عند اليونيني وأمثاله من الأئمة.    

المصادر والمراجع

 

- الإختلاف بين رواة البخاري عن الفربري وروايات عن النسفي، للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي ، تحقق : صلاح هلال ، دار الوطن ، الرياض 1420هـ .

- الإمام اليُونِينِيّ وجهوده في ضبط صحيح الإمام البخاري، نشر بمجلة الجامعة الإسلامية بغزة، المجلد العاشر، العدد الأول، شوال 1422هـ، كانون الثاني 2002م.

- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني ، القاهري ، الشافعي ( ت923هـ ) ، الطبعة الميمنية ، بمصر 1307هـ .

- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ، للإمام أبي سليمان الخطابي ، تحقيق د. محمد بن سعد آل سعود ، معهد البحوث العلمية جامعة أم القرى ، الطبعة الأولى 1409هـ .

- إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح ، لمحب الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن محمد ابن رشيد السبتي الفهري الأندلسي ( ت726هـ ) ، تحقيق الدكتور الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجه ، الدار التونسية للنشر .

- إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم، للدكتور نزار ريان/ نسخة خاصة، لم يطبع بعد.

- الحديث النبوي الشريف "دروس في الفقه وفقه الدعوة والسياسة الشرعية"، للدكتور نزار ريان، شرح فيه الشيخ تسعة أحاديث من كتابيْ "الفتن" و"الاعتصام بالكتاب والسنة"، طبع طبعة خاصة.

- الصحيحان أسانيدهما ونسخهما ومخطوطاتهما وطبْعاتهما، للدكتور نزار ريان، نشر بدار المنارة بغزة، جمادى الآخرة عام 1421هـ.

- تقييد المهمل وتمييز المشكل، للإمام الحافظ أبي علي الحسين بن محمد بن احمد الغساني الجياني ( ت498هـ ) ، تحقيق محمد عزيز وعلي عمران ، دار عالم الفوائد ، الطبعة الأولى 1421هـ .

- جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، جمعها و قرأها و قدم لها: د. عادل سليمان جمال، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، عام 2003 هـ.

- الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، للحافظ شمس الدين السخاوي، تحقيق باجس عبد المجيد، دار ابن حزم، بيروت.

- الحافظ ابن رُشيْد السبتي الفهري وجهودُه في خدمة السنة النبوية، للدكتور عبد اللطيف الجيلاني، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1426 هـ.  

- روايات ونسخ الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري 194-256 هـ دراسة وتحليل " للدكتور محمد بن عبد الكريم بن عبيد

- صحيح البخاري بخطّ الحافظ الصدفي ، للعلاّمة الدكتور عبد الهادي التازي رحمه الله، المنشور في مجلة معهد المخطوطات العربية في القاهرة عام 1973م-1393هـ، المجلد التاسع عشر، ج1/21-52.

- صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين، ورواياته، وأصوله للعلامة المحقق محمد بن عبد الهادي المنُّونيّ، المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق مجلد 49 عام 1974م، ص 500-549.

- العنوان الصَّحيح للكتاب: تعريفه وأهميته، وسائل معرفته وإحكامه، أمثلة للأخطاء فيه " المنشور في دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، عام 1419 هـ

- فتح الباري شرح صحيح البخاري : للإمام أبي الفضل احمد بن علي ابن حجر العسقلاني ( ت852هـ ) ، طبع المطبعة السلفية ، بمصر

- فهرس الفهارس والاثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، للعلامة عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، تحقيق د. إحسان عباس، دار العربي الاسلامي، بيروت، 1402 هـ.

- مجلة " تواصل " التي تصدر عن نقابة العاملين في الجامعة الإسلامية بغزة عام 2008-2009.

- مدرسة الإمام البخاري في المغرب، للدكتور يوسف الكتاني، دار لسان العرب، بيروت، لبنان.

- المنهج المقترح لفهم المصطلح، للشريف حاتم بن عارف العوني، دار الهجرة، الدمام.

- نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني، لعبد الهادي نجا الابياري، المطبعة الميمنية بمصر، عام 1323هـ.

- هدي الساري مقدمة فتح الباري : للإمام أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) ، المطبعة السلفية مصر.     

