جديد الموقع
ملفات خاصة

شهادات من بقية السيف (هوشة) و(الكساير)..

14-5-2011 6:40 AM

 



قرية هوشة


لم تسعفهم الملاحم والتراجيديات التي كتبت عن المعاناة الإنسانية في مختلف العصور من قراءة ما تخفي لهم السنون، عندما خرجوا من وطنهم الأصلي –الجزائر –بعد نضال مرير ضد الاحتلال الفرنسي الذي سلبهم أرضهم، لتكون فلسطين استراحة المقاتل وتعاود المأساة إعادة سطور فصولها من جديد وشبح التهجير يلاحقهم من العدو الصهيوني الذي يدعي زوراً أنه نبت من هذه الأرض، أرض فلسطين الطاهرة!!


فرضة الهوشة

هذا ملخص بسيط عن رحلة التهجير لهذه الشريحة من أبناء الشعب الفلسطيني من أصول جزائرية، بدأت من الجزائر إلى قرية (هوشة) في فلسطين لتقودهم مأساة النكبة الفلسطينية إلى محطة انتظار جديدة ينتظرون فيها قطاراً يأتي من بعيد يعود بهم إلى فلسطين.

طرقت باب الحاج علي رغيس (أبو عدنان) الكائن في شارع بولعيد في حي المغاربة بمخيم اليرموك القريب من دمشق.


فرضة الهوشة


وسألته عن هجرتهم من الجزائر إلى فلسطين، وأسماء العائلات الوافدة من الجزائر والتي سكنت فيما بعد (هوشة)؟

أجاب الحاج أبو عدنان: "إن هجرة أجدادنا هذه أتت في إطار وحدة أمتنا من شرقها على الخليج إلى غربها على المحيط، حيث كان التنقل متاحاً دون أن يوقفك حاجز تفتيش يطالبك بجواز السفر، وكوننا الآن (فلسطينيون من أصل جزائري) فهذا يطرح أمام الجميع عمق ومكانة القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية والإسلامية.


خربة الكساير - حيفا


أقام أجدادنا أولاً في قرية (كفر ناسج) في محافظة درعا في سورية لمدة شهرين، وانتقلوا بعدها إلى فلسطين بعد أن قدم لهم السلطان العثماني أراضي (هوشة) والتي كانت مملوكة للدولة العثمانية، و(الكساير) التي كانت تابعة لـ (هوشة) وهي من جملة الأراضي الممنوحة من السلطان العثماني لجدي أحمد والذي أعطاها بدوره لحسن الخضر ليستقر فيها هو وعشيرته بعد أن استولى الإنكليز على أراضيهم في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين. وأقامت في (هوشة) عائلات متشابكة في القرابة إما من خلال رابطة العمومة والخؤولة أو النسب وهي عائلات (آل رغيس، الأخضر، الصغير، السلامي، بو بكري، عبد الله التهامي، الآغا، صديق، يوسف، صلاح السعدي، بو زيد، عطية، العربي، القباطي، الدويحي، كوجيل)

وسألت الحاج أبو عدنان عن موقع قريته (هوشة) ومساحتها وعدد سكانها قبل النكبة والزراعات التي اشتهرت بها القرية فقال:

(قبل الإجابة على سؤالك لا بد لي من القول بأن كل إنسان عاش في فلسطين وشرب من مائها واستنشق الهواء الفلسطيني، مهما زار من أماكن، يجد نفسه غير قادر على إدراك وجود حياة أخرى تجري بشكل طبيعي خارج فلسطين.


بقايا بئر (خربة الكساير)


أما بالنسبة لقرية (هوشة) فهي تقع شرق حيفا وتبعد حوالي 14 كم وتبلغ مساحتها حوالي 950 دونماً ويمر (وادي الملك) في جنوبها وقد وصل عدد سكانها قبل النكبة إلى 400 نسمة، واشتهرت القرية بزراعة القمح والزيتون والبطيخ والسمسم، ومن الأراضي التابعة لهوشة (زيتون التحتاني، مرج الزهر، الترازة، رويسة النملة، رويسة الصبح، خبب النحل، ضهر شرطا، تحت الفرس، السلمون، العيادية، البدويات، وادي العجل).

