جديد الموقع
إصدارات المؤسسة

أكرم النساء مهراً - للأسير أيمن محمد قفيشة

2-11-2011 7:20 AM

تأليف: الأسير أيمن محمد قفيشة 

الناشر: مؤسسة فلسطين للثقافة
 

الطبعة الأولى 2012
 
تصميم الغلاف والإخراج : م, جمال الأبطح

صورة الغلاف
 
 
 
 

جاء في التقديم بقلم محمد جمال النتشة

الحمد لله والصلاة والسّلام على رسول الله، ومن والاه إلى يوم أن نلقاه... وبعد

التقيت أخي الكريم وصديقي العزيز أيمن قفيشة في سجن هداريم، وسعدت برؤيته وصحبته، وعشت معه أيّاماً عدداً يحدّثني وأحدّثه فنخفّف عن نفسينا مشقّة الحبس وكآبة السّجن، فليس شيءٌ آنس للنّفس من صاحبٍ ناصحٍ وعلمٍ نافعٍ، وكان أخي أيمن نعم الصّاحب والصّديق. وكان لي عادةٌ في سؤال إخواني عمّا أنجزوا في حبستهم من علمٍ أو عملٍ فادوا فيه أنفسهم أو إخوانهم فبادرني بكتابٍ كتبه في سجن نفحة الصّحراويّ، وطلب منّي أن أقرأ ما كتب، فإذا بي أجد نفسي أمام بحثٍ جليلٍ في قدره، جميلٍ في أسلوب عرضه، تحرّى فيه الطّريقة الصّحيحة في البحث العلميّ؛ نسب الأقوال إلى أهلها، وذكر مصدر كلّ كلمةٍ منقولةٍ بدقّةٍ وأمانةٍ.

بدأت أقرأ الكتاب كلمةً كلمةً، فإذا بي أمام طرازٍ من النّساء والرّجال والأطفال قلّ من يشبههم في عالم البشر فضلا وعلماً وسمتاً، فكان موضوع الكتاب آل ملحان، وكانت بطلة الموقف مثالا حيّا ونموذجاً فذّاً للمرأة المسلمة في كلّ أحوالها أختا وزوجةً وأمّا، ولا ريب أنّ الحاجة للمثال والأسوة كالحاجة للنّظريّة والمبدأ، وأرى أنّ أخي الفاضل أيمن قد قدّم للمرأة المسلمة في عصرها الحديث صفحاتٍ من نورٍ وقبساتٍ من ضياءٍ يستفاد بها في ظلمات الجهالات التي تعيشها نساء اليوم من مفاهيم مغلوطةٍ ونظراتٍ سقيمةٍ للمرأة ودورها، سواءٌ من سجنها عن الواقع والمجتمع أو من جعلها متاعاً وملهاةً وسلعةً، فلامس أخي في كتابه "أكرم النّساء مهراً" كبد الحقيقة في نظرة الإسلام السّويّة إلى المرأة؛ فهي عالمةٌ عاملةٌ ومجاهدةٌ بطلةٌ مقبلةٌ غير مدبرةٍ، وصانعةٌ للأجيال. الفريدة الفذّة، المرأة التي تبادر وتحاور، وتقرّر وتنفّذ، المرأة التي تترك بصماتٍ في كل جوانب الحياة ولا تغيب عن أيّ جانبٍ.

فجزاك الله خيراً يا أبا عبيدة، وبارك الله جهدك، وجعل الله لك ولإخوانك فرجًا قريبا عزيزا، ويسّر الله لهذا الكتاب القيّم من يقوم على نشره ليعمّ الانتفاع به، والله تعالى الميسّر إلى سواء السّبيل.

محمد جمال نعمان علاء الدين النتشة

سجن هداريم

الاثنين 26 صفر 1424هـ

28 نيسان 2003 م

وجاء في المُقَدِّمَة
 
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه، مَنْ يهد ِاللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلهُ فلا هادي له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أَنَّ محمداً عبده ورسوله.

أَمَّا بعد... لقد ظُلِمَتْ المرأةُ المسلمةُ مرتين: أولاهما بيد مَن أساؤا فهم الإسلام مِنْ أبنائه الغيورين فمنعوها العلمَ والعملَ وميادينَ البذلِ والعطاء والمشاركةَ في قضايا الأمة وإبداء الرأي، ومنعوها مجردَ الخروج من البيت إلا لبيت الزوجية أو القبر.

