جديد الموقع
رؤى ومتابعات

لقاء مع الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى

2-6-2013 1:35 AM

"لم نكتب بعد الأوديسة الفلسطينية"

"نكبة أكبر من النكبة الأولى عندما نسمي من يُدخل الأعداء إلى مخدع تاريخنا (رجل سلام الشجعان)"

"إذا كان الالتزام بالقضية يمحو الذات الكاتبة، فلا شأن لي به.. الذات هي القضية"

أجرى اللقاء وحيد تاجا

يقول الشاعر عبد الله عيسى في لقائه الجميل مع "مؤسسة فلسطين للثقافة": على المثقف أن يجعل السؤال الثقافي القادر على تكريس قضية فلسطين كأم القضايا الإنسانية كلها ليستفيق العالم على احتضان مأساتها وهو يقابل تاريخه في مرآته، في مواجهة الجواب السياسي الذي يجعل منها مسألة تفاوض على ما يمكن أن يتم التفاوض عليه بعد درب آلام طويل من التنازلات.

ويذكر أن الشاعر عبد الله عيسى حاصل على دكتوراه بالآداب من جامعة موسكو، وحائز على عدة جوائز عالمية، عمل في مجال الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع منذ مطلع الثمانينات، كما عمل محرراً للشؤون الثقافية في راديو "صوت روسيا" منذ مطلع التسعينات، ثم مديراً لوكالة الأخبار العربية منذ 2008، وممثلا ً لمحطة وتلفزيون دي إتش فيللي.

أنتج العديد من الأفلام الوثائقية من أبرزها: "أربعون يوماً على بيصلان"، "اسكنهيد روسيا – فاشيون"، "عودة المهاجرين اليهود".

صدر له:

 شعريا: آلاء، موتى يعدون الجنازة، حبر سماء أولى، قيامة الأسوار، رعاة السماء، رعاة الدفلى.

نقديا: رؤيا، الكلمة والروح في الشاعرية العربية، مقدمة في علم الجمال الشعري العربي.

* هل يمكن إعطاءنا لمحة عن البدايات والمؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك إلى الشعر.. ومن هم الشعراء الذين كانوا مصدر إلهامك..؟

** لم يكن المخيم، حيث جيء بي، المرميّ على حافة قرية ببيلا في غوطة دمشق، يشي بشاعرية ما إلا بما كانت تقصه الأرواح اللاجئة فيه من ذكريات مؤلمة ورؤى حالمة. أفئدة من الناس حطت بها النكبة في هذا المكان الموطوء بالفقر والنسيان. لم أر في المخيم إلا كتابين كانا يقطنان بيتنا: القرآن الكريم المحفوظ في بيته الكتاني الأبيض على الجدار الجنوبي وكأنه يسنده، وديوان محمود درويش الذي وضع على صندوق العائلة وهو يتأمل المكان والأنفس التي تأتيه هنا بنظرة تطل على أفق المكان المغتصب هناك. وكأننا كنا محاصرين بعالم لا يشبهنا: تختلف الحياة بنا عمن سوانا، إذ نتشابك بأيدي النساء، وقد اندلعت رائحة أنوثتهن في الفضاء، في دبكات نقيمها لأعراسنا في الساحات، كان أهالي القرى المحيطة لا يخرجون بنسائهم إلى الشوارع إلا وهن منقبات وكأنهن طرود بريدية مغلفة بالأسود. وكأنني كنت أنزوي في حكايات الذاكرات التي تأخذني إلى وطن بنته الألسنة من الكلام. اللغة وحدها تعيدك إلى جمالية عالم مفقود، كأن تتأمل شحنتها التعبيرية في قول روح بسيطة كالماء: "الله يسعد هواء فلسطين، كأنه مسحوب من الجنة"، أو في جملة الأم المبخوعة بألم فتّاك: "الله على قليبي يا بنيي".. لكن ما أبدع الله من ظلال وفاكهة وأنهار تجري في الغوطة لم يكن يغني الأرواح في المخيم عن جماليات ما خلق الله في فلسطين. لكنني، كنت موصولا ً بماء أنهار الغوطة، وبوارف بساتينها. هناك، قبل ارتطامي بصباي، اختلست اللمسة الأولى والقبلة الأولى، والشهقة الأولى. وكانت القصيدة الأولى. لم أكن أدري أن الحب وحده صار لي وطنا: حب ذاكرات المطرودين من جنتهم الأولى في فلسطين، والعينين الفلسطينيتين المعتصمتين بالوطن الغائب/ الحاضر كالهواء والشعاع وذاكرة الماء.. وفجأة داهمتني اللغة لتكون لي وطنا ً للحب، وحباً من وطن، وللوطن. لكن سحر "إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا"، وذائقية "وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي"، حرضتني على التعاطي مع اللغة كحياة أخرى، لا مجرد رسالة للتلقي. ومع أني كنت من حفظة جلّ أجزاء القرآن الكريم في الطفولة، وكل المعلقات العشر ومعظم شعر المتنبي والمعري وسواهما في الصبا، لكني اكتشفت أن روحي معلقة بشعرية أخرى: شعرية الذات (فكنت متورطاً بأنا عروة بن الورد أكثر من حكمة النابغة، وبشعرية "قلق كأن الريح تحتي" للمتنبي أكثر من "الخيل والليل" التي لا أرى فيها شعرا ً بل خطاباً. الخ.. ومن المعاصرين: درويش وأدونيس والسياب في بعض النماذج التي أنجزوها. من هنا، لم يعد الوطن الذي أخلقه باللغة مفردة في النص أو رموزا تتجاور لتدل على فلسطينيتي، بل أنا الفلسطيني بتراجيدياي وأحلامي وانكساراتي. مذ ذاك صارت اللغة / الوطن عالما ً أقطن فيه: حلماً ورؤيا..

