جديد الموقع
ملفات خاصة

حرب حزيران 1967 والمسرح السوري

5-7-2011 2:32 AM

 

انصب اهتمام الأدب بعد الخامس من حزيران على موضوع النكسة حاول تحليلها ومعرفة أسبابها، ونتائجها، وأثرها في المجتمع، ولما كان المسرح- أكثر من أي فن آخر- فناً اجتماعياً له حضوره البشري فقد عاش مرحلة النكسة، حاول تقصيها وأطلق صيحات الاحتجاج على الواقع المدان، ومع ظهور بوادر الوعي والالتزام رُفع شعار إعادة النظر في رسالة الأديب العربي) وفي رسالة المسرح بكافة مجالاته وأساليبه، من ناحية التأليف المسرحي، والعمل الفني، ومن ثم النقد المسرحي.

آ- التأليف المسرحي:

لقد كان الخامس من حزيران بمنزلة الشرارة التي فجرت القدرة الكامنة عند الكاتب العربي عامةً والكاتب المسرحي خاصةً، فتوجه للاتصال مع الجمهور بطريقة مباشرة وحاول أن يلتفت إلى الواقع، وينطلق منه، ويعبّر عنه؛ فاتجه إلى تصوير الخلفيات التي أدت إلى النكسة لمواجهتها وتجاوزها، ونهج في ذلك أساليب متعددة.

1- ردة الفعل العفوية والتلقائية:

ويمكن أن نلمسها من خلال ما قدمته مسرحية "السيل") 1968 لمؤلفها علي كنعان الذي حاول عن طريق الرمز أن يرسم طريق الخلاص، فالسيل يرمز إلى الغزو الصهيوني الذي اجتاح البلاد عام 1948) ثم عام 1956) ولما لم يحسب الشعب له حساباً، ولم يحتط الاحتياطات اللازمة، اجتاح المنطقة عام 1967) وهدّم وخرّب، وقد جعل المؤلف الحل في التغلب على هذا السيل عن طريق بناء سد منيع يقي العواقب، ويأمن الشعب نفسه وأرضه، من الطوفان.

- إن المسرحية لم تهدف إلى الكشف عن أسباب الهزيمة بقدر ما كانت تحاول رسم طريق الخلاص، فهي تمثل الرفض التام والردة الانفعالية للنكسة، وكيفية نفض الغبار عن كاهل العرب، وذلك عن طريق تسخير كل القدرات المتاحة لتجاوز مرحلة النكسة والردّ عليها، والتصدي لها ومجابهتها بنصر حقيقي مؤكد.

2- تصوير الواقع السياسي والاجتماعي:

لجأ الكاتب المسرحي إلى تصوير الواقع العربي بماعليه من تناقضات سياسية واجتماعية، وحاول الكشف عن الأصيل والمزيف في هذا الواقع بعد خلخلته وتفكيكه، فكانت مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران)) 1970 لمؤلفها سعد الله ونوس، ومسرحية الدراويش يبحثون عن الحقيقة)) 1970 لمؤلفها مصطفى الحلاج.

- لقد غاص سعد الله ونوس في الواقع العربي، وحاول أن يضع يده على عوامل الهزيمة، بيّن أسبابها وربط السبب بالنتيجة، وذلك عندما رصد الواقع العربي بمختلف جوانبه، فأظهر التمزق والتشتت وأتيح له أن ينقل الوضع العربي في اللحظة التاريخية التي تلت الهزيمة جملةً إلى مسرحيته التي لم تكن في نهاية الأمر إلا صورة هذا الوضع العام بمختلف جوانبه السياسية والتاريخية والاجتماعية والفكرية)) فالخسارة والنكسة لم تكن مصادفة، وإنما كانت نتيجة طبيعية للواقع العربي، لقد وضع ونوس مرآة أمام الشعب العربي والأنظمة العربية، لترى الحقيقة، فتواجهها وتجابهها.

- أما مسرحية "الدراويش يبحثون عن الحقيقة" فقد بحثت الواقع العربي من خلال مشكلة "الحرية والالتزام" فالحقيقة التي يبحث عنها الدروايش هي حقيقة واقعية واجتماعية وإنسانية.

- لقد أدرك الحلاج أن الواقع ما دام قائماً، فلابد من التصدي له، ذلك أن العدو لا يفرق بين عربي وعربي، وانطلق من الواقع المحلي ليعبر بشمولية أكبر تعمّ الوطن العربي بأثره، لذا فقد كانت رؤيته بالغة النضج على المستويين الفكري والفني لأزمة الإنسان العربي في التاريخ المعاصر لا في ضوء الهزيمة وحدها وإنما في ضوء المؤامرة الكبرى على الوطن العربي، تلك التي تؤلف الهزيمة إحدى حلقاتها)).

