نهى شريف غناممواليد 1984 _ الكويت، السالمية
رنات الهاتف تتسارع لتقطع جو السكون الذي أشاعه صوت الأستاذ في المحاضرة...
النغمة نفسها التي اضطرتها إلى إقفال الهاتف ليلة البارحة، وفي الصباح، وبعد المحاضرة الأولى، والآن...
امتطاط الدقائق عند الحديث عن الدروس يثير شهية الاضمحلال لديها، فتغدو متقوقعة على الكرسي القديمة، التي احتجزتها في المكان ذاته، منذ بداية الفصل الدراسي الأخير في الجامعة.
الجو اليوم "مُحيْر" كما الذي سبقه، وعادة ما تتقشف السنة بحرارتها وبرودتها في هذا الموسم، ومن يدفع الضريبة هي التي تجلس على الكرسي نفسها منذ بداية الفصل الأخير في الجامعة، فتتلوى من وجع في حلقها، ثم تجري قشعريرة الجفاف في قصباتها الهوائية، وتنفث في أنفها ريح الزكام، فتعاني..
ثم، تحاول أن ترقد، وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة، تجتاح صوتها موجة كتمان، فتفقد القدرة على الحديث مدة ثلاثة أيام.. لا ترد على الهاتف الذي أيقظ فيها سطوع الشمس وخفوت القمر وصراخ الرعد وعويل البرق، وتصبح خبيرة درجة أولى بحالة الطقس.
***
ألفين وواحد.. ألفين وثلاثة.. وأربعة.. وتهجم الشمس جهراً على السماء فتمحو الملامح العقائدية لليلة على ضوء القمر، ولذة عد النجوم فيها..
سميت الليلة بذلك لأنه لم ينم فيها؛ فلا يستطيع مرتادو لحظاتها أن يطرقوا باب النعاس، وهي جميلة جدا حين تترنح بدلال في سماء النقب، متبخترة بصفاء ما فوق الخيمة، ومتعالية على سبب الوجود المقيت في مكان جعلته الأمم المتحدة من نصيب الدولة غير الشرعية التي أصبحت شرعية لأن "الداية" التي ولَّدت جارتها "بنت حلال"، ولأنها وُلدتْ وحدها واقفة على قدميها، لم تجد إلا أن تتكنّى بداية جارتها...
سُجلت في شهادة الاحتلال "قانونية"، وبقي الأمر مُتَداول في حانات اللاوعي العربي، إلى أن يحين موعد الغروب، وتنطفئ الكهرباء، فيتحدث العرب عن عدم شرعيتها بلغة الإشارة..
هو حاليا موجود فيها؟! ويعترف بها بكل ما أوتي من سخرية ساقته إلى قدر ملعون، فموعده مع الثورة التي اعتادت أن ترمي همومها على بعض الأشداء، فتنكسر ظهورهم، ويلجؤون إلى ... إلى تيار معاكس ليحميهم، فيُرجعون للثورة همومها ولا تندم أبدا.
***
انتهى الدوام، وتراقصت النغمة الخاصة من جديد، ولا حياة لمن ينادي، يخنقه "برستيج" "الفصائل" حين تتهادى عجرفة أبنائها نحو الجالسين في الخيمة بنعومة، فيظن إن الموجودين غير الذين انخرطوا في الثورة؟!
وهو.. يغدق عليها رنّاته، بحثا عن الوجه الآخر للحرية الحمراء، التي يتغنى بها برفقة الشعراء في الخارج...
تهديد اضطر أن يفرض نفسه على الأجواء حين أراد أن يكلمها في المرة الأولى؟! فأقسم باسم "التنظيم" الذي رضع من صدره، أن يحاسبها على كل عمل شرير قامت به منذ أن وقعت في دائرة المراقبة؟!
وحين تدرك أن المتحدث مدعوم تقول له: "بلط البحر يا ......"
فتستثير فيه حقا الرغبة في تبليطها، وينجح.. ليصبح حبيبها الذي حلمت به من قبل ما يقارب الخمس سنوات...
وأدى عمق التجربة إلى حمل غير شرعي لرنات الجوال .
***
تسرع نحو المطبخ ، تخرج نصف كيلو من الأرز، وتنقعه في الماء مستعجلة، بينما يتخطى هو مرحلة قتل الوقت وينقع الأرز أيضا..
نصف ساعة مرت الآن، استطاعت فيها أن تغير ملابسها، وتصلي، ثم تعود إلى المطبخ..
كل شيء جاهز الآن عنده، ولا يحتاج إلا لبعض البهار، يرش مكونات الطعام به..
فكرا ببعضهما حين نضج الأرز..
اشتاق أحدهما إلى الآخر، وماء "الشوربة" يغلي..
أطبقا على جهاز الاتصال بشدة، وهما يأكلان...
ـ الآن سأتصل
ـ لا بد أنه سيرن الآن
ترن ترن ترن ترن ترن ترن
ـ وأخيرا تكلمتِ؟ لماذا لم تردي على اتصالاتي منذ يومين؟
ـ عفوا أنا لست..... أنا صديقتها في السكن الجامعي
ـ وأين هي؟
ـ لقد اختفى صوتها كلياً، وتقول بأنها سترد حين يعود.
صام عن الحديث هو الآخر، لن يتطرق إلى تضييع ثانية بعيدا عن ملكوت الحديث معها، وبدا له صوتها كسراب في الصحراء يجري للإمساك به دون جدوى..
صام وصلى وصبر وتضرع داعيا.
***
وتعود رنات الهاتف، تتسارع لتقطع جو السكون الذي أشاعه صوت الأستاذ في المحاضرة...
النغمة نفسها التي اضطرتها إلى إقفال الهاتف ليلة البارحة، وفي الصباح، وبعد المحاضرة الأولى، و... وهي نفسها التي جعلت الأستاذ يطردها من المحاضرة، فأسرعت قدماها تعانقان بلاط الأرض، تركضان نحو اهدأ نقطة، وطبعا أكثر نقطة تعمل فيها الشبكة، تسمع:
ـ "شو، ما رجع الصوت؟"
فتقول:
ـ "اشتَقت لَك كثيرا"
ويعودان للعزف على الأوتار ذاتها؟!
لا يملان..... ولا مرة أحسا أنهما يعيدان الحديث عن المشاعر نفسها والأشخاص عينهم، ما يزالان يتمتعان بروح مقاومة ...
تسأله:
ـ "كيف المعنويات؟"
يجيب:
ـ "عالية"
تكمل: "إن شاء الله على طول، راح الكثير وبقي القليل"
ويختمان:
ـ "ديري بالك على حالك"
ـ وأنت كمان".
ــــــــــــــــــــــ * من القصص المنوّه بها في مسابقة القصص الشبابية القصيرة التي أطلقتها مؤسسة فلسطين للثقافة، احتلت المرتبة الثامنة حسب تسلسل الدرجات.
|