أما حديثي عن النكبة أو الكارثة فسيقتصر على مشاهدتي لمعركة (هوشة) و(الكساير) وطريق اللجوء الجديد، ومن خلال هذا الحديث تستطيع أن تكوّن صورة عما حدث في القرى الفلسطينية الأخرى.


خربة الكساير


بدأت أولى شرارات المعركة في شهر نيسان 1948 والتي يمكن وصفها بالملحمة حيث اشترك فيها أهالي القرية والمجاهدون من كل القرى والمدن الفلسطينية وأذكر منهم الحاج أبو محمود الصفوري رحمه الله، وقبل المعركة بشهرين كانت (هوشة) و(الكساير) قاعدة للمجاهدين وجيش الإنقاذ.

ومع بدء المعركة في ضهر شرطا قتل 12 يهودياً وكان بينهم مجندة وأذكر أني رأيت عمي (أبو عبد الله الوحش) وملازم من جيش شكيب وهاب وهم يقنصون جندياً صهيونياً تبين فيما بعد أنه من يهود روسيا، وأخذوا بندقيته وأعطوها لأحد المجاهدين.

ومن طرفنا استشهد عشرة مجاهدين بينهم جدي الحاج أحمد رغيس مختار هوشة، وموسى عيسى، ومختار الكساير حسن الخضر رحمهم الله جميعاً.


الطريق المار بجانب أراضي الهوشة والموازي للشارع الرئيسي المتوجه إلى حيفا


وفي المعركة قصف اليهود القرية بالمدفعية وتمكنوا بعد مقاومة عنيفة من احتلالها فقد كان عندهم الكثير من العتاد والذخيرة إلى جانب التنظيم والتدريب، أما نحن فكان ينقصنا التنظيم والخبرة والسلاح حيث المقاومة لم تكن منظمة وكانت عبارة عن مجاهدين دفعهم نداء الواجب والنخوة للدفاع عن القرية، وبعد رحيل الأهالي عن هوشة والكساير بناء على طلب جيش الإنقاذ العربي (من أجل إعادة الأمور إلى نصابها) نسفت العصابات الصهيونية البيوت وحولتها إلى ركام وأبادت كل ما في طريقها.

وبالفعل رحل قسم من الأهالي إلى القرى الفلسطينية المجاورة مثل صفورية وشفا عمرو وغادر قسم إلى لبنان ونحن منهم حيث أقمنا بالعراء في بنت جبيل لمدة خمسة أشهر، وأخذنا بالتوزع فذهب قسم إلى صيدا (مخيم المية ومية) و(مخيم عين الحلوة) ومن العوائل التي استقرت في لبنان (عبد الله التهامي، فرحات، السالم)

ونحن غادرنا لبنان إلى سورية حيث أقمنا في جوار جامع القصاص الموجود في منطقة قبر عاتكة بالعاصمة دمشق حتى عام 1953 بعدها انتقلنا إلى السويقة ومكثنا فيها حتى عام 1961 لننتقل بعد ذلك للإقامة في مخيم اليرموك في تجمع لسكان هوشة والعديد من سكان القرى التي قطنها فلسطينيون من أصل جزائري مثل: ديشوم ومعذر وعولم وكفر سبت...، ويعرف هذا الحي اليوم باسم (حي المغاربة)، والشارع الرئيسي أطلق عليه اسم الشهيد الجزائري مصطفى بن بولعيد، *قلت لأبي عدنان: سمعت أنك عدت إلى فلسطين بعد النكبة 1948م، ما تفاصيل هذه العودة؟


الجهة اليمنى اطلال قرية (هوشة) ومقابلها اطلال قرية (الكساير)


** قال: "نعم في البداية كان والدي الحاج محمد يتردد إلى فلسطين حيث كان يعمل الخمسينيات من القرن الماضي في المكتب الثاني السوري (وهو مكتب عسكري يستطلع أوضاع العدو) وكان يساعد الفدائيين الفلسطينيين على التسلل إلى فلسطين للقيام بالعمليات الفدائية ضد الصهاينة وفي زيارته الأولى لفلسطين ذهب إلى (هوشة) ووجد جثة والده (جدي الحاج أحمد) الذي آثر البقاء في هوشة والموت فيها على حياة التشرد واللجوء، ولم يكن يعرف أنها جثة والده لولا أن وجد مسبحته وختم المخترة بجواره ، وقد قام بمواراة جثمانه التراب في المكان الذي عثر عليه فيه وفي كل زيارة إلى فلسطين كان والدي يحدثنا عن كيفية اجتيازه للحدود والدخول إلى فلسطين التي أصبح دخولها مثل الحلم لكل فلسطيني.

