جديد الموقع
ملفات خاصة

عزّ الدين القسامّ في الأدب

21-11-2007 8:05 AM

 

ذاع نبأ استشهاد عزّ الدين القسّام، وعرف الناس بوجود العصبة القسّامية المجاهدة .. عندئذ استبشر الناس خيراً، وحلّ الرجاء محلَّ القنوط، وألقى حدث الشهادة والشهداء ظلاله على الأدب، وأوحى الكتّاب والشعراء، وهيّج خواطرهم، فسجّلوا ما يمكن أن يؤرّخ به لهذا الفجر الجديد. وأثبت في هذه الفقرة مقتطفات دالة مما قيل في سنة 1935م وما بعدها حتى سنة 1995م، حيث عدّ عزّ الدين القسّام المثل الأعلى للجندي الذي نتطلع إليه:

أ- قال الشاعر فؤاد الخطيب[1] في رثاء عزّ الدين القسّام:

أولت عمامتك العمائم كلها
إنّ الزّعامة والطريق مخوفة
ما كنت أحسب قبل شخصك أنّه
يا رهط عزّ الدين حسبك نعمة
شهداء بدر والبقيع تهلّلت

شرفاً تقصر دونه التيجان
غير الزعامة والطريق أمان
في بردتيه يضمّها إنسان
في الخلد لا عنت ولا أحزان
فرحاً وهشّ مرحّباً رضوان

وقال الشاعر نديم الملّاح[2]:

ما كان ذودك عن بلادك عارا
سمّوك زوراً بالشقي[3] ولم تكن
قتلوا الفضيلة والإباء بقتلهم
أنكرت باطلهم وبغي نفوسهم
كثروا عليك بمأزق لو أنّه
فثبتّ بين رصاصهم مستبسلاً
ورأيت كأس الموت أطيب مورداَ
يا شيخ عزّ الدين رزؤك إنّه
علّمتنا كيف الذياد عن الحمى
خلصت إلى الديّان روحك حرّة
حمّلت فيهم مثل أجر مجاهد

بل كان مجداً باذخاً وفخارا
إلا بهم أشقى البريّة دارا
لك واستذلّوا قومك الأحرارا
فاسترسلوا في كيدك استكبارا
ريع الخميس[4] به لطاروا فرارا
يترون منك، وتدرك الأوتارا[5]
من عيشة ملئت أذّى وصغارا
أذكى شعور نفوسنا وأثارا[6]
إن راعه باغ عليه وجار
فحباك منه في الجنان جوارا
وتحمّلوا في ظلمك الأوزارا[7]

 وقال الشاعر صادق عرنوس[8]:

من شاء فليأخذ عن القسّام
ترك الكلام ورصفه لهواته
أو ما ترى زعماءنا قد أتخموا
تركوا العدوّ يعيث في أوطانهم
ياليت عزّ الدين يبعث بينهم
حتى يبيّن لهم سبيل قيادة
ويداوي الجرح الذي أضناهم
ما كنت أعرفه ولا أدري به
وكذلك النفس الكبيرة إن نوت

أنموذج الجنديّ في الإسلام
وبضاعة الضعفاء محض كلام
الآذان قولاً أيّما إتخام
وتشاغلوا بتراشق وترام
ويكون فيهم درسه إلزامي[9]
خرجوا بها عن واجب الأحكام
جرح الخمول بمرهم الإقدام
حتى تضوّع طيبه في الشام
عملاً أسرّته لحين تمام

الزجّال الشعبي نوح إبراهيم (1913-1938م) ارتبط بالشيخ عزّ الدين القسّام وعصبته فأطلق عليه لقب (تلميذ القسّام). وعندما استشهد القسّام، رثاه بزجلية طويلة، لحنها وغنّاها وسجّلها بصوته على أسطوانة، رددتها فلسطين كلها آنذاك، يقول فيها:

عزّ الدين يا خسارتك
مين بينكر شهامتك
عزّ الدين يا مرحوم
آه لو كنت تدوم
ضحيت بروحك ومالك
العدو لما جالك
فلسطين منين شافت
أسست عصبة للجهاد
غايتها نصر أو استشهاد
جمعت رجال من الملاح
وقلت هيّا للكفاح
جمعت نخبة رجال
لكن الغدر يا خال
لعبت الخيانه لعبه
وسال الدم للركبه
كنت تصيح الله أكبر
لكن حكم المقدر
محلى الموت والجهاد
جاوبوا رجال الأمجاد:
الجسم مات والمبدأ حيّ
معاهد الله يا خي
قرؤوا الفاتحة يا إخوان
وسجل عندك يا زمان

رحت فدا لأمتك
يا شهيد فلسطين
موتك درس للعموم
يا رئيس المجاهدين
لأجل استقلال بلادك
والعدا منك هابت
مثل غيرة عزّ الدين
حتى تحرر البلاد
وجمعت رجال غيورين
من مالك شريت اسلاح
لنصر الوطن والدين
وكنت معقد الآمال
لعب دوره بالتمكين
وقامت وقعت النكبه
وما كنت تسلم وتلين
كالأسد الغضنفر
مشيئة ربّ العالمين
ولا عيشة الاستعباد
نموت وتحيا فلسطين
والدّما ما تصير مي
نموت موتة عزّ الدين
علروح شهدا الأوطان
كلّ واحد منّا عزّ الدين

ب- وبعد مرحلة الرثاء- جاءت مرحلة القدوة والمثل، والأنموذج، فقد آمن الملخصون أنّ طريق القسّام هي الطريق الوحيدة للتحرير .. فأخذ الشعراء الأدباء يدعون الشباب إلى الاقتداء بالقسّام في جميع العقود التي تلت الاستشهاد حتى يومنا .. وهذا أمثلة مما سجله الشعر:

1- الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود: يقول من قصيدة بتاريخ 2/11/1946م:

حفي اللسان وجفّت الأقلام
إني رأيت الحقّ فصل خطابه
اصهر بنارك غلّ عنقك ينصهر
وأقم على الأشلاء صرحك إنّما
وخذ الحقوق إليك لا تستجدها
هذي طريقك للحياة فلا تزغ
ذاك الذي هجر الكلام لفتكة

والحال حال والكلام كلام
يتلوه فينا الفيصل الصمصام
وعلى الجماجم تركز الأعلام
من فوقها تبنى العلا وتقام
إن الأولى سلبوا الحقوق لئام
قد سارها من قبلك (القسّام)
بكر وهل فكّ القيود كلام

2- وقال الشاعر حسن الباش سنة 1992م، في ندوة عقدت في جبلة، مسقط رأس القسّام:

بيني وبينك أسرار وشطآن
بيني وبينك عزّ جئت مولده
حيفا التي ما روت حاراتها قصصاً
يا أمتي في ربا الإسراء ملحمة
ذاك الذي سطر التاريخ من دمه

حيفا وجبلة والقسّام إخوان
من كرمل مجده قبر وإنسان
إلا وكان له من مجدها شان
فرسانها في صدى القسّام ألحان
وصاغ منبره عقل وإيمان

وقال الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) من قصيدة:

إيه رجال العرب لا
هل تشهدون محاكم التفتيـ
قوموا اسمعوا من كلّ نا
قوموا انظروا القسّام يشـ
يوحي إلى الدنيا ومن

كنتم رجالاً في الوجود
ـش في العصر الجديد
حية يصيح دم الشهيد
ـرق نوره فوق الصرود
فيها بأسرار الخلود

ج- أما النثر الأدبي، فقد ضمّ ديوان الأدب منه خير ما يكتب في رجل، وأجتزئ منه بالكلمة التي ألقتها ميمنة بنت عزّ الدين القسّام في المؤتمر النسائي الذي عقد في القاهرة سنة 1938م ... وجاء فيها:

(هل تسمحن أن تتكلم عربية يا سيداتي، أبوها شيخ جليل، عالم من علماء الدين، له أنصار وتلاميذ، ألفّ منهم عصبة كريمة مجاهدة، ومضى بهم إلى أحراش (يعبد) وروابي (جنين)، وهنالك وقف في وجه جيش من الظالمين، وهتف بإخوانه: الله أكبر، الله أكبر، ثباتاً ثباتاً، موتوا في سبيل فلسطين، وما هي إلا ساعة، حتى كان أبي وملاذي الشيخ عزّ الدين القسّام، صريع الظّلم والعدوان، يخضب دمه عمامته البيضاء، ويسقي شجرة الاستقلال في ثرى فلسطين. وقال التاريخ: عزّ الدين أوّل شهيد في الثورة، دقّ باب الحريّة، بيده المخضّبة بالدماء، فكان في استشهاده أستاذاً في الفداء، أما طلابه ومريدوه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا!

نعم، منهم من خاض الغمرات، وغشي المعامع، واستبسل في الوقائع، وهو لا يزال في الجبال والوهاد، في المغاور والكهوف، لم يلق سلاحه، ولم يستسلم حتى تنجو فلسطين من كيد الكائدين.

أما أنا فلست أقول سوى: الحمد لله ثم الحمد لله الذي شرفني باستشهاد أبي، وأعزّني بموته، ولم يذلّني بهوان وطني واستسلام أمتي ...)

 
ـــــــــــــــــ
[1]
) فؤاد الخطيب: ولد في قرية (شحيم) قرب بيروت. شاعر نقيّ الديباجة، عزيز المعاني، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، عمل معلماً في يافا، والخرطوم، واتصل بالحسين بن علي، وابنيه فيصل وعبد الله، وأخيراً عمل سفيراً للسعودية في أفغانستان، وتوفي سنة 1957م.

[2]) نشرتها جريدة (الجامعة الإسلامية) في 27/11/1935م.

[3]) قوله: سمّوك زوراً بالشقيّ: يشير إلى بلاغ السلطة الإنكليزية الذي وصف الشهداء في معركة (يعبد) بالأشقياء.

[4]) الخميس: الجيش الكبير.

[5]) يترون: بالتاء المثناة الفوقيّة، أي: يثأرون.

[6]) قوله: (ياشيخ عز الدين) الوجه في ضبط (شيخ) الضمّ فقط، ولا يصحّ نصبه لأن الإضافة تفسد المعنى، فلو أضفته إلى عزّ الدين، يصبح المنادى شيخ عزّ الدين، بمعنى أستاذ عزّ الدين، وأما عزّ الدين: فيجوز فيه الضم إتباعا للفظ المنادى، ويجوز فيه النصب إتباعا للمحل، أو على تقدير فعل محذوف (أعني) أو على تقدير حذف أداة نداء، ويجوز عند البصريين إبدال المعرفة من النكرة، كقوله تعالى "(إلى صراط مستقيم(52) صراط الله) الشورى: 52-53).

[7]) قوله: (تحملوا .. الأوزارا): يريد تحمل الإنكليز الأوزار بسبب ظلمهم، وهو باطل شرعاً لأن الإنكليز كافرون، وليس بعد الكفر ذنب، فهم خالدون في جهنم-بكفرهم- ولم لو يقتلوا القسّام.

[8]) نشرتها جريدة (الجامعة الإسلامية) في 15/12/1935م.

[9]) الوجه أن يقول: ويكون درسه إلزامياً، لأن (إلزامي) خبر يكون. وسهل ياء (إلزامي) وحقها التشديد، لأنها ياء النسبة.

21-11-2007 8:05 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013