جديد الموقع
المكتبة الأسيرة

الإعداد القيادي بين سورتي يوسف والقصص للأسير أيمن قفيشة

14-4-2011 7:58 AM

من إصدارات مؤسسة فلسطين للثقافة

الطبعة الأولى - 2011

تصميم الغلاف: م. جمال الأبطح
صورة الغلاف

 
 
 

جاء في تقديم بقلم الشّيخ عبد الخالق النّتشة "أبو جبير"

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، وأشهد أنلا إله إلا الله، وأنّمحمّدًا عبده ورسولهصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدّين.

أمّا بعد:

فممّا لا شكّ فيه أنّحضارة الأمم تقاس بما تقدّمه للبشريّة من مناهج وبرامج وخططٍ، ترفع من شأن الإنسان وتأخذ بيده إلى القيادة والرّيادة، وبما تحقّقه من أمن واستقرار لمجتمعها ولا شكّ أنّالأمن والاستقرار والازدهار لا يكون إلا إذا كان نابعًا من رؤى واضحة المعالم يرسمها الأفذاذ والقادة والعلماء......

ونحن،الشّعب الفلسطينيّ، الذي ينظر إلى العلا ويبحث عن أملٍلمستقبلٍآمنٍ، واستقرارٍلأبنائه، وحرّيّةٍلأرضه ومقدّساته، يفخر بما قدّمه ووضعه أبناؤه من دراساتٍوأبحاثٍفي شتّى المجالات الإنسانيّة والحضاريّة، ويزداد فخره بما يصنعه أبناؤه المعتقلون في سجون الاحتلالالذين سطّروا بمدادٍمن نورٍالعديد من الدّراسات والأبحاث، برغم القيد والقهر والتضييق وقلة المصادر والمراجع العلميّة، بل منعها من الدخول إلى السّجن من قبل سجّانيهم على الدوام، ولكنّ الإرادة والعزم الذي يتحلّى به الأسير الفلسطينيّ أكبر من كلّ القيود والأغلال، ولهذا كان نتاجهم يحمل روح التّحدّي، ويمتاز بالعنفوان الفلسطينيّ بما يتلاءم مع التّحدّيات التي أرادت كسر الرّوح والمعنويّات لديهم من قبل سجّانيهم.

وقد أطلعني الأخ الحبيب والصديق العزيز الأسير أيمن محمّد حسن قفيشة "أبو عبيدة" على بحثه الجديد الذي جاء ليكمل الطّريق ويرسم المعالم، بعد أن تحدث في بحثه الأوّل عن ذاكرة الشّهادة، وفي بحثه الثّاني عن أمّ سليم الصحابيّة الجليلة وأهل بيتها الكرام، وفي بحثه الثالث عن الصحابيّالجليل القائد الفذّ الذي أنعم الله عليه ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلكم زيد بن حارثة الذي سطّرت الآيات الكريمة من كتاب ربنا تبارك وتعالى عن قصّته المشهورة،ثمّ هذا البحث الذي ظهرت فيه ملامح شخصيّة الباحث المثقّف المطّلع الواعي الذي صقلت نفسه القيود،وزادته المحنة صلابةً، وعلّمته الأيّام أنّ الوقت هو الحياة، فما أضاع وقته، ولا فوّت فرصةً يزداد فيها ثقافة ووعيًا، فاطّلع على ما وقع تحت يديه من أمّهات الكتب والأبحاث الحديثة، فكانهذا البحث ثمرة اطّلاعاته الواسعة وخبرة السّنين التي قضاها في سجنه موجّهًا ومعلّمًا، جزاه الله خيرًا.        

جاء هذا البحث في فصولٍ ستّةٍ ومقدّمة، جمع فيها وحلّل ورسم شخصيّة القائد الذي يتطلع إليه كلّشاب مسلم؛ ليكون قدوةًله، ونحن في أمسّالحاجة في هذه الأيّام إلى قدواتٍنترسّم بخطاهم ونعمل بعملهم، وقد امتاز هذا البحث بأنّهتحدّث عن نبيّين عظيمين كلٌّمنهما قد ابتلي وامتحن وسجن أو أبعد، طاردته أيدي الظّلام، وكادت له أيدي الكائدين، فكانقدر الله أكبر من كلّ المتآمرين الكائدين.