وفي أحد المرات اعتقل الصهاينة والدي في منطقة (تمرة) وسجن لمدة عام ونصف وبعد خروجه من السجن وعودته إلينا ظلت الرغبة في العودة إلى فلسطين حية كنوع من التحدي للواقع والظروف الجديدة التي فرضت.

وجدت نفسي وقد أصبح اجتياز الحدود إلى داخل فلسطين هاجساً يدفعني إلى المغامرة دون المبالاة بالمخاطر المحيطة بالرحلة ولم أكتف بتحقيق هذا الحلم لوحدي بل أقنعت ابن خالتي (سعيد أبو بكري) بذلك.

وبالفعل غادرنا في أواسط الستينيات من القرن الماضي إلى درعا بعد توديع أهلنا ومنها انتقلنا إلى الرمثا في الأردن فعمان، ثم نابلس فجنين التي لجأ إليها عمى (أبو عبد الله الوحش) وليلة وصولنا كان الجو ماطراً وبارداً وكنا حائرين في أمرنا فبحثنا عمن يقودنا إلى مكان إقامة ابن عمي، وتوجهنا إلى مقهى لنسأل رواده الذين بدت على وجوههم علامات التساؤل من أين أنتم وأين وجهتكم؟!

سألناهم عن عمي اللاجئ أبو عبد الله رغيس الملقب (بالوحش) و(المغربي) والذي تم بتر ساقه بعد أن انفجر به لغم أثناء معركة هوشة عام 1948 بالفعل عرفه الجميع وقادنا أحد الشباب إلى المحطة حيث يقيم عمي مع لاجئين آخرين في خيام، والتقينا بابن عمي (سعيد) الذي أسرع لإخبار والده بقدومنا فظهرت عليه علامات الفرح والترحيب بزيارتنا، وأقمنا عنده لمدة 45 يوماً وكان عمي يظن أننا نريد زيارته فقط ومن ثم نعاود الرجوع إلى سورية.

فأخبرناه برغبتنا بالدخول إلى فلسطين والذهاب إلى شفا عمرو وهوشة ورفض عمي (الوحش) الفكرة بداية خوفاًُ علينا من المخاطر التي ستواجهنا ثم وافق –بعد إصرارنا –على تقديم المساعدة لنا وبالفعل أرسلنا مع رجل صديق لعمي مغربي من قرية ديشوم واسمه (الطيب الميزابي) وهو مكلف بنقل رسالة من ضابط ارتباط فلسطيني يعمل مع المراقبين الدوليين لأهله في عكا.

غادرنا جنين إلى قرية زبوبة في الضفة الغربية حيث يقيم رجل يدعى أبو مطلق وكان مختصاً بتهريب اللاجئين إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ورافقنا حتى وصولنا إلى سهل مرج ابن عامر وانتقلنا مشياً على الأقدام إلى أن وصلنا مشارف شفا عمرو، حيث فارقني الحاج الطيب الميزابي، لأدخل شفا عمرو في الساعة الثالثة فجراً قاصداً بيت قريبة لي متزوجة من رجل من بيت أبو النيل واسمه (أبو غانم) وأحس بدخولي رجل عرفت أنه من بيت أبو حرب وعلى الفور أوقفني وسألني عن هويتي وغايتي مكرراً السؤال بلهجة حادة.

فقلت له أنا فلسطيني مثلك وأنا قادم لزيارة أقارب لي هنا من بيت أبو غانم أو أبو النيل، وبالفعل دلني الرجل على مترلهم وطلب مني الذهاب بسرعة خشية أن تصادفني في الطريق إحدى الدوريات الصهيونية التي تتجول ليلاً في الطرقات.