* يرى النقاد أن أهم ركائز مشروعك الشعري هي اللغة الغنائية التلقائية والقريبة إلى حدّ التماهي مع لغة المتصوّفة ومزجها بالأحاسيس الجيّاشة..؟

** أشهد أنني قد كتبت إذن طالما رأت حذاقة النقد في شعري هذا وسواه. حلول الصوفية فيّ، أو تجلي ذاتي فيها ليس طارئاً: لفظة وروحاً. لا خطاب مع النص، طالما المتن ليس هامشاً. وبالتالي لا تشرح اللغة ذاتها أو تفسر دلالاتها طالما أنها هي الدال الأول في الرؤيا. وهي لا تكتفي لذاتها بأن تكون العلاقة بين الملقي والمتلقي كما عهدنا في أدبيات البلاغة والخطابة لإيصال رسالة، بل كنه اكتشاف الذات والعالم في النص، ما يعني أن الشاعر والقارئ يكتبان اللغة معاً: الشاعر لحظة الخلق والقارئ في حركية إعادة ما صار مخلوقاً باللغة.

هنا يحل التأويل بدلاً عن التفسير، وتزيح اللغة ذاتها بوصفها صورة لتصبح مجازاً، ويغدو فعل الإبداع الشعري كتابة لا خطابة، والتلقي قراءة لا تلاوة.. الخ. ولهذا ينبغي التحرك خارج النص المقدّم من سلطة الخطاب السائد، طالما أن كل منتج إبداعي هو تقديم رؤيا جديدة للإنسان والعالم، ما يفضي إلى أنه بالضرورة كسر لصورة المألوف، الثابت لمصلحة الدخول في الزمن الإبداعي المتحرك. وهنا يصبح لزاماً أن تنقاد للاعتقاد بأن كل نص مكتوب، حتى نصك، أصبح مألوفاً، ما يفترض عليك أبداً البحث عن الجديد لخلقه في إيقاعات فنية مختلفة وخصوصية، يحيلك أن تغدو أبداً شاعراً متجددا في زمن الإبداع. إن جلّ التجديدات التي منيت بها القصيدة العربية عبر تاريخها بقيت تتعلق بالشكل، أي بالمبنى، دون المضمون، أي المعنى، أو العكس. فيما الحداثة تقتضي الانزياح عن أساليب التعبير المألوفة وأشكال التفكير السائدة التي أنتجتها. لكن الاستلهام بالمضيء في تراثنا، سيما الصوفي، أمر ملح على فعل الحداثة، طالما لا تعني الحداثة إلا القطيعة مع الماضي الثابت والدخول إلى المستقبل المتحرك.

* أعلنت، ومنذ البدايات، تمردك على السائد الشعري الفلسطيني المألوف.. ومع "التصورات التي انتجت القصيدة الفلسطينية بأشكالها المعتادة وصوّرتها نموذجاً مقدساً".. كيف ترى الآن تجليات هذا التمرد..?