لمست في هذا البحث لمسةًحانيةًلحالنا نحن المعتقلين، فيوسف عليه السلام كاد له إخوته، وألقوه في الجبّ وبيع بثمنٍبخسٍ، امتحن أشدّالامتحان في الهوى، فثبت وحمد، اعتقل وسجن فصبر، صقلته الأيّام ليخرج قائدًا لأمنه ومخلصًا لشعبه من الانهيار الاقتصاديّ،وهكذا نأمل من معتقلينا الأبطال، وشعرت في هذا البحث كذلك شعور الغربة، شعور الهادب المطارد الذي يلوذ بحمىً بعيدةٍعن دياره، ليشعر بالأمان فكانت أرض مدين لموسى سكنًا وأمنًا، فهل لنا نحن المعتقلين بعد هذه الغربة والمطاردة في وطنٍ آمنٍ وحرّيّة !!!.

هذا وقد أجاد الباحث في ترتيبه وتسلسله الإعداد القياديّ من خلال هاتين السورتين (يوسف والقصص) من الطّفولةإلى ريعان الشّباب ورجحان العقل، إلى الشّيخوخة بتجارب الأيّام والسّنين، ليكون بحثًا متكاملاً في رسم صورة القائد الفذّ الذي يفكر ويخطط وينظم ويتدرب ليصل إلى الهدف المنشودبتخليص الأمّة من نير الاضطهاد والارهاب إلى الحرّيّة والاستقلال.

أتطلّع في نهاية الأمر أنأرى هذا البحث مطبوعًا تتسابق الأجيال لاقتنائه والاطّلاع عليه والاستفادة منه في طريق الحرّيّة والاستقلال، وجزى الله من يعمل ويساهم في طباعته ونشره وتعميم النّفع منه......

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

الشّيخ عبد الخالق حسن النتشة

سجن رامون 29/5/2007م

16/جمادى الأولى 1428هـ.


 

وجاء في مقدّمة الكتاب

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن جاهد جهاده واتّبع هداه.أمّا بعد:

فقد خلق الله عز وجل آدم عليه السلام من طينٍ}وإذ قال ربّك للملائكة إنّي خالقٌ بشرًا من صلصالٍ من حمإٍ مسنونٍ{،ثمّ نفخ فيه من روحه }فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين{، وكرّمه بالعلم }وعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين{، وأراه مكانه الكريم بين الخلائق،فأسجد الملائكة له }وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم{.

ولكنّ العلم وحده لم يكن كافيًا لينجح في الخلافة على الأرض التي خلق آدم أصلاً لها   }وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً{،فزوّده مع العلم بالتّجربة }وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا   منها رغدًا حيث شئتما و لا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين{.ونهاه عن الشّجرة، فأغواه الشّيطان، فهداه الله إلى الأرض }ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا{.

وبالتّجربة مع العلم،كان إعداده للخلافة في الأرض، ليبدأ آدمعليه السلام قيادة مسيرة البشريّة للعودة للوطن من حيث أهبط وزوجه، وكانت البداية من الجنّة ليتواصل الشوق والحنين إليها، فكانبالعلم والتّجربة أهلاً للخلافة في الأرض.