3- اللجوء إلى التراث:

لقد ارتبط وعي التراث بمرحلة الهزيمة، فكان بمنزلة العودة الثقافية التي عكست قلق الإنسان العربي وتصدعه، فراح الكاتب المسرحي يبحث عن الهوية المفقودة، وقد وجد ضالته في استلهام التراث، والاستعانة بما يحمله من حوادث وشخصيات تاريخية، ويوظفها بشكل يفسر الظاهرة ويدعو إلى التغيير، ومحاولة تجاوز النكسة، وقد تعددت المسرحيات التي قدمت تفسيراً للنكسة عن طريق استلهام التاريخ وتنوعت؛ إذ اختارت أحداثاً معينة وأسقطت عليها الأحداث الراهنة، فوجهت بعض الانتقادات إلى السلطة العربية والشعب المحكوم.

- لقد حاولت بعض هذه المسرحيات تفسير الظاهرة عن طريق الحادثة التاريخية، وجعلت الشعب هو المسؤول الأول، لأنه لم يتحمل مسؤولية الواقع، فمن قبيل ذلك مسرحية "رأس المملوك جابر") 1971 لمؤلفها سعد الله ونوس الذي حاول أن يقدم تفسيراً لنكسة حزيران، من خلال تفسير حدث ماضٍ، وهو سقوط بغداد، وقد أرجع الكاتب هزيمة بغداد إلى تقصير الشعب في تحمل المسؤولية، لذا فقد أكدت المسرحية ضرورة اهتمام الشعب بالواقع، والعمل على تفهمه، ودعا إلى المشاركة في تغييره، وتحمل مسؤولية ما يستجد فيه من متغيرات، وضرورة الاهتمام بالقضايا السياسية وعدم المبالاة بها بحجة الخوف والاكتفاء الذاتي بتأمين حاجات الحياة الضرورية)، لأن الشرخ الذي يحدث بين السلطة والشعب بسبب ابتعاد الشعب عن السلطة ومراقبتها، يجعل السلطة تتصرف واضعة نصب عينيها مصلحتها الشخصية لامصلحة الشعب والأمة.

- وقد وجهت مسرحيات أخرى بعض الانتقادات إلى السلطة الحاكمة، وأوضحت دورها في النكسة، إلا أن لوم السلطة لا يعني تبرئة الشعب كليةً في تخليه عن مسؤولياته، ويمكن أن نتمثل ذلك من خلال مسرحية محاكمة الرجل الذي لم يحارب)) 1972 لمؤلفها ممدوح عدوان ومسرحية المهرج)) 1973 لمؤلفها محمد الماغوط ومسرحية كيف تركت السيف)) لمؤلفها ممدوح عدوان أيضاً.

- لقد استمدت مسرحية محاكمة الرجل الذي لم يحارب) أحداثها من التاريخ العربي وتحديداً من جو سقوط بغداد، لتعبر عن الحاضر، ففسرت النكسة بواسطته؛ إذ صورت الشعب مقصراً، وأظهرته بموقف الجبن والتردد، متخلياً عن مسؤوليته، وعن المسؤولية العامة، وأرجع السبب في ذلك إلى طغيان السلطة الحاكمة.

- أما مسرحية المهرج)، فقد صورت حالة التمزق والتخلف التي مُني بها الوطن العربي، فما كان من عبد الرحمن الداخل) إلا أن امتشق سيفه لإعادة الكرامة للوطن بعد أن علم بحاله، وما وصل إليه من أوصال متقطعة، إلا أنه أوقف على الحدود العربية، وأسر بوصفه مجرماً كان قد غزا أرض اسبانيا، وتم التفاوض عليه مع ممثل حكومة اسبانيا) وسلم للحاكم الاسباني مقابل عدة أطنان من مواد غذائية ثمناً لم.

- قدمت المسرحية انتقاداً للواقع، بل للشعب الذي يتسكع على أرصفة المقاهي يجذبه الفن الرخيص ويفتقد الوعي السياسي)، ومثلت إحدى المسرحيات التي اهتمت بالحاكم، ودوره الانهزامي في قيادة الشعب بعد نكسة حزيران، لقد ركز الماغوط على الشخصية التراثية الثائرة، وهذه تعدّ ظاهرة من ردات الفعل الطبيعية لما خلفته الهزيمة من آثار في الوجدان العربي، فكان التراث مطيةً لطرح فكرة الصراع الاجتماعي والعدل والتحرر.

