جديد الموقع
المكتبة الأسيرة

أي عيد للأسرى ؟؟!!

29-8-2011 6:33 AM

  كتبها الأسير المحرر أحمد إسماعيل أبو كاس
أثناء فترة اعتقاله الأخيرة

الحمد لله نحمده وهو المستحق للحمد والثناء ونستعين به في السراء والضراء ونصلي ونسلم على رسولنا الكريم القائل عجبا لأمر المؤمن فإن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.

لقد وجه لي سؤال: كيف يقضي الأسرى أعيادهم؟ كيف هو العيد عند الأسرى؟ وبصراحة لقد استفزني كثيرا وأثار عندي المشاعر، فسألت نفسي: وهل للأسرى أعياد ليتحدثوا عنها كي تسأل هذا السؤال؟.

ولكنني افترضت حسن النية وأصررت رغم ذلك أن لا أجيب على هذا السؤال بل سأضعكم أنتم في ظلال الموضوع وصورة الحال التي يعيشها الأسرى وأعطيكم بعض الأمثلة الحقيقية والمشاهد الواقعية لتتضح لك الصورة ولتحلق أنت بخيالك وتعيش بأحاسيسك ومشاعرك إن استطعت وتجيب بنفسك عن السؤال حسب ما يتولد عندك من شعور، لكن قبل أن أبدأ بالحديث فليعذرني إخواني الأسرى وأهالي الأسرى وأحباب الأسرى وليعذرني القراء الكرام لأني سأخرج عن المعتاد في الكتابة وسأكون صريحا ولربما تنكأ الجراح وتأن القلوب وتهيج العواطف وتسكب العبرات!!!

وقبل حديثي عن الأسرى ماذا عن أهاليهم؟ ماذا عن الزوجة والأبناء؟ وماذا عن الآباء والأمهات؟ هل فعلا لهم عيد مع تغييب أبنائهم قهرا وظلما في سجون الاحتلال!؟.

سأجيب لكن باختصار شديد: لقد سألت الأهل والزوجة بعد مرور عشرين سنة من السجن وعندما أصبحت أيام السجن تلفظ أنفاسها الأخيرة، سألت إن كان يوم الاعتقال أصعب أم يوم صدور الحكم؟

قالت زوجتي: كلا والله لا هذا ولا ذاك، بل أصعب الأيام وأكثرها إيلاما وغصة تملأ القلب حسرة ولوعة هي أيام العيد، "وخرجت من صدرها آهة لو مرت على جبل لتفطر"، فأنا أنظر إلى أبنائي ووالدهم مغيب في ظلمات بعضها فوق بعض.

يا سائلي عن عيد الأسرى، قل لي بربك ماذا أردت بسؤالك!؟ وعن أي الأسرى تتحدث؟ وعن أي الأعياد تسأل؟!.

هل تسأل عن العيد داخل أقبية التحقيق في الشبح والتعذيب وفي الزنازين!؟

أم تسألني عن العيد داخل أقسام العزل "وما أدراك ما العزل" والذين أمضوا فيه السنين الطوال ولم يروا النور ومغيبون عن الدنيا وعن العالم!! أم تسأل عمن أمضوا عشرات السنين داخل الأسر أصحاب الأرقام القياسية؟! أم تسألني عمن فقدوا الآباء والأبناء والأخوة والأخوات داخل الأسر وحرموا من وداعهم؟!

أم تسألني عن العيد عند المرضى، أسر داخل أسر، أسرى القيد وأسرى المرض ومنهم المقعد المشلول ومنهم مبتور الأطراف ومنهم مرضى القلب والكلى ومنهم أصحاب الأمراض المزمنة المختلفة ومنهم مرضى السرطان، ومنهم ومنهم وحدث ولا حرج، فعن أي الأسرى تسأل وعن عي أي الأعياد تتحدث؟!

أم تسألني عن الحرائر خلف القضبان الذين تركن أطفالهن في البيوت يبكونهن في العيد وفي كل مكان وفي كل آن!؟

أم تسأل عن العيد عند أطفالنا الأسرى وهم يبكون ظلم السجن وقهر السجان خلف القضبان يحرمون من أن يعيشوا طفولتهم البريئة مثل أطفال العالم؟!

قل لي بربك يا سائلي ماذا أردت بسؤالك؟! وعن أي عيد يمكن أن يتحدث الأسير؟!

أتريدني أن أحدثك عن عيد الذين سجنوا أبناء الثامنة عشر أو أقل من ذلك فاليوم أصبحوا شيوخا، شاخوا وشاخ حلمهم معهم الذي طالما حلموا به بأن يكون لهم بيوتا وأبناء قرة عين لهم مثل بني البشر لكن عزاهم الهرم واشتعلت الرؤوس شيبا واختلفت السحن!

