جديد الموقع
رؤى ومتابعات

حوار مع الشاعر الفلسطيني يوسف طافش

7-3-2011 1:52 AM

  أنا مع الشعر الذي يقول كل ما يريد دون التنازل عن فنيته

أجرى الحوار: وحيد تاجا

يقول عنه الناقد الأدبي الدكتور "منذر عياشي": "للشعر شهامة تدل على نخوة تستفز قارئه وتستنهض كاتبه في عالم الشعر وهذه الشهامة الموجودة بكثرة في شعر "يوسف طافش" تجعل مكتوبه خلقا نبيلا وترفعه مكانا عاليا لا يرقى إليه أي مكتوب آخر إلا إذا ماثله أو ساواه أو وازاه، ولكي نقول أكثر، فقد تميز شعر "طافش" ليس بوزنه وإيقاعه ولكن بشهامته التي هي سر أسراره، في ارتقاء سلم القيم ومراتب النبل.
والشاعر يوسف طافش من مواليد عام 1938 في مدينة صفد بفلسطين، وهو عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، يكتب  ـ إلى جانب الشعر ـ المقالة الأدبية, والزوايا الصحفية, والدراسات الموسيقية والتمثيليات الإذاعية.

له أعمال شعرية عديدة منها: رقصات الورد والجنون،  تراتيل الرماد، الفضاء الأخضر، وكنعانيات، رعاف الليل، مرايا تشبهني.. فضلا عن مسرحية شعرية للأطفال بعنوان الفضاء الأخضر.

ومن المسلسلات التي شارك في كتابتها /حي المزار– الرجل س– ربيع بلا زهور– وتكلم الصمت– قلوب على الأسلاك– الدوامة– نساء حائرات– جبل الماس، وهي مسرحية غنائية /.

وحصل على جائزة الأورنينا لأفضل نص غنائي في مهرجان الأغنية السورية في دورته العاشرة عام 2004، كما حصل على جائزة أفضل نص غنائي في مهرجان الأغنية العربية في "تونس" عام 2008 .

التقيناه وأجرينا معه الحوار التالي عن الشعر والأدب.

* ماذا يعني بالنسبة لك أن تكون شاعرا مبدعا؟

ببساطة وباختصار شديد أن أتجاوز نفسي باستمرار وأضيف شيئا جديدا لما جاء به الآخرون.

* تضيف شيئا أم تأتي بشيء جديد يختلف عما طرقه الآخرون؟

إنك تضطرني منذ البداية للدخول في مفاضلة بين الإبداع والبدعة، وهذا أمر يطول شرحه ولكنني سأحاول الاختصار قدر الإمكان. الإبداع مشروع لا يعرف بدايته ونهايته أحد، مشروع ممتد على امتداد الخلق واستمرار الجنس البشري في هذا الكون، وهو ظاهرة إيجابية تسمو بالذوق العام وتفتح أمام المخيلة آفاقا جديدة معتمدة في ذلك على مرجعيتها وجذرها المعرفي، بينما نجد أن البدعة تحمل سمات التناقض مع الأشياء، إذن هي حالة مرضية وظاهرة سلبية لا تضيف شيئا إلى ثقافات الشعوب، الإبداع عملية بنائية ذات ديمومة والبدعة محاولة تهديمية لا تلبث أن تتلاشى لأنها تحمل في داخلها أسباب زوالها.

* إذا جاز لنا أن نتحدث عما يجعل الشعر شعرا وينتج خصوصية الشعر كجنس أدبي ومتميز. فما هي العناصر الضرورية لإنتاج كتابة جديدة باسم الشعر، وما هي العناصر التي تعطي شعرا زائفا، ولا سيما أن زائف الشعر رائج في السنوات الأخيرة؟

سؤال في غاية الأهمية.. ولنبدأ من الشق الثاني ونتحدث عن زائف الشعر، لو طرح بعض الشعراء على أنفسهم هذه الأسئلة الثلاثة: بماذا نكتب؟ ولماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ لتجنبوا كثيرا من المنزلقات والهذيانات المرضية ولأنتجوا شعرا بحجم هذه الأسئلة على أقل تقدير وهنا تكمن العلة، بعضهم يدعي أنه فوق اللغة فتجده يتباهى بتحطيم بنية الجملة العربية بحجة الخروج على قيود النحو والصرف وهذه غثاثة ما بعدها غثاثة لأنها تنم عن عجز فاضح يدفع هذا البعض إلى العدوانية. وبعضهم يكتب كمن لا يكتب أي شيء يتخبط هنا ويهذي هناك بدعوى الحداثة والتجديد والخروج على المألوف فلا تقع عيناك على جملة واحدة مفيدة أو صورة تتجلى فيها قيم الجمال، يقول لك أنا لا يهمني الجمهور، المهم أن أكتب وعلى الجمهور أن يتبعني.. أنا شاعر مستقبلي .. أنا لا أكتب لهذا الجيل بل أكتب لأجيال قادمة.