فهرست الموضوعات

 

الموضوع

الصفحة

 ملخص البحث

1

المقدمة وخطة البحث

2

المبحث الأول: حب الشيخ للبخاري وتأثره بشخصيته وأخلاقه

4

المبحث الثاني: مؤلفات الشيخ حول صحيح الإمام البخاري

6

المبحث الثالث: عنايته بقراءة الصحيح وإقرائه

7

المبحث الرابع: عنايته بشروح صحيح البخاري

9

المبحث الخامس: عنايته بروايات الصحيح ونسخه وتأليفه مؤلفا كاملا بهذا

11

المبحث السادس: عنايته بالإمام اليونيني ونسخته المتقنة

16

المبحث السابع: عنايته بمخطوطات الصحيح وأماكن وجودها

21

المبحث الثامن: عنايته بطيعات صحيح البخاري

22

المبحث التاسع: عنايته بتحرير بعض المسائل المتعلقة بصحيح البخاري

23

أولاً: اهتمامه بنشر الاسم العلمي للصحيحين والسنن

23

ثانيًا: تحرير مسألة النص على طول الملازمة وقلتها وكيفية معرفتها

25

ثالثًا: بطلان اشتراط البخاري للعلم باللقاء

26

رابعًا: دراسة المعلقات في صحيح البخاري

28

خامسًا: تحرير القول في مسألة من الذي عناه مسلم في مقدمة صحيحه

29

سادسًا: اهتمامه بضبط بعض أسماء رواة الصحيحين

33

الخاتمة

35

فهرس المصادر والمراجع

36

الفهرس العام

38

 



( [1] ) هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 479.

( [2] )  هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 480.

( [3] )  قال ابن حجر في هدي الساري مقدمة فتح الباري ص 480:" وللبخاري في كلامه على الرجال تَوَقٍ زائدٌ وتحرٍ بليغٌ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل فإن أكثر ما يقول سكتوا عنه فيه نظر تركوه ونحو هذا وقل أن يقول كذاب أو وضاع وإنما يقول كذبه فلان رماه فلان يعني بالكذب".

( [4] ) هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 479.

( [5] )  هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 481.

( [6] )   قال الباحث: هذا قلٌّ من جلٌّ من مناقب هذا الإمام، وهناك مناقب عديدة للبخاري ترسمها الشيخ رحمه الله في حياته، فاقتدى بسنته، واهتدى بسناه، عدلت عن ذكرها خشية الطول.

( [7] )   انظر بعضها في مجلة " تواصل " التي تصدر عن نقابة العاملين في الجامعة الإسلامية بغزة، عدد 37، بتاريخ 8/1/2009م، ص465-466.

( [8] )    وكان مقررًا على طلاب السنة الثانية من كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، وسار الشيخ في شرحه لهذه الأحاديث على نظام الحديث التحليلي، القائم على شرح الحديث وتحليله من خلال أربع عشرة نقطة وهي: تخريج الحديث، دراسة السند، لطائف السند، رحلة الحديث، شجرة الإسناد، ألفاظ التلقي والأداء، مناهج البخاري في الحديث، التحقق من شرط البخاري في هذا الحديث، سبب إيراد الحديث ووروده، المطابقة بين الترجمة والحديث، اللغة وغريب اللفظ، معنى الحديث، المشكل في هذا الحديث، وأخيرا أحكام الحديث المستنبطة من الحديث، وبنفس الطريقة وزيادة على ماسبق، قام شيخنا رحمه الله بشرح صحيح مسلم، وكتب في مقدمة شرحه كلامًا نفيسًا عن هذه الطريقة، انظرها في إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 1/81-119.                

( [9] )   انظر: مجلة " تواصل " التي تصدر عن نقابة العاملين في الجامعة الإسلامية بغزة، عدد 37، بتاريخ 8/1/2009م، ص465-466، وهذيْن الكتابيْن الأخيريْن فُقِدا مع ما فُقِد من تراث مكتبته التي استشهدت معه رحمه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

( [10] )   يعرف هذا كل من سُجن معه، وعايشه تلك المحن، وكان يذكر هذا في مجالسه ودروسه رحمه الله.

( [11] )   اللاتي قُدّر لهن أن يُرزقن الشهادة مع الدكتور رحمه الله، ومما يُسجّل للشيخ رحمه الله هنا عبارته التي كان يكررها دائمًا: أنه ما تزوج نساءه الأربع إلا ليغيظ به العلمانيين وزنادقتهم، الذي سخروا كل ما يملكون لمحاربة دين الله وتشويه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي منها تعدد الزوجات.

( [12] )  الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي 2/675.

( [13] )  الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي 2/675.