وتواصل الرّكب الكريم من الرّسل يقودون البشريّة للعودة إلى الله عز وجل وفق منهجه عز وجل يزوّدهم بالعلم (وحيًا)ويمدهم بالتّجربة(ابتلاءً)فيعدهم لقيادة البشريّة، كلّنبيٍّفي قومه، في زمان ومكان وظروف ومرحلةٍمختلفةٍ،رسالتهم واحدةٌ   }لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إلهٍ غيره إنّي أخاف عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ{.ومهمّة كلّ واحدٍمنهم تختلف عن الآخر، يؤدي فيها دورًاضمن مسيرة البشريّة لتتهيأ لاستقبال رسالة الخاتم محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بعد أنتبلغ البشريّة رشدها.ومثّل الرّسل عليهم السّلام النّماذج العليا فيتاريخ البشريّة،ومثّلوا القدوات العمليّة لأقوامهم وأجيال البشريّة من بعدهم،يقود كلّنبيٍّقومه ويرتقي بهم ليكونوا مهيّئين للمرحلة التالية من مسيرة البشريّةالتي يبعث فيها نبيٌّآخريواصل المسيرة،حتّى كانت مرحلة الرشد البشريّالتي قاد البشريّة إليها محمّدٌ بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وكانلا بدّ للنّبيّ الخاتم الذي ورث رسالة التّوحيد التي جاء بها إخوانه الأنبياء عبر التاريخ من لدن آدم عليه السلام أن يرث تجاربهممع أقوامهم التي مثّلت أعظم وأقسى تجارب التّغيير والإصلاح التي خاضها المصلحون، وقد لاحظت عبر دراستي لما كتب من دراساتٍفي التّنمية البشريّة وإعداد القادة وتحسين أدائهم أنّالقصص الذي يتناول تجاربقادةٍحقّقوا النّجاح بعد معاناةٍومشقاتٍومحاولاتٍمضنيةٍفصبروا وثبتوا حتّى أفلحوا في تحقيق أهدافهم وغاياتهم،هذا القصص يمثّل غالب مادّة هذه الكتب؛ ذلك أنّني أرى أنّأفضل الأساليب لصناعة القادة وتنمية قدراتهم هو الاعتبار بقصص من سبق على الطّريق.

وهذا الهدف الأساس من سرد القصص القرآنيّ قصص التّغيير والإصلاح والنّهوض التي قادها الأنبياء والمصلحون عبر مسيرة البشريّة }لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب {.أي أنّالمراد من هذا القصص القرآنيّ التأمّل والتّفكّر والاعتبار، وهو الحالة التي يتواصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلىما ليس بمشاهدٍ، والمراد منه التّأمّل والتّفكّر.

والأنبياء عليهم السّلام هم الأشدّبلاءً؛ لأنّهم الأحوج للتّجربة لأنّهمسيقودون خطى البشريّة في مرحلة من المراحل، والقيادة تحتاج إعدادًا لا يكون إلا عبر دوراتٍ قاسيةٍيعانيها الإنسان، فيخرج منها أقدر على ممارسة المهمّة الموكلة إليه، ولهذا يمكننا أن نقول: إنّ الأنبياء أشدّالنّاس بلاءً؛ أي أكثرهم إعدادًا للقيادة، فالابتلاء إعدادٌلمهمّة القيادة، ولكنّ النّبوّة قبل كلّ شيءٍاصطفاءٌ من الله عز وجل لعبدٍمن عباده يعلمه أهلاً لذلك دون تطلّعٍمنه أو انتظارٍلذلك، والقيادة في الأصل موهبةٌ تنميها التّجربة وترتقي بصاحبها،وبعد كلّ نبيٍّ يطول على النّاس الأمد، وتقسو القلوب، وتنحرف الفطرة فتكون الحاجة لمن يقود فيجدد ويصلح ويقوّم الاعوجاج، منطلقًا بما ورث من علم النّبوّة (الوحي)ويزوّده الله عز وجل بالتّجربة(ابتلاءً)فيعدّللقيادة ليكون من ورثة الأنبياء، وهم الأمثل بعد الأنبياء، فكان إعدادهم (ابتلاؤهم)الأشدّبعد الأنبياء؛ لأنّمهمّتهم القياديّة هي الأشقّوالأخطر والأعظم بعد الأنبياء."أشدّالنّاس بلاءً الأنبياء........ " أعظمهم إعدادًالخطورة دورهم.

"ثمّ الأمثل فالأمثل"...وهم ورثة الأنبياء.

"يبتلى الرّجل على حسب دينه"... يعدّللمهمّة وفق أهليّته.