هذه (الأنا) المتضخمة والفوقية المتعجرفة والانسلاخ عن كل الأصوليات والقيم والنواميس لا يمكن أن تنتج شعرا حقيقيا، من لا يملك ماضيه لا يملك الإحاطة بحاضره. ومن لا يملك الماضي والحاضر لا يستطيع أن يؤسس للمستقبل وهؤلاء الناس هم عينات من مروجي زائف الشعر في هذا الزمن.

* هذا عن زائف الشعر فماذا عن الشق الأول من السؤال؟

لكي ننتج شعرا يحمل خصوصيته كجنس أدبي يجب أن نتذكر دائما أن الشعر ديوان العرب وأن للأذن العربية حساسيتها المرهفة وللذائقة العربية نكهة ضاربة في أعماق التاريخ وأعماق التراث ومن هذا المنطق لا بد من التأكيد على أمرين هامين: الشعرية العربية والجذر الغنائي للشعر العربي، بعد هذين العاملين يأتي العامل الثالث أي الانقلابية التي تتجلى في العلاقات اللغوية والاستخدامات الدلالية الجديدة في النص الشعري.

* هل تعني بذاك تفجير طاقات اللغة؟

أنا لا أحبذ مثل هذه التعبيرات (تفجير اللغة، أو فض بكارتها، أو اغتيال القواميس، أو نسف المألوف، أو جلد المفردات العربية...الخ) هذه عبارات شاع استخدامها للأسف وكأننا بصدد تأليف قاموس إرهابي للغة العربية، لغتنا العربية لغة جميلة ومطواعة وولود ومن يحسن عشرتها ويملك مفاتيح أسرارها ستكشف له عن كل مفاتنها وتلد ذرية لغوية يتباهى بها أمام الأمم الأخرى، فلماذا اللجوء إلى السادية والعنف اللغوي والولادات القيصرية المشوهة؟

الحداثة أمر حتمي ومطلب حضاري ولكن شريطة ألا نرتكب ألوانا من الجرائم باسمها.

* هل للشعر الفلسطيني خصوصيات معينة في رأيك؟ وما هي؟

الشعر الفلسطيني أحدث انعطافة هامة جدا في مسرة الشعر العربي وخاصة بعد نكسة حزيران وكل قصيدة كتبت بمنظور إنساني عن مأساة شعب فلسطين ونضالاته وتحمل وعيا حقيقيا بجوانب هذا الصراع هي قصيدة فلسطينية.

القصيدة الفلسطينية ليست حكرا على شعراء فلسطين فقط، لأن القضية ليست فلسطينية إقليمية بل هي عربية وعالمية أيضا و"إسرائيل" تشكل تهديدا لأمن المنطقة كما تشكل تهديدا للسلم العالمي برمته. أما الشاعر الفلسطيني فإنه يمتاز بجدارة في قصيدته التي تجسد جزءا كبيرا من خصوصيتها في الترميزات الزراعية والتضاريسية للمكان الفلسطيني وفي شدة توترها بالإضافة إلى الرموز التاريخية والأسطورية.

* هل هناك شعر سياسي فلسطيني بالمعنى الدقيق للكلمة أم أن ما اصطلح على تسميته في المجلات الفلسطينية بالشعر السياسي وهو في حقيقته هروب من السياسة؟

إننا إذا تحادثنا عن ارتفاع وانخفاض سعر الدولار نتحدث في السياسة، وإذا تحدثنا عن رغيف الخبز نتحدث في السياسة، وإذا تحدثنا عن زهرة نضرة وزهرة ذابلة نتحدث في السياسة، فالسياسة متداخلة في معظم جزئيات حياتنا، فما بالك في الشعر؟ لا شك أن هناك بعض الاستثناءات، ولكن الشعر الفلسطيني في عموميته شعر سياسي بشكل أو بآخر، فالهم السياسي هو يومي نشاغل أنفسنا عنه بأمور حياتية أخرى ثم لا نلبث أن ندخل المعركة شئنا أم أبينا.