( [14] )  فهرس الفهارس للكتاني 1/323

( [15] )  حدثني أخي أحمد أنه أخبر الشيخ بوجود طبعة جديدة صدرت لفتح الباري بإشراف الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، نشرتها مكتبة العبيكان في الرياض، وزعم الناشرون لها أنها نسخة أبي ذر الهروي، فما كان من الشيخ إلا أن أمر بإحضارها له، فقال له أخي: أن صاحبها يطلب 800 شيقل-بالعملة المتداولة في غزة، ويقابلها 200$ تقريبًا-، مع أن سعرها الحقيقي لم يتجاوز 400 شيقل فقط، لكن الشيخ لحرصه الشديد على اقتناء الكتب، وسخائه في امتلاكها، دفع المبلغ الكبير دون تردد، فلله درّه من عاشق لتراث أسلافه رحمه الله، وهذا التنافس في شراء نسخ صحيح البخاري وشروحه النادرة له سلف عمّن مضى من العلماء، ويذكر الكتاني رحمه الله في فهرس الفهارس (2/677) أن الإمام المحدث ابن ناصر الدرْعي التّمكروتي المغربي ت 1129 هـ، قد اشترى نسخة من صحيح البخاري بمكة بثلاثة وسبعين مثقالا ذهبًا.

( [16] ) وكنت أخبرت فضيلته قبل استشهاده رحمه الله بشهرين عن وجود نسخة من كتاب "التوضيح شرح الجامع الصحيح" للحافظ ابن الملقن رحمه الله، مهداة إلى فضيلته من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطر، وتقع في 36 مجلدًا، فتهلل وجه الشيخ له، وسُرّ سرورًا عظيمًا، وظهرت البسمة على محياه، كأنما بُشّر بمولود رحمه الله، إلا أنه لم تكتحل عيناه برؤيته فقد أصابته يد الغدر من قتلة الأنبياء ليرقى إلى ربه شهيدًا بإذن الله نحسبه كذلك والله حسيبه.

( [17] ) ينبه الباحث إلى اعتماد ما يذكر الشيخ من الحواشي أثناء نقله كلامه من كتبه، وربما حذف بعضها للضرورة وعدم الإطالة.

( [18] )  إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 1/ 2- 3، وكان الشيخ أحصى في مقدمة شرحه شروح صحيح مسلم فبلغت 99 شرحًا، ليكون شرح شيخنا رحمه الله خاتمة عشر المائة.

( [19] ) قال الباحث: شاء الله أن يدّخر هذا الشرح النفيس لصحيح الإمام مسلم على يد رجل عسقلاني جديد وهو الدكتور نزار ريان رحمه الله، كما ادخر شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني رحمه الله، فكأن عروس الشام عسقلان كانت على موعد مع هذا الشرف.

( [20] ) أعلام الحديث للخطابي 1/105-106.

( [21] )  طبع الكتاب بتحقيق الدكتور الشيخ محمد الحبيب بلخوجه، وطبعته الدار التونسية للنشر عام 1975م، وسماه الذهبي في ذيله على تاريخ الإسلام ص 150 بـ"إفادة النصيح في مشهور رواة الصحيح".

عن المؤلف وكتابه "الإفادة" انظر كتاب:"الحافظ ابن رُشيْد السبتي الفهري وجهودُه في خدمة السنة النبوية" لصديقنا البحاثة الطُّلَعة الدكتور عبد اللطيف الجيلاني ص 289- 302.

( [22] )  وهو في الأصل اختصار لجزء من كتاب "تقييد المهمل وتمييز المشكل" لأبي علي الجياني ت 498 هـ، وقد عنون له الجياني بقوله "التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قِبَل الرُّواةقسم البخاري". انظر تقييد المهمل 2/563-760، وطبع بتحقيق صلاح هلال، ونشرته دار الوطن ، الرياض عام 1420هـ 

( [23] ) من ص 13 حتى 32.

( [24] )  المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق مجلد 49 عام 1974م، ص 500-549 ، وللبحث نفسه تكلمة منشورة في مجلة "دعوة الحق" المغربية، س 17، ع 1، 1975م، ص 56-79، ولهذه التكلمة ذيل منشور في نفس المجلة السابقة، س 17، ع 2-3 مزدوج، 1975، ص 113-115.

( [25] )  قال الباحث: كنت وقفت على بحثٍ نُشر متأخرًا بعنوان "روايات ونسخ الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
194-256
هـ دراسة وتحليل " للدكتور محمد بن عبد الكريم بن عبيد، أستاذ السنة النبوية وعلومها المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، فلما تصفحته وجدته لم يأت بجديد على ما ذكره شيخنا رحمه الله تعالى.