إنكان في دينه صلبًا"... يزداد دوره القياديّ.

"اشتدّبلاؤه"... إعداده للقيادة.

إنكان في دينه رقّة".. يقلّ دوره القياديّ.

"ابتلي على قدر دينه"..... إعدادٌثانوي.

"فما يبرح البلاء بالعبد"... الارتقاء من درجة إلى درجة.

"حتّى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئةٌ". إنّه إعدادٌلمستوى عظيمٍ، يشمل جوارحه كلّها باطنةًوظاهرةً،حتّى صار يمشي بين النّاس مزوّدًا بالعلم والتّجربة (عارفًا)بما يعصمه من الخطأ "المعصية" ومؤهّلاً للصّواب (الطّاعة)فيستحق القيادة (الإمامة)للنّاس }وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلماتٍ فأتمّهنّ {.لقد اختبره وامتحنه ليظهر صدقه وإيمانه فنجح في اجتيازها بامتياز}قال إنّي جاعلك للنّاس إمامًا{.فاستحقّأنيكون قائدًا وقدوة وإمامًا }قال ومن ذرّيّتي{. ورغبأنتكون القيادة (الإمامة)في ذرّيّته يتوارثونها}قال لا ينال عهدي الظّالمين{،فالقيادة (الإمامة) لمن أهّل لهاونجح في الابتلاء(الإعداد)فالإمامة قيادةٌ.

فالابتلاء.... إعدادٌ.
صلابة الدّين.... إعدادٌ أكبر.... مهمّةٌ أكبر.
رقّةٌ الدّين.... إعدادٌ أقل.... مهمّةٌ ثانويّةٌ.
تواصل البلاء.... ارتقاءٌ متواصلٌ من درجةٍ إلى درجةٍ.
ما عليه خطيئة.... مستوى إعداد مثالي ظاهر وباطن.
القصص القرآنيّ.... تجاربٌ.... إعدادٌ فرديٌّ وجماعيٌّ.
عبرةٌ....
استخلاصٌ وتأمّلٌ لنقل التّجربة وتطبيقها بصورةٍ جديدةٍ في بيئةٍوظروفٍمختلفةٍ.

وأولوالألباب.... الذين يقرؤون بتدبر وتأمل ويجمعون فهم الكتاب المقروء(القران)وفهم الكتاب المشهود (الواقع)في الكون من حولهم، وهؤلاء الذين جمعوا بين فهم الكتاب وفهم الواقع هم القادرون على التّغيير لأنّهم فهموا السّنن الكونيّة، ولكن من الذي يسخّرها في عمليّة التّغيير؟!!! }وربّك أعلم بمن في السّماوات والأرض ولقد فضّلنا بعض النّبيّين على بعضٍ وآتينا داوود زبورًا {.

  إنّهم الرّسل، وهم أعلم النّاس بالسّنن،وأكثرهم أهليّةًللقيادة،وقد فضّل الله عز وجلبعضهم على بعضٍفي التّجربة والكفاءة والقدرات، رغم أنّهم جميعًا متساوون من حيث أصل الرّسالة والعصمة والاصطفاء من الله عز وجل لتبليغ رسالة التّوحيد، وهذا التفاضل ضرورةٌناتجةٌعن اختلاف مهمّة وبيئة وزمان ومكان كلّ رسالةٍ!!

وهذه الخلاصة التي قادني إليها تدبّري وتأمّلي لسورتيالقصص ويوسف عبر سنواتٍمن التّضحية والمعايشة لكلّ كلمةٍ وآيةٍولفتةٍوبحثٍ في كلّ ما كتب من تفاسير ودراساتٍقرآنيةٍ، حتّى صرت آكل وأصلي وأنام والأفكار تشغلني والمعاني تتوارد على قلبي.