** ثمة من أراد أن يجعل السائد الشعري الفلسطيني مقدساً لتقديس السائد السياسي الفلسطيني، طالما ظل الشعري كثيراً رجع صدى للسياسي. ندرة من شعراء فلسطين كانوا لا يرددون إيقاع القصيدة ذاتها، (محمود درويش في نماذجه الأخيرة خاصة حين جعل من ذاته مشروعاً إنسانياً مثالاً، فيما بقي مجايلوه صدى بعيداً لذلك الصوت). وثمة احتفائية نقدية فلسطينية، ارتهاناً للسياسي، بهذا النموذج السائد، وعربية لتقديم أسوأ نماذج القصيدة الفلسطينية، كما كانت المؤسسة الثقافية الفلسطينية نفسها متورطة للإساءة لفلسطين حين طرحت هذا النموذج صورة لشعرنا المترجم، ما أساء للقضية الفلسطينية ذاتها. وما زال هذا التعسف يمارس خاصة مع تقديم أصوات رديئة متشابهة خطابية ساهمت فيها أيضاً الفورة النفطية وفورة المهرجانات والجوائز وسواها..

لكن بالمقابل، ثمة نص جديد فلسطيني يكتب بإيقاعات الذات المتحركة التي تكثف في تجربتها أبعاد التراجيدية الفلسطينية، لكن أحداً لا يتقدم نحوها من هؤلاء للأسباب التي ذكرت. وهي مثل نصوص جيلنا في ثمانينات القرن الماضي دون آباء شرعيين، مطرودة من رحمة السائد المطلوب الذي يستدرج التصفيق في الاحتفالات بذكرى النكبة والنكسة والانقسام والهزائم والمجازر..الخ. بهذا النص الجديد الذي يزحف لينتصر على السائد المكرّر المشوّه بشّرت ومن معي من شعراء فلسطين، ومنهم من كان قبلي أيضاً.

هذا الخروج عن الشعر الفلسطيني الذي اجتر ّ نفسه في تلك النماذج التي قصدتها، جعلني ومن يكتب مثلي نصاً جديداً، أقدم فلسطين لا رمزاً أو مكاناً بل روحاً طالما أصبح رمزها ومكانها وتفاصيل تراجيدياها وحلمها المتقدم إلى الأبدية. ففلسطين ليست قضية جغرافية متنازع عليها، بل التاريخ كله أيضاً وهو يلتبس على ذاته في مرآته: الإنساني في مواجهة الوحشي، الحلم مقابل القنبلة النووية، الضحية التي تشكو قاتلها لتصير أجمل منه في حبر الرواة..الخ. ولهذا أنحاز لتقديم مشروع جمالي إنساني في مواجهة شرعة المحو والقتل والدمار، وأؤرخ للسؤال الفلسطيني المتعدد، المتحرك في حركة التاريخ في مواجهة اليقينية الثابتة في الرواية العدوة. وكأنني أصعد أعلى الصلبان وأصرخ: أنا أجمل من قاتلي. هذا ما شاء ديواناي: "قيامة الأسوار" و"رعاة السماء، رعاة الدفلى". فقيامة الأسوار يوغل في التاريخ الذي أرّخ لحياة الأرض المقدسة بحجر الرؤيا المحفوظ بروايات مسيحية وإسلامية أصّلت لروحها الإنساني لتناقض مرور رواية العابرين الطارئة فيها، حتى أنهم لم يعثروا على ظل لهم على حجر في المكان المقدس. فيما استكمل في "رعاة السماء، رعاة الدفلى" نقش الرواية الفلسطينية بماء الحياة في مواجهة ريح اختلاطهم على المكان ليختلفوا معنا عليه. يصبح صوتي هو المتن الأبدي، وصداهم هو الهامش الغائب. اللغة هنا ذاتها تصبح الرؤيا ذاتها، وفلسطين نفسها تغدو رواية الإنسانية كلها نفسها. 

* الملفت في شعرك عدم الإقحام للصوت الفلسطيني بشكل فجٍّ ومتسرع.. وعدم غيابه في ظل البوح والذاتية التي تحملها قصائدك..؟