( [26] )  تاريخ الإسلام للذهبي 252.

( [27] )  تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/13 من كلام وراقه محمد بن أبي حاتم، قال الإمام النووي بين يدي هذه القصة:" وها أنا أختم أحواله بأمدح ما وصف به إنسان" ثم ساق القصة، انظر: شرح صحيح البخاري للنووي ص:10.

( [28] )  تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/14 من كلام الراوي راويته الفِرَبْرِي.

( [29] )  تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 2/9.

( [30] )  التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح، لأبي الوليد الباجي 1/309.

( [31] )  تاريخ الإسلام للذهبي ص:250.

( [32] ) الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 12-14.

( [33] )  الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 34-35.

( [34] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 14، الصحيحان له أيضًا ص 35.

( [35] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 18 .

( [36] ) الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 18 .

( [37] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 19-20.

( [38] )  تاريخ الإسلام 23/614.

( [39] )  لم يقف الدكتور رحمه الله على ترجمته، لكن قال:"انظر الفتح: 11/317". كما في "الإمام اليونيني" له ص 28.

( [40] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 28.

( [41] )  أكثر الأسانيد التي لا زالت تروي صحيح البخاري حتى اليوم، أسانيد الفربري، وذلك بعد النظر في طائفة من كتب الأسانيد.

( [42] )   شرح النووي على صحيح البخاري ص:4.

( [43] )  هدي الساري مقدمة شرح فتح الباري ص:491.

( [44] )   انظر الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 14-29، الصحيحان له أيضًا ص 35-40.

( [45] )   وهم: حمّويه، والمستملي، والكشميهني، ثلاثتهم عن الفِربري عن البخاري.

( [46] )  فتح الباري لابن حجر 1/7.

( [47] )  قال الباحث: وفات شيخنا أبو بلال رحمه الله ذِكْر نسخة نادرة ونفيسة من نسخ صحيح البخاري، وهي نسخة الحافظ الشهيد أبي علي الحُسيْن بن سُكّرة الصّدفيّ ت 514 هـ، يرويها عن شيخه العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي رحمه الله عن شيخه أبي ذرّ الهروي عن شيوخه الثلاثة حمويه، والمستملي، والكشميهني، عن الفربري عن البخاري رحمه الله، وقد طالع الحافظ ابن حجر أصل هذه النسخة التي بخط الحافظ الصدفي ونقل منها في كتابه فتح الباري وهذه مواضعها(2/474)، (3/286، 349، 363)، (4/89، 391، 395)، (5/149، 302، 397)، (7/487)، (8/342، 432، 658، 669)، (9/282) ولا يبعد أن تكون هذه النسخة أصل الحافظ ابن حجر في شرحه للصحيح، بل صرّح تلميذه السخاويّ بذلك، وأخبر أنها بِيعت من قِبَل بعض أهل طرابلس، وحاول هو شراءها ممن اشتراها بصُرّة من ذهبٍ فأبى عليه، كما في فهرس الفهارس للكتاني 2/707، وتمتاز هذه النسخة بأنها بخط الحافظ الصدفي،وهي في جزء واحد مدموج لا نقط به أصلاً على عادة الصدفي وبعض الكتاب، وبالهامش فيه كثرة اختلاف الروايات والرمز عليها، وفي آخرها سماع عياض من الشيخ بخطه، وفي أوله كتابة ابن جماعة الكناني والحافظ الدمياطي وابن العطار والسخاوي.

عن هذه النسخة وأخبارها ورواتها انظر: فهرس الفهارس للكتاني 2/707، مقالة نفيسة بعنوان "صحيح البخاري بخطّ الحافظ الصدفي" للعلاّمة الدكتور عبد الهادي التازي رحمه الله، المنشورة في مجلة معهد المخطوطات العربية في القاهرة عام 1973م-1393هـ، المجلد التاسع عشر، ج1/21-52، "صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين، ورواياته، وأصوله" للعلامة محمد المنوني رحمه الله المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق مجلد 49 عام 1974م، ص 500-549، مدرسة الإمام البخاري في المغرب للدكتور يوسف الكتاني 1/66-68.

( [48] )  انظر فيما مضى كله كتاب: الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 64 - ص 78.

( [49] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 9.

( [50] ) الإمام اليويني للدكتور نزار ريان ص 3.