الشعر الذي يتناول قضايا الإنسان المقموع والمضطهد والمسحوق شعر سياسي. الشعر الذي يتناول القضايا الكبرى للأمم شعر سياسي. أما الشعر الذي يتكئ على الشعاراتية الجوفاء أو التسطيح الإيديولوجي فإنه يخرج عن دائرة الشعر ويسيء إلى نبل الهدف النضالي والسياسي. وأنا مع الشعر الذي يقول كل ما يريد دون أن يتنازل عن فنيته أو يبتعد عن الجماهير و قضاياها.

* كيف يمكن في رأيك التقريب بين الشاعر وقارئ الشعر وبين المرسل والمتلقي؟

هناك جدل قائم حول أزمة التوصيل وانحسار جمهور الشعر ولكن الأزمة لا تنحصر في إطار جمهور الشعر العربي، إنها أزمة عالمية تقريبا تنسحب على عدة شعوب حتى في أوروبا بالذات، وسبب هذه الأزمة يمكن أن أعزيه إلى عدة عوامل

أولا: تعقيدات الحياة في زمن التكنولوجيا المذهلة، وطغيان العلاقات المادية إلى ما عداها، فإنسان هذا العصر في لهاث دائم وراء المادة وفي سباق غير متكافئ مع وتيرة التطور التكنولوجي ولهذا فقد الجانب الآخر والأهم ألا وهو الروح، لأن العلاقة بين الروح والمادة علاقة تكاملية لا يمكن أن نفصل إحداها عن الأخرى وإلا وقع الخلل في أحد طرفي هذه المعادلة.

ثانيا: أزمة في النص الشعري المنتج، وشريكا الإنتاج فيه هما الشاعر والقارئ، المرسل والمستقبل.

أزمة الشاعر تبدو في نصه الذي أغرق في الكد الذهني والطلسمية لدرجة إعياء القارئ وتعطيل أجهزة الاستقبال لديه ثم أزمة القارئ الذي يطحنه الهم اليومي والذي يطلب شعرا يشبهه ويتحدث عن قضاياه دون أن يجهد نفسه في مواكبة المتغيرات في عالم الشعر الحديث.

وبين هذين السببين يطل الشعر الرديء برأسه ليحقق حضوره على صفحات بعض الدوريات ويشوه الذوق العام، هناك مقولة مفادها: (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة) لذلك نرى أن الشعر الرديء في مثل هذا الظرف يحاول طرد الشعر الجيد، والجمهور هو الضحية.

هنا نقف في مواجهة أنفسنا لنسأل: وما هو الحل؟ الحل في أن يتنازل بعض الشعراء قليلا عن النرجسية والأنانية وجنون العظمة ليعود إلى بناء ما تهدم من جسور الثقة والتواصل بينهم وبين الجمهور أما الشعر الفلسطيني فأعتقد بأنه الأكثر التصاقا بالجماهير وبالهم الإنساني العام لأنه يحمل قضية يعبر عنها ويعيشها بكل أبعادها لأنه ليس شعر مناسبات أو نزوات طارئة. هناك من قالوا في مرحلة سابقة بأن انتفاضة الشعب الفلسطيني في الوطن المحتل، أعاد الشعر الفلسطيني والعربي إلى واجهة شعر المناسبات!! فهل يظن هؤلاء أن ثورة الحجارة عبارة عن مناسبة؟

إنها نقلة نوعية في مسيرة النضال الطويلة للشعب الفلسطيني، ويجب أن نفرق بين من كتبوا شعرا حول الانتفاضة بمعزل عن السياق التاريخي للقضية، وبين من كتبوا شعرا حول القضية تفاعلت ومازالت تتفاعل داخل حركة التاريخ، بين من أرعدوا وأزبدوا وانتهزوها "مناسبة"، وبين من أرخوا لها وعبروا عنها بنصوص إبداعية في غاية الرقي الفني والوعي الحضاري، والفريق الثاني هو فاتحة عصر الكتابة بالحجر "فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

7-3-2011 1:52 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013