** لا شعرية في غياب الذات الشاعرة. الصوت الشعري يتحول إلى صدى، فيما الذات تبقى مرآة الرؤيا. القصيدة الفلسطينية في جل نماذجها، بل والأدب الفلسطيني، منشغل بالخطاب كرسالة، لا برسالة الكتابة، وموطوء بوصف الأنا وعالمها، لا بجعل هذه الذات عالماً يكتب تاريخه بإيقاعات فن يخلد بها ويخلدها. معظم هذه الأعمال تبقى على حائط جدار التاريخ. لم نكتب بعد الأوديسة الفلسطينية. أليس هذا نكبة أخرى أكثر تراجيدية من نكبة فلسطين؟ تماماً كما نسمي من يدخل الأعداء مخدع تاريخنا برجل سلام الشجعان! نحتفل، لا نزال، بهذه الأسماء كما نحتفل بذكرى الشهداء أو الهزائم، لا كمبدعين خلاقين. نحن لم نعد السؤال إلى بوابة المعرفة بعد، ولم نقرأ هؤلاء برؤيا نقدية أكاديمية ممنهجة، فهم مقدسون وستتهم بالخيانة إن مسست ما كتبوا بنقد لا يليق بيقينية الجواب المؤدلج. باسم فلسطين أصبح هؤلاء كتاب واجهات، ومنهم من ترجمت أعمالهم إلى لغات حية وميتة باسمها، فأساءوا لها قضية وشعباً. وكثيراً ما أواجه في أوربا في ندوات ومهرجانات وأمسيات بسؤال وجودي يصوغه العارفون بحركة الإبداع العالمي: أين الإنساني في شعركم وأدبكم؟ لغة أدبكم تفح برائحة الدم، وأبطال روايتكم يمضون إلى حتفهم بلا حياة..الخ. (أستثني من هذا بعض مبدعين فلسطينيين ترجموا إلى لغات أخرى).

إذا كان الالتزام بالقضية يمحو الذات الكاتبة، فلا شأن لي به. الذات هي القضية. وأتساءل: أيهما أفاد القضية محمود درويش، في كتاباته المتأخرة التي قدمته شاعراً إنسانياً، أم كلّ ما ترجم من أدب فلسطيني يصورنا أبطالاً من كلام عابر في الثقافات الأخرى؟. من يقرأ الآن رواية "الأم" لغوركي التي اعتبرت من أدب الواقعية الاشتراكية أم الالتزام (ترجمها الاتحاد السوفيتي إلى كل اللغات). أعتقد أن الالتزام هو جعل الذات قضية إنسانية، والقضية مسألة إنسانية كذات تتفاعل مع الذوات الإنسانية الأخرى، لا كتلة مستقلة عنها ولا تشبهها. ولا يمكن لمفهوم الالتزام أن يسيّد شعراً ما لا علاقة له بالفن الإبداعي. الفن الجميل يجعل القضية أكثر جمالية، ويحرض الإنسانية على احتضانها. 

* في أحد حواراتك تتساءل: هل على القصيدة أن تؤسس لعالم جمالي.. أم تخلق واقعاً.. أم تقترب من هذا الواقع.. ما رأيك أنت؟

** أنتصر لرؤيا أن على كل قصيدة أن تخلق ذاتها بذاتها لتصبح عالما جماليا خاصا. أي أنها في تفاعل بعدي المبنى والمعنى تؤرخ لجماليات جديدة غير مكتشفة من قبل. وهي بهذا تصبح الدال ّالأكبر عبر حركية الدلالات التي تقدمها معنوية كانت أم صوتية. فاللغة لا تكتفي بأن تكون خطاب تلقي، والصورة تنحاز لأن تبتعد عن اعتبارها أداة وصف، والفكرة تنتقل إلى مدار الرؤيا.. الخ. فالأفكار على قارعة الشارع، ووصف الشيء محاكاة له في أفضل حالاته، وتفسير العالم تعليق على أشيائه في الأغلب. من هنا، تتجلى القصيدة / العالم الجمالي واقعا فنيا يكتشف ذاته مع كل قراءة، ويكشف عن دلالاته كونه يتحرك إلى زمنه الشعري باعتباره الدال المتحرك أبدا. وهذا يشكل صداما حقيقيا مع التصورات المألوفة للشعرية العربية. ألا ينبغي علينا أن نكتشف أننا كعرب لا نمتلك علم جمال شعري؟ فما تزال وسائل التفكير القديمة تحكم آراءنا النقدية بعد، وهذا يجعل شعرنا يلامس أشكالا حداثية لا يخلقها، طالما ما نزال محكومين بالنظرة القديمة للشعر وبوسائط التفكير التي أنتجتها، وإلا لماذا تسود الخطابة على الكتابة حتى وقتنا، والفصاحة على الخلق الفني، وبالتالي الاتباع على الإبداع. وهنا جوهر المسألة على صعيديها الجمالي والوجودي: كيف يمكن أن تكون شاعرا حداثيا وتتحالف مع مؤسسة تقبض على الثابت السائد دينيا وفكريا واجتماعيا؟ هذا يحصل في عصرنا، ويمكنني أن أستدرج أمثلة كثيرة. 