وكان لوجودي في السّجن عظيم الأثر في هذه الدّراسة؛ففي السّجن الفراغ من حيث توفر الوقت للقراءة والتّحدّي الذي يستفزّك ويحرّك أفكارك.فنعمة الفراغ التي يعيشها الأسير في سجنه وشعور التّحدّي الذي يفرضه السّجّان عليه، يدفعان لمزيدٍمن التّحدّي ليثبت لنفسه قبل أنيثبت لسجّانه أنّالسّجنوالقيد لن يهزمه ولن يفتّ من عضده أو يكسر من إرادته.

وأذكر أوّل أيّام دخولي سجن نفحة عام 1999مكيف استفزّني القهر والظّلم والبطش في السّجن،فكتبت خاطرةًفي مفكّرتي تعبّر عن مشاعر التّحدّي والغضب، قلت فيها:( تحتضن صحراء النّقب جنوب فلسطين"سجن نفحة" ترضعه الجفاف والقسوة... وعلى حرارة رملها تنضج معادن الرّجال لتكتسب الصّلابة والخشونة.... وتحدّثك الرّياح المحمّلة بحبيبات الرّمل عن طبيعة الحياة التي تنتظرك بين جدران سجنها، تلخّصها كلمات الصّراع... فلا تكاد تشعر لحظةًبهدوءٍأو مهادنةٍ... طبول الحرب تقرع ليل نهار،والسّجّان ينتهز كلّفرصةٍسانحةٍليغرز في الجسد الاعتقاليّأنيابه ومخالبه... والرّيح لا تهادن أبدًا، شتاؤها قارصٌوصيفها لاهبٌ، إياك أنتركن للهدوء... إنّ أحدًا لن يرحمك... هنا صحراء النّقب... لكن لا تجزع، فرمل صحرائنا يعشق دماء الشّهداء ويحتضن بدفئه طهارة أجسادهم الغضّة... أقدم لا تتردّد... أفصح لا تتلعثم.لقد وطئت قدماك صحراء الوضوح..... لا سواتر، ولا مخابئ، ولا حتّى مناورة.... فالمعركة هنا وجهًا لوجهٍ).

وها هو العام العاشر تؤذن شمسه بالمغيب خلف قضبان السّجن، ولا يزداد السّجّان إلا بطشًا وتجبّرًا، ولا تزداد نفحة إلا لهيبًا وقيظًا، لا يخفّف هذه القسوة إلا أنسيبكتاب الله عز وجل الذي أنعم الله به عليّ بصحبته، فشعرت معه بالأنس والحبّوالمودّة، وأشغلني عن أذى الأعداء وفراق الأحبّة والخلان، وعشت أتلوه صباح مساء، مرّةًبعد المرّة، وفي كلّ تلاوةٍأجد حلاوةً، وفي كلّ كلمةٍ أجد الجديد من المعاني، ومع كلّ سورةٍتتفتح أمامي آفاقٌجديدةٌ... فكنت أضمّالكلمة إلى الكلمة والمعنى إلى المعنى وأتوسّل إلى الله عز وجل أنيجعل قلبي طاهرًا نقيًّا لتمسّه كلماتالقران وتثمر في جنباته معاني آياتهالطّاهرة.

فجاءت هذه الدّراسة حول الإعداد القياديّ بين سورتي يوسف والقصص ثمرةًمن ثمرات هذه الصّحبة مع كتاب اللهعز وجل، أسأله أنأجدها في ميزان أعمالي يوم ألقاهعز وجل وأن تكون خالصةًلوجهه متقبّلةًعنده، وأنينفع بها القارئ الكريم، وربّ ناقلٍعلّم لمن هو أعلم منه.

وقد قسّمت البحث إلى ستّة فصولٍإضافةًللمقدّمة التي تناولت فيها ظروف كتابة هذا البحث وأهمّيّة القصص القرآنيّ في نقل تجارب الأنبياء والمصلحين ليرثها وارث نبوّتهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم.

الفصل الأوّل: تناولت قضيّة تزامن نزول القصص مع مراحل الدّعوة في مكّة والمدينة المنوّرة، وظروف الدّعوة وقت النّزول لكلٍّمن سورتي يوسف والقصص، مع توضيح تناسب قصصهما مع ظروف الدّعوة وقت النّزول.