( [51] )  فتح الباري لابن حجر 1/7، ومن اللطائف ما ذكره الذهبي رحمه الله في السير (19/172) "أن نسخة الحافظ أبي ذرّ الهروي راوية الصحيح، لم يزل ميمون بن ياسين المرابط حريصًا على تملكها، حتى أقنع عيسى بن أبي ذر ببيعها، واشتراها منه بأضعاف قيمتها".

( [52] )  الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 65.

( [53] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 1.

( [54] ) قال الباحث: رحم الله أستاذ المحققين وشيخ العربية في هذا العصر محمود شاكر رحمه الله وهو يقول:" وليس كل المستشرقين ممن يصح الاعتماد عليهم في كلٍّ شيءٍ، فقد طبعوا كثيرًا من الكتب،...... وأقلّ كتاب وأردأه مما يُطبع في مصر هو خيرٌ من مثل هذه الكتب" جمهرة مقالات محمود شاكر 1/126، وانظر للفائدة العظيمة كتاب " الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم" للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، حيث أبان عن طوية القوم وخبث نيتهم، وسوء طريقتهم.

( [55] ) تهذيب الكمال 24/424.

( [56] )  الكفاية للخطيب البغدادي.

( [57] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 9-10.

( [58] )  الإمام اليونيني للدكتور نزار ريان ص 33-39.

( [59] )  تذكرة الحفاظ 4/1500 بتصرف.

( [60] )  المعجم المختص بالمحدثين ص:169.

( [61] )  قاله ابن حجر في الدرر 3/58.

( [62] )  الدرر 3/58 وانظر: طبقات الحفاظ للسيوطي (مولده:849 وفاته:911) ص:520، طبع بدار الكتب العلمية ببيروت سنة 1403 الطبعة الأولى.

( [63] )من مقدمة الطبعة السلطانية 1/7.

( [64] )  اثبت ذلك اليُونِيْنِيُّ كما في كتاب التوضيح ص:220:" قال في السماع في نهاية الصحيح في المجلس الحادي والسبعين" وقال القسطلاني الإرشاد 1/41طبعة المطبعة الكبرى الأميرية ببلاق مصر المحمية، سنة 1304 هجرية:"وعَوَّل الناس عليه في روايات الجامع؛ لمزيد اعتنائه وضبطه، ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له".

( [65] )   قال القسطلاني1/41:" هو في جزأين".

( [66] )  إرشاد الساري 1/41.

( [67] )   إرشاد الساري 1/41 طبعة المطبعة الكبرى الأميرية ببلاق مصر المحمية، سنة 1304 هجرية.

( [68] )  انظر: كلام الإمام جمال الدين بن مالك كما ورد في إرشاد الساري 1/41 طبعة المطبعة الكبرى الأميرية ببلاق مصر المحمية، سنة 1304 هجرية.

( [69] )  إرشاد الساري 1/41.

( [70] )  إرشاد الساري 1/41.

( [71] )  قال الباحث: أفاد العلاّمة عبد الهادي بن نجا الأبياري في كتابه:"نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني" ص 114 أن: "فرخة" تأنيث فرخ من الورق، وهو الصحيفة المعتادة عرفًا لا لغة، وقال العلامة المغربي محمد المنّوني رحمه الله في بحثه "صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين، ورواياته، وأصوله" المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق مجلد 49 عام 1974م، ص 532:"ومن حسن الحظ أن يكون المغرب يحتفظ –بدوره- بنسخة أخرى من هذه الفرخة، وهي ثابتة أول النسخة اليونينية التي أشير سلفًا إلى أنها محفوظة بالمكتبة الملكية تحت رقم 10802"ا.هـ.

وأخبرني صديقنا المحقق نظر الفاريابي-نزيل الرياض- أنه عثر على نسخة من هذه الفرخة في مكتبة الملك فيصل في الرياض، ويقوم بتحقيقها، وأفاد نفع الله به أن هذه المقدمة المسماة بالفرخة فاتت الدكتور زهير الناصر أن يذكرها في طبعته لصحيح البخاري التي أعاد فيها تصوير الطبعة السلطانية التي طبعت على أصول النسخة اليونينيّة، يسّر الله لصديقنا إخراجها ليعمّ النفع بها.

( [72] ) الإرشاد للقسطلاني 1/41.

( [73] )في إرشاد الساري 1/41:" فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حرر وأحكم"

( [74] )  المعجم المختص بالمحدثين ص:169.

