بحث في الموقع
   


 
حول قصتين جديدتين للأطفال
طباعة إرسال لصديق
حول قصتين جديدتين للأطفال
تاريخ النشر: 15/11/2007 - 12:33 م

"رحلة عودة" و"المعروف"
 
بقلم: علي الخليلي
من النادر أن يلتفت النقاد، ناهيك عن القراء بشكل عام، لقصص الأطفال. وتتحول هذه الندرة إلى غياب تام، حين يكون مؤلفو هذه القصص أدباء جددا غير معروفين. وقد سنحت لي الفرصة قبل بضعة أيام، بقراءة قصتين من هذا الإبداع الأدبي الجميل لهذا الجيل الجديد من الأدباء. ولأن من عادتي ألاّ أولي اهتماما مركزيا وجاهزا سلفا لأسماء المؤلفين، فقد حمتني هذه العادة (التي أحسب أنها حميدة)، من عادة (أحسب أنها سيئة) تتوقف عند الأسماء المعروفة والمشهورة، ليكون لها معها وحدها حظ القراءة. وبهذه الحماية التي تتأسس على رغبة الاكتشاف والتجريب، قرأت القصتين المعنيتين بهدوء وتمعن، دون أن أخشى سطوة الشهرة والمعرفة المسبقة.

القصة الأولى بعنوان “رحلة عودة” للكاتبة دانا أبو السعود. والثانية “المعروف” للكاتب إبراهيم مصطفى شيخ العيد، وقد صدرتا مؤخرا عن مركز أوغاريت الثقافي في رام الله، بطباعة أنيقة وورق مصقول، مع رسوم جميلة لديمة أبو محسن وإنصاف الحاج ياسين.

تتحدث “رحلة عودة” عن قطرة ماء تحاول أن تعود إلى وطنها البحر، بعد أن وجدت نفسها منتزعة منه، ومحاصرة في وعاء كبير داخل أحد المنازل. ومع أنها تستنجد بكل ما حولها من أشياء لمساعدتها على التخلص من هذا الوعاء، والوصول إلى البحر، غير أن محاولتها لا تنجح أخيرا إلا بذكائها وقدرتها هي ذاتها، على التدبر الحكيم، حتى حققت رغبتها الشديدة بالعودة إلى وطنها الأصلي.

أحسست أن مؤلفة هذه القصة دانا أبو السعود تريد أن تقول لأطفال اللاجئين الفلسطينيين على وجه الخصوص (وربما وهو الأصح والأكثر شمولا، للأطفال في كل مكان)، إن كل إنسان لا بد من أن يعود إلى وطنه، مهما طالت غربته وبعُد منفاه عنه. وإن الغربة ولو كانت أحيانا زاهية ومريحة، والمنفى ولو كان في جنات عدن، فإن الوطن هو الأجمل والأهم والقادر في كل حين، على أن يعطي أهله الثابتين فيه والمتمسكين به، هويتهم وراحتهم وكرامتهم، إلى جانب حريتهم في التواصل الحضاري مع بقية الأمكنة والأوطان، دون قيود أو عراقيل.

هل هو إحساس القارئ الكبير في هذا الشأن العميق؟ فماذا إن توقفت القراءة عند هذا الحد، عن إحساس القارئ الطفل، والقصة أساسا موجهة له؟ أحسب أن مخيلة الطفل مستعدة للدخول في الظلال الشفافة لمعاني هذه القصة بخاصة، والأطفال عامة يعشقون اللعب بالماء. واللعب على أية حال، جزء من بناء ثقافتهم، وبواكير ملكاتهم في التفكير. كما أحسب في الوقت نفسه أن للأهل (الأم أو الأب مثلا) دورا في مشاركة الطفل بالقراءة ومساعدته في بعض التفسير والشرح وتحفيز مخيلته على الاستيعاب والتمتع بالنص وبالصورة معا، في سياق من الواقع، تربوي مفرح وخلاق.

في القصة الثانية “المعروف”، نخرج من ظلال التخيّل التجريدي إلى ما يشبه الواقع التلقائي في السرد والفهم. غير أنه شبه لا يصادر عمق القصة، وإنما هو على العكس تماما، حيث يزيد من هذا العمق، دون إثقال على الطفل القارئ، ودون حاجة هذا الطفل أيضا لمساعدة أهله له في القراءة المعنية.

تسرد القصة حال نحلة ضعيفة تعيش في خلية لا يعيرها أحد من أفرادها أي اهتمام، حتى تمكنت - هذه الضعيفة بالذات- بما فعلته من خير “معروف” مع الآخرين، أن تحقق ما لم يستطع تحقيقه الأقوياء.

تذكّرتُ في تداعيات هذا المعنى، ما هو راسخ أصلا في ثقافتنا الوجدانية التراثية، عن معاني “المعروف” الذي هو “فعل الخير” ومردود هذا الفعل في الحياة. ألم يقل الشاعر “الحطيئة” قبل مئات السنين “من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، لا يذهب العرف بين الله والناس”؟

ولكن الإحساس الذي أضاء مسالك فهمي بعد قراءتي لهذه القصة، أن مؤلفها إبراهيم مصطفى شيخ العيد، أراد أن يقول لأطفال فلسطين، ولأطفال العالم أجمع، إن الضعفاء قادرون بحسن تصرفهم وصبرهم وذكائهم، على صنع ما يعجز عنه الأقوياء. أي أنهم - هؤلاء الضعفاء - قادرون على النصر في نهاية المطاف، طالما وقفوا حتى بمستوى ضعفهم، مع من يحتاج إلى وقفتهم الخيرة معه. كأنما هذه القصة، ضمن إحساسي بها على الأقل، تتحدث عن حال شعب فلسطين الأعزل والأضعف من سواه، في مواجهة الاحتلال “الإسرائيلي” الأقوى، حيث لا يتوانى هذا الشعب عن صنع “المعروف” الذي لا بد من أن يجد مردوده في مرحلة قادمة، بخيرٍ يعود عليه.

لا يحتاج القارئ الطفل إلى مكابدة مثل هذا الإحساس. يكفي أن حاجته الفكرية الإبداعية محققة في القصة على الفور، في معنى التغلب على الضعف، وفي فعل الخير وأهميته التربوية في العلاقة مع الآخرين.
 
الخليج الثقافي

أعلى الصفحة