الفصل الثّاني: أوضحت فيه وحدة الرّسالة للأنبياء جميعًابما اشتملت عليه من التّوحيد والبعث والحساب والنّبوّة وعالم الغيب رغم اختلاف مهمّة كلٍّمنهم،فجاءترسالتهممتناسبةًمع حال القوم الذين أرسلواإليهم والدّرجة التي بلغتها البشريّة وقت بعثتهم.

الفصل الثالث: ناقشت فيه سمات كلٍّمن يوسف وموسىعليهما السّلام وأهمّيّة هذا الاختلاف بينهما نظرًا لاختلاف مهمّة وظروف بعثة كلٍّمنهما.

الفصل الر ابع: أوضحت فيه عمليّة الاستكمال التّربويّالتي مرّ بها كلٌّمن يوسف وموسى عليهما السّلام وتأثير ذلك في تجربة وقدرات كلٍّمنهما.

الفصل الخامس: اشتمل على جوانب اختلاف زمان ومكان وظروف بعثة يوسف وموسى عليهما السّلام،وحال قومهما في كلّ فترةٍمن الفترتين.

الفصل السادس: أوضحت فيه مراحل الإعداد القياديّليوسف وموسى عليهما السّلام، كما تعرضهما السّورتان.

توضّحهذه الدّراسةأو الرّسالة عمليّة إعداد نبيّين من أنبياء بني إسرائيل أعدّ كلٍّمنهما لمهمّةٍمختلفةٍ في زمن وظروف وأجواء وإعداد مختلفين، وامتاز كلٌّمنهما بسمات شخصيّةٍ عن الآخر ومواهب متميّزةٍ، ومرّ بمراحل إعدادٍمختلفةٍتتناسب مع شخصيّته ومهمّته التي أرسل بها إلى قومه. ولعل هذه الدّراسةتفتح آفاقًاجديدةًللباحثين في القصص القرآنيّ وتكشف أبعادًا جديدةًللجانب الإنسانيّفي القران وسنن التّغيير الاجتماعيّفي الأمم والمجتمعات وتطوّرها وجهود المصلحين مع أقوامهم.

وأكتب هذه الكلمات وما أبرّئ نفسي من رياءٍوسمعةٍ، ولكن أسأل الله عز وجل القبول لبضاعتي المزجاة، والعفو والمغفرة والتّجاوز عن ضعفي البشريّ، وعذري أنّها معانٍ ظننتها ذات قيمةٍونفعٍلأمّتي، فقيّدتها بالسّطور لينتفع بها العاملون بكتاب الله عز وجل، ولعلّمن يأتي بعدي يزيد هذه المعاني وضوحًا وبيانًا.

أسألمولاي عز وجل أنيفتح عليّ من عنده فتوح العارفين، وأن يعلّمني من لدنه علمًا، ويمنّعليّ وعلى إخواني الأسرى بالفرج القريب.

و الله الموفّق والهادي إلى سواء السّبيل.

العبد الفقير إلى الله

أيمن حسن فياض قفيشة

سجن نفحة الصحراوي

8/2/2007م الموافق 19/محرم/ 1428هـ

14-4-2011 7:58 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
5/4/2011 2:56:11 PM
حازم القدس
تحيه
بارك الله فيك وسدد خطاك لما يحبه ويرضاه

4/25/2011 1:04:40 AM
د أيمن دراغمة
مداد الابطال
ابارك لاخينا الحبيب عمله الجديد ومع اني فقط قرات مقدمة الكتاب فان ما يمكن ان يميز هذا العمل امران اولهما صفاء الروحة والنفس والعقل التي يتميز بها من يفتح الله عليه لبلوغ بعض اسرار كتاب الله تعالى وحال السجين كذلك عندما يجعل من كتاب الله صاحبا والامر الاخر مماثلة ومعايشة المعاناة وخاصة اسجن واذى الاعداء وهو امر معاش على مدار الساعة لابطالنا في سجون الاحتلال؛نسال الله الفرج للاخ البطل أيمن قفيشة ولجميع اخوانه واخواته
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013