طرقت باب بيت أبو غانم فخرج ورحب بي سألته عن مترل ابن عمي عبد الله الوحش وبالفعل أخذني أبو غانم إلى مترل عبد الله ابن عمي الذي رحب بي واستسلمت للنوم لاستيقظ في الساعة الحادية عشرة ظهراً لأجد مجموعة من أهالي القرية الذين جاءوا للترحيب بقدومي والسؤال عن مصير أقارب لهم هاجروا خلال النكبة.

وبعدها طلبت منهم المساعدة للذهاب إلى هوشة لزيارتها وصدمت لما جرى للقرية التي وجدتها مدمرة كأن زلزالاً ضربها وأخبرني أقاربي أن الصهاينة نقلوا حجارة البيوت المدمرة لاستخدامها في بناء المستوطنات ثم ذهبت للكساير التي لم يكن مصيرها أحسن حالاً من مصير هوشة حتى بئر المياه ردموه، وكأن هذا العدو لا يكتفي بإحداث الدمار فقط بل يسرق ذاكرة الناس ويبني مستوطنات على أنقاضها ويتلذذ بالقضاء على مقومات حياة شعب غادر مجبراً تحت قوة القتل والإرهاب وهذا العمل يعكس سادية مفرطة لدى الصهاينة تدفعهم لتدمير وإزالة المعالم التي يمكن أن تساعد على تكوين صورة عن حياة من عاش في هذه الأرض.

وخلال إقامتي في شفا عمرو والتي امتدت لسنة ونصف زرت معظم المدن الفلسطينية واضطررت بعد ذلك للعودة إلى سوريا بعد استشهاد أخي عبد القادر أثناء قيامه ومجموعة من الفدائيين بعملية داخل فلسطين المحتلة بالقرب من صفد، ثم جاء استشهاد خالي (أبو علي الأخضر) بعده في عملية أخرى بالقرب من النقيب العربية بجوار طبرية كما أن والدي رحمه الله جاء واصطحبني إلى سوريا.

* الحديث عن استشهاد شقيق الحاج أبو عدنان وخاله دفعني إلى السؤال عن شهداء هوشة ومشاركتهم في الكفاح الفلسطيني المسلح فقال: قدمت هوشة منذ معارك النكبة على امتداد فترات كفاح شعبنا الفلسطيني العديد من الشهداء ويبلغ عددهم 35 شهيداً من أصل 400 شخص هم عدد سكان هوشة، وأذكر منهم جدي الحاج أحمد الذي فضل البقاء في هوشة والاستشهاد على ترابها ليعطي للآخرين درساً في التشبث بالوطن وترابه، وأخي عبد القادر وخالي أبو علي الأخضر وأخي أحمد الذي استشهد أثناء اندلاع الحرب الأهلية في لبنان وابني سالم وعدداً كبيراً من شباب القرية ومنهم خمسة استشهدوا معاً في (عملية الصرفند) وأبناء عمومتي في جنين في عام 2002 الذين تم أسر عدد منهم ولا زال بعضهم حتى الآن مطارداً من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني.

سألت الحاج أبو عدنان عن معنى حق العودة إلى فلسطين بالنسبة له فقال: "العودة إلى فلسطين بالنسبة لي ولأي فلسطيني لاجئ هي عودة الروح إلى الجسد وفي تصوري اننا لم نترك عام 1948 أرضنا فحسب بل تركنا قسماً كبيراً من تكويننا الروحي وهذا القسم مسؤول عن تحريك المشاعر الجميلة التي يطمح كل إنسان أن تكون حية في داخله، ولا أعني أن هذه المشاعر ميتة بل هي غالية تنتظر في سهل مرج ابن عامر وفي هوشة وشفا عمرو في حيفا ويافا وعسقلان وبيسان وصفد وفي كل فلسطين، هذه المشاعر تنتظر كل فلسطيني لاستكمال ما تعطل من الحياة جراء النكبة والهجرة من فلسطين" .    

14-5-2011 6:40 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013