جديد الموقع
المكتبة الأسيرة

حكايتي مع الراديو والتشويش وصوت العرب .......

22-5-2011 6:38 AM

  بقلم الأسير عاهد أبو غلمي
سجن الرملة
قسم العزل الانفرادي

أنعم الله على كل أسير "براديو ترانزستور" وجاء ذلك بعد نضال طويل للحركة الأسيرة حتى تم تثبيته كحق للأسير، ومن خلال هذا الجهاز يمكن التواصل مع العالم الخارجي ومعرفة آخر المستجدات المحلية والدولية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغالبا ما يهتم الأسرى بالأخبار المحلية ليبقوا على اطلاع بكل ما هو جديد في الوطن الحبيب والتواصل مع أهاليهم عبر برامج الأسرى في الإذاعات المختلفة، ويعبر الراديو الصديق الصدوق لكل أسير والذي يمده بكل ما هو جديد، وبعض الأسرى يكون الراديو ملازم لكل تحركاتهم وخاصة الأسرى القدامى الذين يتابعون بشغف آخر التطورات وبشكل خاص أخبار صفقة تبادل الأسرى .

عند إخراجي من بين الأسرى وتحويلي إلى العزل الانفرادي كان لا بد وأن يكون صديقي الراديو معي ولحسن حظي تم إدخاله معي إلى داخل الزنزانة، حيث في أحيان كثيرة يتم مصادرته من قبل الإدارة لعدة أيام تحت حجة تفتيشه ومعرفة إذا ما كان قد استخدم لإخفاء بعض الممنوعات. وبعد ترتيب نفسي وأغراضي داخل الزنزانة الانفرادية أردت أن أعرف ما يدور خارج الأسوار وفي العالم الخارجي، فأخذت الراديو وشغلته، ولكن لم أستطع أن ألتقط أي محطة، وبدأت أبحث في كل مكان في الزنزانة لعلي أجد مكانا يمكن من خلاله سماع صوت أي محطة للإذاعات المختلفة، ولكني لم أنجح، وعندما أيقنت أن عزلي ليس فقط عن الأسرى وإنما عن الموجات الكهرومغناطيسية التي تحمل الموجات الصوتية لتصلنا ومعها كل جديد، وهذا لم يدخل اليأس في قلبي.

وبدأت بالبحث عن أدوات يمكن من خلالها التقاط هذه الموجات الصوتية، وقد عملت على تقوية الهوائي "الأنتين" الخاص بالراديو ولأني لا أملك الأسلاك اللازمة، فقد استخدمت سماعة الأذن الخارجية الخاصة بالراديو وقطعت أسلاكها واستخدمتها لتقوية الهوائي، ولكن دون جدوى، مع العلم أنني لم أترك سنتيمتر واحد من حيطان وسقف الزنزانة لم أجربه، ومع ذلك لم أكن أسمع إلا صوت شششششششششش...

وأحيانا كنت أترك هذا الصوت ومن خلاله أتخيل أنني أسمع صوتا يأتي من أعماق هذه "الوشة" فكنت أسمع أقوال الصحف والأخبار واللقاءات والأغاني... وأعيش معها وكان الأمر حقيقي وأنني أسمع كل ما يدور في العالم الخارجي، واستمر الأمر على هذا المنوال لأكثر من خمسة أيام وأنا لم أيأس ففي كل يوم أقوم بنفس العملية في البحث لعدة ساعات لعل الطقس قد تغير واستطاعت موجة أن تخترق أسوار السجن وتصل إلينا وأسمع ما جاء فيها ولكن دون جدوى، وفي صباح اليوم السادس استيقظت باكرا وفتحت الراديو، وبدأت أبحث وإذا بصوت الوشة قوي جدا ومن خلالها سمعت صوت حقيقي هذه المرة، وهذا الصوت بعيدا ومخنوق وكأنه ينادي أنجدوني، وإذا بالصوت هو موسيقى الإيذان بأخبار الصباح ويأتي الصوت البعيد ليقول "صوت العرب من القاهرة" ففرحت جدا لسماع الصوت وهو صوت حقيقي وليس تهيئات أو تمنيات... ولكنني فكرت للحظة هل بقي صوت للعرب؟ حتى لو كان مخنوقا وبعيدا ومطمورا... وأبعدت هذه الأفكار عن رأسي لأن ذم الأيام لا ينفع ولا توجد أذن تسمع، ولا عين ترى العقارب تلسع، ولا قلب يرق لطول البكا المدمع، وعندها سيان أزهرت أم أدبرت... وعدت لأسمع صوت العرب... ولكن للأسف ضاع صوت العرب ولم يأت أبدا ....

22-5-2011 6:38 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013