- ولعل هذا ما لمسناه واضحاً في مسرحية كيف تركت السيف) لمؤلفها ممدوح عدوان؛ إذ طالب الكاتب بالعمل الثوري والممارسة الحقيقية، والابتعاد عن التنظير، ودعا دعوة صريحة إلى حمل السيف لأن الزمن زمن الفعل، لا زمن الكلمة، لذا فقد استلهم شخصية أبو ذرٍ الغفاري) وحاول تثويرها على المستوى النظري لأن أبا ذرٍ حارب الاستغلال والاحتكار بلسانه في عهد "عثمان بن عفان" إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى نتيجة لهذا فإن السؤال ظل يطارده في المسرحية "أين تركت السيف").

4- الاتجاه نحو المسرح السياسي:

- لقد كان المسرح الاجتماعي هو السائد قبل الخامس من حزيران، إلا أنه بعد النكسة أخذ يضمحل ليحل محله المسرح السياسي، نتيجة رد فعل مباشر وحاسم على النكسة.

- إلا أننا لا نستطيع أن نقول: إن المسرح السياسي هو ابن الخامس من حزيران لأن المسرح العربي كان سياسياً منذ نشأته الأولى إلا أنه اتسع وانتشر بعد النكسة، فنقطة التحول كانت بسبب الحرب الحزيرانية، والإحساس بوطأة التجزئة وكثرة الضغوط على الوطن العربي.

وربما تكون نقمة الكاتب إثر النكسة على الواقع العربي لها الأثر الأكبر في هذا التحول؛ إذ وقف المسرح مجابهاً للسلطة وألقى اللوم عليها، وأدان عدم اكتراث الشعب بتسيير أموره وإحجامه عن تقرير مصيره، وقيادة دفة الحكم.

ففي مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران) لمؤلفها سعد الله ونوس التي عدّها بعض الدارسين البداية الواعية لمسرح اليسار السياسي) نجد أن الممارسة المسرحية قد امتزجت بالممارسة السياسية، فالمسرح عند ونوس أصبح تجمعاً سياسياً تطرح فيه القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية لمناقشتها.

- إلا أن ما يؤخذ على المسرح السياسي إجمالاً في ذلك الوقت أنه:

آ- لم يقدم رؤية متكاملة لهزيمة حزيران والواقع العربي.

ب- ظل عاجزاً عن إيجاد مفهوم جديد للمسرح يتجاوز المفهوم السائد.

ج- افتقر إلى النضج السياسي والفكري عندما تصدى لأزمة لها جذورها في التاريخ العربي المعاصر، ولها جذورها في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي).

ب- العمل الفني:

- إذا كان الكاتب المسرحي بعد حزيران، عاد إلى التراث واستلهم منه الحوادث والشخصيات يقيناً منه أن التراث هو الأرث الذي يحمل معنى البطولة والأمجاد لترميم الواقع المهزوم، وللبحث عن الهوية العربية، فطبيعي- وللأسباب نفسها- أن يبحث الفن المسرحي عن صيغ جديدة تبعده ولو بشكل جزئي عن التقليد والتبعية.

- ولمّا كان المسرح لقاءً جماهيرياً، يسعى إلى التأثير بشكل أو بآخر، فقد لجأ بعض المسرحيين إلى استخدام صيغ مسرحية جديدة، حاولوا توظيفها بشكل يؤدي إلى تغيير طبيعة المسرح وتبديل وظيفته، لذا فقد خرجوا عن أصول الدراما وذلك عن طريق خرق الجدار الرابع، ونفي الإيهام المسرحي ليتمّ التواصل بين الخشبة والصالة، خصوصاً بعد ما لمسوا وجود غربة قائمة بين الممثل والمتفرج، وأيقنوا أن أهم أسبابها هو شعور الجمهور بابتعاد الفن المسرحي عنه، لأنه لا يمثل واقعه، ولا ينتمي إلى بيئته.

- وقد كان خروج الفن المسرحي في بعض جوانبه عن أصول الدراما الأرسطية ضرورة لابد منها بسبب تغيير مهمة المسرح بعد النكسة؛ إذ انتقل من الدور التنفيسي إلى الدور التحريضي خصوصاً أن قاعدة الجمهور قد اتسعت، وأصبح مركز استقبال جميع الفئات والطبقات، وربما قد تأثر المسرح بما فرضته البرجوازية الصغيرة المثقفة من شكل مسرحي جديدة، لتحقق حلمها، وتصل إلى هدفها عن طريق الجدل والمماحكة).