* ولكنك غالبا ما تلجأ في شعرك إلى صياغة الواقع بصور تجنح للسريالية والفنتازيا، وهو ما يتجلى بشكل واضح في ديوانك "الموتى يعدون الجنازة"، وهذه الصور هي عماد عالمك الشعري ومنطلق خصوصيتك.. ما قولك؟

** للنقد الإبداعي آليات قراءته للنص الخصوصية، والتي بلا شك تشكل إضاءة للشعر وإضافة نوعية للشاعر وللتجربة الشعرية برمتها. ثمة نقاد آخرون ذهبوا إلى مساحات وبرؤى أخرى في تصديهم للديوان هذا. لكن في كل الحالات، أعتقد أن على الشاعر ألا يتقدم في نصه بتصورات نقدية مسبقة، فأي انحياز لطريقة تعبير أو مدرسة شعرية أو نقدية..إلخ هو بمثابة إطار يحد من حريته ويجعل من قصيدته قفصاً له. أما أنا فأرى أن لا انتمائي إلى هذه التحديدات يجعل نصي مسكناً حراً لي، وأفقاً مفتوحاً على تداخل منجزات الممارستين الشعرية والتنظيرية الإنسانيتين معاً، وكذا تفاعل الفنون جميعاً كالسرد والدراما وسواها من جهة أخرى.

وإذا كان ثمة تمازج بين السوريالية والفانتازية وسواها في ديواني (وهو يضم قصائدي مطلع ثمانينات القرن الماضي) فهذه مأثرة، طالما أن السوريالية والفانتازية أحد تجليات التخييل الشعري (وهو خلافاً للتخيل في المفاهيم النقدية: فهو لا يقول صوغاً بل يكشف بالرؤى، ولا يفسر بل يخلق..الخ ).

أما ما خص الصورة الشعرية فهي التي تحرك اللغة لتصبح مجازاً، والجملة الشعرية لتصبح عالما، والقصيدة لتغدو كوناً شعرياً جمالياً..الخ..

* أعلنت في ديوانك (آلاء) التصدي لهزيمة الطفولة والأنوثة معاً إذ يهربان بجسديهما من عالمك المنطفئ موتاً واشتياقاً لخلق عالمٍ آخر, غير مرئي من البراءة والانعتاق....؟

** لم أقترح ديوان "آلاء" بدءاً بوصفه صوغاً لعالم طفليّ، بل جعل الحاسة الطفلية أداة لاكتشاف الأشياء والرؤى والكشف عنها. البراءة هنا ليست توصيفاً للطفولة بل ملمساً ومسلكاً لها في آن. كما أنني لم أستدرج الطفولة إلا بكونها تكثيفاً للطاقة والحلول الإنسانيين في عالم يفقد ذاته بانشغالاته عن ذاته. فالطفولة هنا ليست جسداً تقيم فيه روح تتقنع بالبراءة، بل هي روح تتحرك في جسد تغدو معه الطفولة، وبه، تجلياً للروح الإنساني طُرّاً، اللاهث في عالم مليء بالقبح لخلق جمالياته. فالجمال هنا لا يكتفي بإنقاذ العالم بل ينشغل بخلقه. والقصيدة – الديوان هنا تكتشف العالم بإيقاعات عالمها الخصوصي.

لكن اقترابي من الطفولة والانعتاق في مواجهة القبح والموت ليس عودة للطفولة على طريقة شعراء الرومانسية، بل التماساً للكشف عن تجلياتها فيما لم يكاشف بعد في الذات الإنسانية. وهنا تتجلى الطفولة في المسافة الفاصلة بين الإنسان ونفسه، بين حاسته وغريزته..الخ. لكن نقاداً بأعينهم تعاطوا مع الديوان بتصورات معرفية لا برؤى فلسفية. 

* تتهم قصيدتك بالغموض والرمزية المكثفة..؟

** طالما لم أسع، ولن أطمح، أن أكون شاعراً جماهيرياً، فلا بد أنني أتقدم بالنص لا إلى العام الموطوء بوقع الخطابة الشعرية، بل إلى الخاص الباحث عن إيقاعات الكتابة الشعرية. (مع أني كثيراً ما لمست أن العام ينحاز إلى ما أكتب في أمسيات ومهرجانات ولقاءات كثيرة، لكني لا أنحاز لبناء أية مصالحة مع القارئ على حساب النص، فهذه خيانة للجمال والفن معاً. والشاعر لا يخون قصيدته).