أم يا سائلي أخبرك عن الذين انقطعت أخبارهم عن أهاليهم منذ سنين عديدة حرموا من زيارتهم أو الاتصال بهم ولا أحد يأتيهم بأي خبر يثلج صدورهم؟! أم تريدني أن أحدثك عمن تركوا أبناءهم صغارا فكبروا وتزوجوا وأنجبوا الأولاد بعيدا عن ناظريهم وامتلأ القلب غصة ألا يكونوا معهم؟!

أخي السائل لكي تعرف الجواب عليك أن تدرك ذلك كله بقلبك وعقلك وأحاسيسك وشعورك وإن استطعت بعدها الجواب مرات لم تستطع فحاول ثم حاول ثم حاول.

حاول أن تبتعد مدة شهر مثلا وليكن شهر رمضان ولتذهب إلى التكسب في مكان تختار وليكن أفضل مكان تختاره وأكثره راحة ولكن بعيدا عن الزوجة والأبناء، ولتقل لنا كيف هو العيد بعدها واكتب الجواب بقلبك قبل أن تخطه بين السطور؟!

يوم العيد عند الأسرى هو يوم تنكأ الجراح، لكن تعود الأسير الفلسطيني الذي تعود التعالي على الجراح بشموخ وعزة وكبرياء.

يوم العيد الحقيقي عند الأسير هو يوم الإفراج عنه ويوم أن ينكسر القيد وينال حريته هو يوم أن يلتقي بأبنائه وأبناء شعبه وأهله ليعانقهم ويفرح بهم هو يوم أن تطأ قدماه ثرى الوطن وقد تحرر من دنس الغاصبين ليقبل ترابه ويسجد سجدة الحرية.

هو يوم أن يتحقق الهدف الذي ضحى من أجله وسجن من أجله، وهو يوم أن يلقى الله وقد تقبل منه جهاده وأسره وأعياده..

لكن رغم ذلك يبقى للأسير الفلسطيني عيد داخل أسره لأنه صاحب إرادة وصاحب عزيمة يلين لها الحديد وتصغر أمامها الصعاب لأنه صاحب مبدأ رفض الذل والهوان وتمرد على سياسة الترويض لأنه صاحب قضية من أقدس وأنبل القضايا "إنها فلسطين".

ولأن صاحب عقيدة السماء لا يعرف اليأس ولا القنوط ولا الخضوع ولا الركوع إلا لله رب العالمين.

وفي كل يوم تبزغ فيه شمس على الأسير الفلسطيني في أي مكان كان من الأسر هو يوم عيد لأنه صاحب شعور وإحساس ويعلم لماذا يضحي ومن يقارع ومن أجل ماذا يقدم الغالي والنفيس؟!

لأنه يعلم أن العيد ليس بقطعة الحلوى التي تأكل وليس لمن لبس الجديد، فهذا شأن غيرنا من الأسرى، حقا غيرنا من الأسرى.

لأن الأسير عندما يجيء العيد يحييه لأنه يوم عبادة وطاعة لله ويوم غيظ لأعداء الله ويوم مقاومة وجهاد، لأنه يوم نقهر به السجان الذي يسوؤه يوم فرحك وتسوؤه ابتسامتك فتكون بمثابة رصاصة في قلبه.

لذلك نخرج لنصلي صلاة العيد كل حسب استطاعته وما تسمح به ظروف الاعتقال فنعلي صوتنا بالتكبير "الله أكبر، الله أكبر" ونلبس أفضل ما عندنا من ثياب امتثالا لسنة حبيبنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ونصطف صفا واحدا بعد العيد لنصافح بعضنا بعضا أخوة كالبنيان المرصوص.

نضع أطيب ما نستطيع من الطعام والشراب على اعتبار ذلك يوم توسعة ولنصنع فرحا من وسط الآلام فنبتسم ونحن مذبوحون، مذبوحون بقهر الطغيان، ننشد النشيد العذب ونمازح بعضنا بعضا وندخل السرور وتعلو الضحكات، نتزاور فيما بيننا ونتنقل من غرفة إلى غرفة أو من خيمة إلى خيمة في صورة جميلة تجمع أبناء التنظيم الواحد، وتجمع أبناء الفصائل المتعددة من أبناء الشعب الفلسطيني داخل الأسر في أجمل حلة تغيظ بها السجان وتمثل وحدة هذا الشعب العظيم.

نعم أخي يبقى للأسرى عيد داخل أسرهم لأنه هناك أمل موجود ولن ينقطع ولأن تجارتنا مع الله والقلوب متصلة به.

نعم يبقى للأسرى عيد لأن حلاوة الإيمان التي بصدورهم تبدد مرارة الآلام الناتجة عن القيد رغم كيد السجان.

وأخيرا أسأل الله عز وجل أن يحرر الأسرى والمسرى وأن يجعلنا لحبه أسرى وأن يحقق الآمال ونحتفل بالعيد معا خارج هذه الأسوار وقد تحررت الأوطان ورفرفت راية الإسلام خفاقة عالية.

المصدر: أحرار ولدنا

29-8-2011 6:33 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013