وليتهم اكتفوا بمجرد الإساءة للمرأة ولم ينسبوا فهمهم المغلوطَ للإسلام الذي أنقذَهَا من وحل الجاهلية حين كانت توأد طفلَةً، وإِنْ عاشت ففي هُون ومشقة و إذلال ويُنظر إليها ك قطعة أثاث أقل قيمة من الفرس و الناقة لا تملك من أمرها شيئا طفلةً أو امرأةً أو مطلقةً أو أرملةً، يقرر الآخرون لها أخصَّ أمورها وينظرون لها نظرة هابطة زرية ويرون في ولادتها شؤما يصفه القرآن بأروع وصف وأدق تصوير فيقول سبحانه:﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ ( [1]) 

وتصف عائشة رضي الله عنها كيفية النكاح في الجاهلية فتقول: " كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء فنكاح منها: نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثُمَّ ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلي فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه،فإذا تبين حملها أصابها زوجها إن أحب،وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.ونكاح آخر: يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرت ليالٍ بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان فتسمي من أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها.ونكاح رابع: يجتمع الكثير من الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا. كُنَّ ينصبن على أبوابهن رايات تكونُ عَلَماً. فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ( [2]) ثُمَّ الحقوا ولدها فالتطاه( [3]) ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله محمدا r بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم " ( [4])  

وظُلِمَتْ المرأةُ المسلمةُ ثانية بيد أَذْنابِ التَبْشيرِ المسْتَغْرِبينَ الناعقين باسم التقدمية المتسترين بشعارات تحرير المرأة ومساواتها بالرجل ؛ فجعلوها سلعةً رخيصةً تُبَاعُ وتُشْتَرى وَتُسْتَرَقُّ بدعوى الحرية، وتَتَعَرَّى وتكشف مفاتنها لترويج البضاعة والسلع التجارية، وتَسْتَعْبِدُها الموضةُ ودورُ الأزياءِ العالمية، وتَتَقَّطَّعُ أنفاسُها وراء آخرِ قَصَّات الشعر وأحدث الصَرعات الغربية السخيفة.

بكل مرارة وصدق مع النفس نقول: لقد جهل غالبية المسلمين الصورة الحقيقة للمرأة المسلمة كما أرادها الله سبحانه ورآها محمد r ، وغابتْ عَنْهُم صورةُ عائشةَ المعلمةِ للأمة " أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله  r "( [5])، يقول عروة بن الزبير واصفا علمها: " ما رأيت امرأة أعلم بطب ولا بفقه ولا بشعر من عائشة رضي الله عنها "( [6])، وخولة بنت الأزور المجاهدة العنيدة مع أخيها ضرار في اليرموك ورُفيدة الأسلمية أول ممرضة في الإسلام يوم كانت تداوي جرحى الخندق في مسجد رسول الله r ، والخنساء تجود بالشهداء صابرةً محتسبةً، وأمِّ عَمَارَةَ نُسَيبة بنت كعب تبايع النبي r في العقبة الثانية في مكة وتُقاتل دونه المشركين وتَثأر لولدها حبيب بقتال مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابِ يوم اليمامة، وأسماءَ بنتِ عُمَيْس المهاجرة المُناضلة مع زوجها جعفرَ تترك مكة إلى الحبشة ثُمَّ تهاجر معه إلى المدينة بعد أن تأكد لها رسوخ دولة الإسلام وأذن الرسول r بذلك، فكانت من أصحاب الهجرتين، وفاطمةَ بنتِ الخطَّابِ تقفُ بجرأةٍ وشجاعةٍ في وجه أخيها عُمَر قبل إسلامه فتهزأُ من بطشه وجبروته وتجهرُ بالحقِّ فتكون سببا لإسلامه ونصرته للحق.... وغيرهن كثير.

وقد أنعم الله عليَّ في سجن نفحة بخلوةٍ طويلةِ وتَفَرُّغٍ للقراءة في التفسير والسيرة والتاريخ الإسلامي فازداد تعلقي بحب النَّبِيّ  r وصحابته رضي الله عنهم، فعشتُ معهم أحداث السيرة أتألم لعذاب بلال في صحراء مكة،ويعجبني صبره وثباته وأفرح لإسلام حمزة وعمر وما أعزَّ الله بهما الإسلام وأشارك الصحابة أفراح النصر في بدر وآلام الهزيمة في أحد،وأكاد أسمع تكبيراتهم يوم الفتح وإصغائهم إلى النبي r في خطبة الوداع بألوفهم المؤلفة وأشتم عبير دمائهم الزكية تعطر ثرى فلسطين الطهور.