ولطالما أن التنظيرات النقدية قدمت الغموض كأحد عناصر التخييل الرؤيوي فما أسميته اتهاماً هو إقرار بشعرية عالية، وكذا ما خص الرمزية، فيما تعتبر الكثافة عبقرية اللغة الشعرية.

* وماذا عن طغيان الهم الفكري والفلسفي في معظم قصائدك..؟

** لست من الشعراء الذين يكتبون بأغراض شعرية، ولا أؤمن أن الشعر الذي يكتب بالغرض الشعري شعر أصلاً. وإذا كان الشعر القديم قد عني بالغزل والمديح والرثاء.. الخ، فجل الشعر المعاصر يقترب من شعر الغرض القديم، حتى وإن اختلفت صورة الغرض، وتقنعت أنا الشاعر بالشكل الشعري المعاصر. فإذا كانت أنا الشاعر الجاهلي تهجو أعداء القبيلة، والشاعر الإسلامي الكفار، مثالاً لا حصراً، فالشاعر المعاصر يهجو الإسرائيليين أو الأنظمة... لم يتغير سوى الشكل في جوهر الأمر. وكذا المديح والغزل والرثاء... ثم أليست المباشرة في قصائد المعاصر الشعري أشبه بالخطابة في قصائد السلف الشعري...

رأي صادم لا شك، لأن الحداثة أصلاً صدام مع التقليد، وهدم لبناه ومعناه. 

وسأعترف لك أننا لا نملك علم جمال شعري عربي لأننا أبعد ما نكون عن الفلسفة. وأقصد بالفلسفة معناها الكلاسيكي بوصفها أم العلوم بما فيها علم الجمال، وأحيلك إلى أن أول من عالج أشكال الإبداع هو أرسطو في "فن الشعر" في القرن الرابع قبل الميلاد، فيما نحن سحلنا الفلاسفة، وأقطاب الصوفيين على رأسهم مثالاً لا حصراً، وأحرقنا كتبهم..

ألا يعتبر الحب، الموت، القتل، الخيانة، الوطن، والذات.. مفردات تمس فلسفة الوجود ويتجمهر فيها. كيف يمكن أن تتحول إلى كلمات لا طائل منها في الشعر في حين يتجسد فيها سؤال المعرفة؟.

ثم، إننا كشعراء فلسطينيين عجزنا، كما أقول دائماً، عن كتابة تراجيديانا أو أوديستنا، والسر أن شعرنا بعيد عن الفلسفة. ومن هنا حين أقول أن ديواني "قيامة الأسوار"، و"رعاة السماء، رعاة الدفلى" يقدم مشروعاً جمالياً في مواجهة مشروع المحو والقتل الوحشي الإسرائيلي، يكثف في رؤيته تجليات التاريخ والثقافات وأبعاد المكان الفلسطيني، فأنا أنحاز للشعر بوصفه دالاً برؤيا جمالية فلسفية.

* تعتمد كثيرا في قصائدك، لاسيما في ديواني (قيامة الأسوار) و(موتى يعدّون الجنازات)... الشعر الجنائزي المثقل بالطقوس، والمراسم غير العاديّة.. وكأنك فنان متخصّص في هذا اللون من الشعر..؟

** يبقى سؤال الموت أحد ضفتيّ الشعر الخلاق. فالمأساة ما تزال تلح على الروح المبدعة أكثر من الملهاة. أليس الشعر "في حالة طلاق مع الفرح"؟ ثم، ألا تستحق التجربة الوجودية الفلسطينية بكل أثقال النكبات والنكسات والخيانات والمجازر والمعابر والمنافي والشتات.. أن تجد شاعرها الذي يلامس تراجيدياها، إن لم يؤرخ لملحمتها، كما أرخ هوميروس لعشر سنين فحسب بعد حصار طروادة.

لكن ّ هذه القُدّاسات في ديواني هذين لا تجعل الموت وحده بطل الرواية / الضحية التي أسعى لتقديمها في مواجهة الرواية العدوة / القاتل، بل تتشارك معه الحياة في حالة صدام أبدي. وبالحب وحده يهزم الموت. وهنا أيضاً أتعاطى مع القطبين الأعظمين في فن الشعر والإبداع عموماً: الموت والحياة برؤيا فلسفية ينتصر فيها الحب بوصفه ماء الحياة على الموت. حقاً أطمح إلى كتابة "العهد الجديد" للتراجيديا الفلسطينية.