( [75] )  إرشاد الساري 1/41 " فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال بينت فيه الصواب وضبط على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما أفتقر إلى بسط عبارة وإقامة دلالة أخرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلام مما يحتاج إليه من نظير وشاهد ليكون الإنتفاع به عامًا، والبيان تامًا إن شاء الله تعالى، وكتبه محمد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى" وفيه:" ومن ثم وضع كتابه المسمى ب" شواهد التوضيح". قال الباحث –يعني نزار-: المطبوع باسم: شواهد التوضيح والتصحيح، لمشكلات الجامع الصحيح، لابن مالك، جمال الدين محمد بن عبد الله الطائي النحوي، تحقيق وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.

( [76] ) قال في الإرشاد 1/41 :" رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصه" ثم ذكر كلام اليُونِيْنِيِّ.

( [77] ) الإرشاد 1/41.

( [78] )  هدي الساري 224.

( [79] )  الإرشاد 1/41.

( [80] )  الإرشاد 1/41 فمن رام التوثق من لفظ من ألفاظ صحيح البخاري حسب النسخة اليُونِيْنِيِّةِ، فعليه بكتابه" إرشاد الساري" القائل:" اعتمدت في كتابة متن البخاري في شرحي هذا ، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات.

( [81] )  إرشاد الساري 1/41.

قال الباحث : ويفيدنا العلامة المغربي محمد المنوني رحمه الله بنصٍّ نفيس يبين لنا مصير هذه النسخة فيقول:"ويبدو أن موقوفات هذه المدرسة –أي مدرسة أقبغا آص سابقة الذكر التي كانت تحتفظ بالأصل اليونيني- طرأ عليها تبديدٌ في فترة لاحقة، فضاع منها الأصل اليونيني بجملته، إلى أن عثر عليه العالم المغربي محمد بن محمد بن سلمان السوسي الروداني ثم المكي، المتوفى بدمشق عام 1094 هـ، ومن حوزته انتقل إلى ملكية الشيخ محمد أكرم بن محمد بن عبد الرحمن الهندي نزيل مكة المكرّمة، ثم استعاره من هذا الأخير محدّث الحجاز: عبد الله بن سالم البصري فصار يسمع منه، وكان هو عمدته في نسخته التي كتبها من الجامع الصحيح، ومن هنا ينسدل الغموض على مصير أصل الشرف اليونيني"، ثم قال رحمه الله:

" إن الفرع اليونيني الذي استمرت شهرته، هو الذي كتبه –بخطّه- إمام هذه الصناعة: عبد الله بن سالم بن محمد البصري، ثم المكي، المتوفى عام 1134هـ، وقد استغرق في كتابته وتصحيحه نحوًا من عشرين سنة، اعتمادًا على أصل الشرف اليونيني وزيادة، وبهذا كانت هذه النسخة البصرية طبقة عالية في الصحة، وصارت هي أصل الأصول للنسخ الشائعة في الآفاق"، انظر: "صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين، ورواياته، وأصوله" المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق مجلد 49 عام 1974م، ص 533-534.

( [82] )  من تقدمة العلامة أحمد شاكر على طبعة" صحيح البخاري"1/10.

( [83] )  من تقدمة العلامة أحمد شاكر على طبعة" صحيح البخاري"1 /10 راجعت كتاب تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، ولم أقف على ذكره عنده.

( [84] )   تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين 1/1/227.

( [85] )  من تقدمة العلامة أحمد شاكر على طبعة" صحيح البخاري"1 /11.

قال الباحث: وهناك نص للكتاني رحمه الله يبين كيفية وصول نسخة الشيخ عبد الله بن سالم البصري للأستانة فيقول:" رأيت في المدينة المنورة عند الحكيم المسند الشيخ طاهر سنبل، نسخة عبد الله بن سالم البصري بخطّه من الصحيح ثُمانيّة، وهي نهاية في الصحّة والمقابلة والضبط والخطّ الواضح، وأخبرني أنه أحضرها إلى الأستانة ليصحح عليها النسخة الأميرية التي طبعت هناك من الصحيح، وفرّقها السلطان عبد الحميد على المساجد والآفاق، وعليها ضبطت، ولا أدري من أين اتصلت بسلفه". انظر: فهرس الفهارس للكتاني 1/140-141.

( [86] ) الإمام اليونيني ص 40-41.

( [87] )  قال شيخنا رحمه الله:"وهي مخطوطة (الكُشميهني) وهي نسخة متميّزة بعلوّ إسنادها، فهو يرويها عن الفِربري عن البخاري، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهي نسخة معتمدة عند الحافظ ابن حجر، حيث كانت النسخة التي استعملها في شرحه فتح الباري" انظر: الصحيحان له ص 80.