- وقد يعود السبب في خروج المسرح في فترة ما بعد النكسة من أصول الدراما إلى تقليد المسرح الغربي، ذلك أن المسرح الغربي راح يحطم أصول الدراما منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلا أن رياح التغيير لم تصل إلى مسارحنا إلا في الستينات من هذا القرن عندما أخذ المسرح يبحث عن صيغ جديدة تتلائم مع التغيرات الحاصلة ليقوم بعمله كعضو فعّال في تغيير المجتمع.

- ويمكن أن نعدّ مسرحية حفلة سمر من أجل 5 حزيران) لمؤلفها سعد الله ونوس خير أنموذج لما قدمنا؛ إذ أصبح المسرح في هذا العمل المسرحي سياسياً وبلا أبطال متميزين، وبلا خشبة، وغدا تجمعاً سياسياً تطرح فيه القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية وتناقش.

- ولم يكتفِ المسرحيون بالخروج عن أصول الدراما، بل أخذوا يستلهمون الصيغ الشعبية في بعض الأعمال المسرحية، ذلك أن البحث عن صيغة جديدة لمسرح عربي قد شكّل الركيزة الأساس في البحث عن الهوية العربية لمسرح عربي جديد يعي دوره في بيئته وواقعه، لذا فقد لجأ بعض الكتاب المسرحيين إلى التراث العربي واستعانوا بالعناصر المسرحية فيه، فالتراث هو منبع ثقافة الأمة، والمأثور الذي يحمل مكونات الحضارة والفكر.

- وقد يكون في طرح مهمة جديدة للمسرح أو في تغيير طبيعة الجمهور المسرحي سبب مباشر في الاتجاه إلى التراث واستلهامه وهذا ما عبّر عنه سعد الله ونوس عندما قال: إننا نريد مسرحاً للجماهير، أي للطبقات الكادحة من الشعب.. إننا نرفض القوالب الجاهزة لأن المهم ليست هي القوالب.. إننا نصنع مسرحاً لأننا نريد تغييراً.. وتطوير عقلية، وتعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعاً)).

- وحاول ونوس أن يطبق أفكاره تلك، فلجأ إلى التراث، واستلهم جو المقهى الشعبي في مسرحية "مغامرة رأس الملوك جابر" واعتمد فيها على شخصية الراوي الذي يكمل ذلك المكان الشعبي الذي اختاره، وبنيت المسرحية بناء تركيبياً، إذ تألفت من قسمين ودارت حوادثها في مكانين وفي زمانين، واعتمدت أسلوب المسرح داخل المسرح.

- لقد صورت المسرحية الحكواتي، وهو يقرأ قصة الخلاف بين الخليفة ووزيره في مقهى شعبي، ثم يقوم ثلاثة أشخاص يرتدون الزي العباسي بتمثيل مشاهد متقطعة لما يقوله الحكواتي، وهو في الوقت ذاته، يقطع هذه المشاهد بين الحين والآخر، ليقرأ من كتابه، ويشاهد الجمهور رواد المقهى وهم يتابعون الحكاية ممثلة ومحكية، وقد يكون ونوس قد حقق بهذا الأسلوب تنبه الجمهور، وأثار وعيه، وأبعده عن الوهم وساعده في عملية الفهم ومنحه فرصة للتفكير والحكم) وقد اقترب ونوس في هذا الاتجاه من مسرح بريخت في التغريب وإثارة الوعي.

- لقد اعتمدت مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" على طبيعة الفرجة في بلادنا، ولعل الهدف الذي توخاه هو تحقيق التواصل مع الجمهور العربي، ولاسيما أن العربي مشغوف بالقصّ والحكاية الشعبية، وقد كان ونوس في عمله هذا وفي أعمال أخرى يسعى إلى تأصيل المسرح العربي، ومحاولة تحقيق التأثير في الجماهير العربية بهدف تنويرها وتغييرها.

- وقد جمع كتّاب مسرحيون آخرون بين تقنيات المسرح العالمي، وتقنيات الفرجة الشعبية الاحتفالية في بلادنا، فمن قبيل ذلك مسرحية "كيف تركت السيف" لمؤلفها ممدوح عدوان؛ إذ اعتمدت المسرحية على السيرة الشعبية والرواية، وتداخل الأزمنة، وهذا ليس مستغرباً ذلك أن تطوير أشكال البناء المسرحي لم تعتمد على التراث واستلهام أساليبه فحسب، وإنما استفادت من أشكال البناء الفني في المسرح العالمي.


راجع (حركة النقد المسرحي في سورية 1967) تأليف د.حورية محمد حمو –منشورات اتحاد الكتاب العرب عام 1998

5-7-2011 2:32 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013