* تسجل لك ملكة "إدهاش" القارئ وإيقافه مطولا أمام كل مطلع في قصائدك.. فكل مطلع فيها يصلح لأن يكون عنوانا خالصا لقصيدة جديدة..: تحرس قلبك من وحشة الموت، تلمّ عن البحر حزن النّوارس، تنفض عنه فحيح الهموم، وحكمته في الرّحيل، تشدّ ثقوب الهواء بسعف أصابعك النّاحلات، تمسح عن وجنة النهر عزلته، ما قولك.. وهل تتعمد هذا "الإدهاش"..؟

** هذا مقطع شعري من قصيدة هزيع وهو منشور في عام 1983، أي من بواكير قصائدي التي ضمنتها في موتى يعدون الجنازة، وكان لهذه القصيدة سرّها، إذ أدخلتني مدخل صدق المؤسسة الثقافية الفلسطينية شاعراً طالما كان الشاعر الراحل محمود درويش قد امتدحها. ومع هذه القصيدة أكدت رؤياي أن الشاعر الفلسطيني ليس خطيباً، ومعها ثبتت الرؤيا بسعيي لخلق القصيدة / العالم الجمالي القائم بذاته.

وما أزال مذاك على يقين أن الفن الحقيقي لا يقدم أجوبة، بل يطرح أسئلة. والدهشة أعلى سؤال الفن، طالما أنها تكسر الصورة المعهودة للنموذج الشعري والعالم معاً. لكن الدهشة هنا، وفق ظني، بأن تصبح كل جملة شعرية عالماً تقطنه الذات الشاعرة، فتغدو القصيدة كلها مسكناً رؤيوياً لإيقاعاتها المتحركة. وليست كما هي الدهشة التي تختتم قصائد شعراء اليوميات في القصيدة النثرية. والدهشة في نصي ليست مستدرجة لرفع الشحنة التعبيرية لمقطع شعري، أو مؤسسة على عنصر التناقض بين الكلام الشعري أو سوى ذلك كما في بعض قصائد الآخرين، لكنها محكومة بحركية عناصرها ذاتها لغة وصورة ورؤيا..

* قصيدتك أقرب إلى لوحة منمنات منها إلى القصيدة لغزارة الصور التي تحملها، والمعروف أن الفنان التشكيلي يرسم من وحي القصيدة.. ولكن في قصيدتك، نجدنا أقرب إلى قصيدة مستوحاة من لوحة تشكيلية..؟

** ما هو مفهوم القصيدة، وما معنى لوحة منمنمات؟. ثم ما الفرق بين القصيدة والنص الشعري؟ أو بين البناء والمعمارية؟ أو بين القصيدة الحديثة والمعاصرة والجديدة؟ كثيرة هي المصطلحات التي يتعاطاها نقاد أو كتبة نقد دون أن يقدموا تحديدات منهجية لها، أما أنا كأكاديمي فأرى أنها أشبه بعبث نقدي.

وطالما أكتشف نصي في فعل الكتابة، وما دامت الكتابة تعني في جوهرها خلق رؤيا خصوصية، فهي لا شك تشكل تداخلاً بين العناصر والفنون جميعاً. والذات الكاتبة تكثف في خصوصيتها إيحاءات وتخييلات ورؤى.. ما أُبدِع في العالم والفن معاً، وإلا فلن تبدع عالما في النص، أو النص /العالم الجمالي..

فكما أستوحي من الريح قلقها يعلو ويهبط في صدري كموجة تائهة، ومن المرأة رائحة البئر الأبدية فيها، ومن المجازر إيقاع الرقص الوحشي للقاتل على دمه الراعش في الأصداء.. فأنا أستلهم أيضاً الايقاعات الجمالية في اللوحة الفنية والقطعة الموسيقية والمشهد السينمائي..

لكن في مقابل ما ذهبت إليه هناك من قرأ نصي معتبراً أن كل جملة أو صورة شعرية لوحة تشكيلية. مهنتي أن أكتب، وللنقاد أن يروا ما يرون، كلّ حسب أدواته وطرائق تحليله للنص.