( [88] )  قال شيخنا رحمه الله:" ويصلح للتمثيل لها مخطوط نسخة الكشميهني، لأنه من رواية كريمة المروزية عنه، وهي من هذه الطبقة". انظر الصحيحان له ص 80.

( [89] ) قال شيخنا رحمه الله:" وهو مخطوط نسخة (أبي الوقت) لتميزها بالكمال، ولرغبة الباحث في إيقاف الطلبة عليها، لعلّ أحدًا منهم ينهض فيحققها ومثيلاتها" انظر: الصحيحان له ص 80.

( [90] ) الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 79-80، وانظر تعليقًا نفيسًا لشيخنا رحمه الله عند هذا الموضع، فإنه مفيد.

( [91] ) الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 82-89.

( [92] )  للشيخ رحمه الله في هذا الموضع تعليق نفيس ومفيد في الحاشية فانظره غير مأمور.

( [93] ) فقه النوازل لبكر أبو زيد رحمه الله 2/111-112.

( [94] ) الصحيحان للدكتور نزار ريان 94-95.

( [95] ) انظر هذه الطبعات جميعها بالتفصيل في كتاب : الصحيحان للدكتور نزار ريان ص 95- 103.

( [96] )  يشير الباحث إلى أنه لم يحرر جميع المسائل التي اهتم بها الشيخ رحمه الله، خشية الطول، واكتفى بما يذكره فيما بعد، ولعله يكون كافيًا للقارئ في الدلالة على الجهود الجبارة لشيخنا رحمه الله حول صحيح الإمام البخاري.

( [97] ) الصحيحان أسانيدهما ونسخهما ومخطوطاتهما وطبْعاتهما للدكتور نزار ريان ص 34، وعدّ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله مجموعة من العلماء المحقيقين الذين ذكروا اسم الصحيح بهذا الاسم، منهم الحافظ أبو نصر الكلاباذي ت 398هـ، والإمام القاضي أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي ت 541هـ، والإمام القاضي عياض اليَحصبيّ ت 544هـ، الحافظ ابن خير الإشبيلي الأندلسي ت 575 هـ، والإمام محي الدين النووي ت 676هـ، والحافظ ابن رُشيد السَّبْتي الأندلسي ت 726 هـ، والحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852هـ، والحافظ بدر الدين العيني ت 855 هـ، كما في "تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي" لعبد الفتاح أبو غدة ص9-11.

( [98] ) نقلاً عن كتاب " تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ص 12.

( [99] )من كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في كتاب " تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي" ص5، وممن ألّف في هذا الفنّ فأبدع:

الأستاذ هلال ناجي في كتابه " توثيق عنوان المخطوط وتحقيق اسم مؤلفه " ضمن: محاضرات في تحقيق النُّصوص، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1994م: ص 6-36 ، وهو في الأصل محاضرات ألقيت بجامعة المستنصرية سنة 1992 م ، ثم نشرت بمجلة المورد العراقية سنة 1993 م .

المحقق الفاضل الدكتور رمضان عبد التواب في مقاله النفيس"من تجربتي في تحقيق نسبة الكتاب وتوثيق عنوانه"، المنشور في مجلة معهد المخطوطات العربية، مجلد 34، جمادي الآخرة 1410 هـ = يناير 1990 م : ص 7-24 .

الشريف حاتم العوني في كتابه "العنوان الصَّحيح للكتاب: تعريفه وأهميته، وسائل معرفته وإحكامه، أمثلة للأخطاء فيه" المنشور في دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، عام 1419 هـ، وهو أوسعها وأفضلها، وكم كان الشيخ نزار رحمه الله سعيدًا جدًا بصدور هذ الكتاب، ودعى طلبة العلم لقراءته، بل والنّسْج على نَوْله.  

( [100] ) العنوان الصحيح للكتاب للشريف حاتم بن عارف العوني ص 50.

( [101] ) العنوان الصحيح للكتاب للشريف حاتم بن عارف العوني ص 50-52.

( [102] ) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص 56-57.

( [103] )  الحديث النبوي الشريف، دروس في الفقه وفقه الدعوة والسياسة الشرعية للدكتور نزار ريان ص 6-7، وللشيخ رحمه الله تفصيل موسعٌ ماتع في كتابه " إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم" 1/92-93، فانظره فإنه مفيد.

( [104] )  المستدرك على الصحيحين للحاكم 1/82.

( [105] )  علل الترمذي الكبير 1/423.