فكانت هذه الدراسة المتواضعة عن أمّ سُلَيْم بنتِ مِلْحَان التي وجدتُ فيها الصورة المثلى للمرأة المسلمة المتفقهة المجاهدة المحبة للزوج المربية لأطفالها ترضعهم حب الدين والبذل في سبيله...

ولم أترك مصدرا للبحث حول الموضوع في مكتبة السجن إلا وقرأته حتى تكونت لدي هذه الدراسة التي أتممتها بالحديث عن أفراد أسرتها بدءا بأختها أمّ حِرَام وزوجها أبو طلحة، وأخوتها حرام وسُليم وابنيها أنس والبراء، حتى انتهيت إلى وفاة ابنها أنس وقد قارب المائة من عمره رضي الله عنهم أجمعين.

وإنني أعتقد جازما أَنَّ أمة الإسلام وحدها القادرة والمؤهلة لقيادة البشرية، ولكن البشرية لا تُسلِمُ قيادها لتنابل وكُسالى ومُقلدين، بل ينالها الأذكى والأشجع والأسرع للمبادرة والأقدر على العطاء.

وأجزم أَنَّ المرأة المسلمة لديها الكثير الكثير لتقدمه في هذه المعركة في كل الميادين، ولن تنجب الأحرار أُمٌّ مستعبدة مقيدة الحركة والتفكير مُهشمة في مجتمعها.

هذه الدراسة دعوة للمجتمع المسلم ليصحح نظرته ودعوة للمرأة المسلمة لتبادر لأخذ مكانها وتغيير واقعها وتتركَ السلبية والقعود، لتكون الصورة المشرفة التي أرادها الإسلام. وأن تكون قدوتها في الحياة أمهات المؤمنين ونساء الصحابة، ولعل هذه الدراسة ترسم صورة للسابقات من المؤمنات وتعطي قدوة لمسلمات اليوم، ولعل فيها شيئا من الوفاء لآل ملحان رضي الله عنهم.

وعلى أولئك الذين يعجبون كيف قهر المسلمون في سنوات معدودة فارس والروم وكنسوا أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر أن يدرسوا حياة أمّ سُلَيْم بنتِ مِلْحَان وأبي طلحة وأم حرام وعبادة ليروا عظمة هؤلاء "البسطاء" من أصحاب محمد r الذين حملوا لواء الجهاد ورسالة الإسلام وبذلوا الأموال والدماء لتكون كلمة الله هي العليا. ولا والله لن يعيد العز والتمكين لهذه الأمة إلا رجال مثلهم، ونساء يُنجبن أمثال أنس والبراء وعبد الله.

أسأل الله أن أكون موفقًا في هذه الدراسة مقبولا عند الله سبحانه وأن يجعل فيها الخير لمن يقرأها وتكون لبنة من لبنات بنائنا الإسلامي العظيم. ونقطة في بحر التغيير المنشود الذي طال انتظاره. فإن وُفِّقْتُ لذلك فمن الله، وإنْ قَصَّرْتُ فمن نفسي والله من وراء القصد.

وأرجو ممن يقرأها أن يدعو لي ولجميع الأسرى المسلمين بالفرج العاجل وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيْمْن مُحَمَّد حَسَن قَفِيشَة

ح َ ي ْ د َ ر َ ة - سجن نفحة الصَّحْرَاويِّ

10 شوال 1423 هـ

الموافق 14 ديسمبر 2002 م

 



[1] - سورة النحل، آية 58- 59.

[2] -  القافة(جمع القائف):الذي يتَتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبَه الرجل بأَخيه وأَبـيه.

[3] -  التاط به ودعي ابنه: التصق به.

[4] - رواه أبو داود، كتاب النكاح: باب وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية ؛ ورواه البخاري.  

[5] -  ابن سعد " الطبقات الكبرى " 4/ 189.

[6] -  أخرجه الطبراني، وإسناده حسن كما ذكر الهيثمي 9 / 242.

2-11-2011 7:20 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013