( [106] )  التمييز للإمام مسلم ص: 48 وانظر كتاب صديقي الأستاذ الدكتور الشريف حاتم في كتابه إجماع المحدثين ص:71.

( [107] ) علل الترمذي الكبير 2/39.

( [108] ) إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 6/2536-2538.

( [109] )انْظُرْ: تَدْرِيبَ الرَّاوِي1/128.

( [110] )  إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 1/276-277.

( [111] ) انْظُرْ: تَدْرِيبَ الرَّاوِي1/130.

( [112] ) شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِي لِلنَّوَوِيِّ ص:14.

( [113] ) انْظُرْ التَّدْرِيبَ1/132.

( [114] )  انْظُرْ التَّدْرِيبَ1/132.

( [115] )  إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 1/276-277.

( [116] ) مقدمة صحيح مسلم 1/28.

( [117] )  إكمال المعلم 1/164.

( [118] ) صيانة صحيح مسلم ص:131.

( [119] )  مقدمة ابن الصلاح ص:66.

( [120] )  الاقتراح 7.

( [121] )  سير أعلام النبلاء 12/573.

( [122] ) شرح علل الترمذي 1/147.

( [123] )  الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث 1/7.

( [124] )  التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل 1/87.

( [125] )  سير أعلام النبلاء 12/573.

( [126] ) في تتماته على الموقظة للذهبي ص:134-140.

( [127] ) إمداد المنعم شرح صحيح الإمام مسلم 6/2532-2536.

( [128] ) قال ابن الصلاح رحمه الله في كتابه "معرفة أنواع علم الحديث ص 571":" وهذا فنٌّ مطلوب، لم يزل أهل العلم بالحديث يُعنون به ويتحفظونه، ويتطارحونه فيما بينهم، وينتقصون من جهله".

( [129] ) منهم الخطيب البغدادي، وابن ماكولا في الإكمال 4/405، والإمام النووي –كما في السير 20/520، وابن حجر في فتح الباري 1/71، وتقريب التهذيب أيضًا ترجمة رقم 5945.

( [130] ) منهم الحافظ المنذري، وابن قُرْقُول صاحب المطالع –كما في السير للذهبي 20/520-.

( [131] ) وممن ألف في هذا الباب:

1. الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري ت 656هـ، واسم رسالته:"الإعلام بأخبار شيخ البخاري محمد بن سلاًم"، انظر مقدمة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله لكتاب"جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل" ص 34.

2. الحافظ محمد بن عبد الله بن محمد الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي ت 842 هـ، توجد منه نسخة في مكتبة الحرم المكي ضمن مجموع يحمل رقم(3862/17 تراجم) وتقع في 5 ورقات، من ص 296-305، وهي بخط الحافظ ابن فهد المكي الهاشمي ومنسوخة في حياة المؤلف عام 836هـ، كما في الفهرس المختصر لمخطوطات مكتبة الحرم المكي الشريف 3/1112 رقم 4005، وانظر الأعلام للزركلي 7/115.

( [132] ) فتح الباري لابن رجب الحنبلي 2/288.

أعلى الصفحة

حُبُ الحديث
الإسم: طالب الدعوة التاريخ: 08/01/2010 03:46:48 ص
الدولة: Palestinian Territory, Occupied المهنة: طالب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبعد: اللهم ارحم العالم د. نزار ريان واحشره مع النبي والصحابةعليه افضل السلام واتم التسليم في الفردوس الاعلى . ان الحديث النبوي الشريف من افضل العلوم الاسلامية التي يبدع فيها الداعي واذا كان الداعي ذو علم وذكاء فانه سيغير ويضيف على الدعوة مثال الدكتور رحمه الله صحيح البخاري " اراد الدكتور ان يضيف عليه لانه من اول الكتب في العالم الاسلامي والعربي موجود وهو من اهم الكتب للدعاة . نسال الله ان يكون هذا العلم الذي اضافي الدكتور في ميزان حسناته (( علم ينتفع به))والسلام عليكم
تموت والعالم بأسره في حاجة إليك
الإسم: محمد النحراوى التاريخ: 08/01/2010 07:29:24 م
الدولة: المهنة: مهنة أخرى
رحمك الله فما عرفتك إلا بعد موتك وتقفيت أثرك فما وجدت إلا رجلا تمثل الإسلام منهجا وعمل به موقنا فلقي ربه شهيدا مستبشرا فجزاك الله عنا خيرا وأشهد الله أني أحبك فيه وأرجو أن يجمعي بك في مستقر رحمته آمين
1 2 2