* يرى بعض النقاد أنّ قصائدك ذات نفسٍ ضارب في القتام والسّوداوية، وأنّ شعرك حزين وموجع، فهل أنت متشائم إلى هذا الحد..؟

** التشاؤم أيضاً حالة، بل وحاجة إنسانية، تقترف أحياناً فحيحها في الذات المبدعة، تماماً كحاسة الحب أو غريزة الحرية مثلاً, أن تكون شاعراً فلسطينياً فستبقى المسافة بينك وبين الحزن الموجع كالمسافة بين يديك الاثنتين، وإلا ستكون ممن يعتقدون بالتصور القديم للشعر "أن أعذبه أكذبه". هؤلاء الشعراء الذين كانوا في قصائدهم يتقنعون بالنصر المبين القريب، ذهبوا وذهبت قصائدهم معهم. كذبت وكذبوا، وأرادت، وأريد لهم، بفعل تدجين السياسي لهم أن يدجنوا الجمهور "الطيب". هؤلاء يشبهون خطباء المساجد، لكن قصائدهم كدعاء المصلين جميعاً لم ترفع الظلم عنا، وتعيدنا إلى بيتنا الأول هناك..

وفيما الإبداع في حالة نفور مع الفرح، فثمة ما يجعل الحزن أحد أسماء الإبداع الحقيقي عبر التاريخ الإنساني، متجسداً في طفولته الأولى بالمأساة الإغريقية، كما أن كل الأدب العظيم لا بد جسّد التراجيدية الإنسانية في إحدى صورها على أقل تقدير. لن تعثر على منجز إبداعي خلاق دون أن تمسّ بظلالها.

لكنني أكتب عالماً يتحرك في داخلي: أنا الفلسطيني، المنكوب، المنكوس، المصاب بالمجازر العدوة والصديقة، المشتت، المنفي، المنقسم على ذاتي، المحروم من حلمي بعودتي إلى ذاتي الأولى هناك في وطن فقدناه بملهاة تاريخية ليصير مأساتنا الأبدية.

نعم الموت أحد مشاغلي الوجودي، وإيقاع خاص في رؤياي، وأكرر أطمح أن أكتب المأساة الفلسطينية لأشهد أنني قد عشت وكتبت.

* تقول عن مجموعة (موتى يعدون الجنازة) حاولت أن أهجو الأب لحظة موته وأرثي ذاتي المتوترة بفيض عتمته اللانهائية.. وأرصد إحداثيات جندي يشبهني يختار الانتحار قبل هزيمته بحرب لا شأن له بها.. هل يمكن إيضاح هذه الرؤية..؟

** في "موتى يعدون الجنازة"، ثمة مقترحات جمالية طارئة جديدة على الشعرية، وهذا ما تم الكشف عنه أكثر لدى ترجمة جل قصائده إلى الروسية وسواها، وتلقف النقد لها بأدوات مختلفة. نصوص شعرية تفترق عن السائد الشعري مبنى ومعنى. هكذا رأى نقاد كثيرون. ورأى نقاد آخرون لدى ترجمة جل قصائده أنني جعلت من تفاصيلي الخاصة عالماً جمالياً إنسانياً. من هنا بدأت أقبض على رؤيا أن الفلسطيني صُلب على أعلى الصلبان، فآلامه ليست درباً لممارسة السياحة بل تكثيفاً لجوهر انتصار الألم على السكين، وبقاء صورة الضحية أجمل من ملامح قاتلها في مرآة التاريخ الإنساني، ومسألة صلبه ليست جريمة عابرة بل بدء عصر جديد يكتب الإنسان والعالم برؤيا جديدة أبدية. هذا هو حال الفلسطيني المكثف بي. وهجائي لأبي لحظة موته هو رثاء لذاتي بتخليه عني وهو الذي حمّلني الروح والألم الفلسطيني، وانتحار جندي يشبهني، لأنه يرى أن استشهاده في أية حرب مهزومة أصلاً لن يتعدى بقاءه وساماً على صدر القائد الرمز، تماماً كاحتضان لوركا للحظة إعدامه بابتسامة ظلت تطارد قاتله.. وكذا قضية الحب حين تصبح الخيانة أحد صورها، لكني في الديوان أقول: "أنت تخونيني مع زوجك" لأن الحب هو الحقيقة فيما الخيانة ليست الحق إلا لمن يمتلك حقيقة الحب.. قطبا الفن الأعظمان: الحب والموت في (موتى يعدون الجنازة) موقفان رؤيويان وليسا بعدين لحاسة أو فكرة أو معنى مألوف.

* يذهب البعض إلى أن أهم ما يميز الشعر الحديث كونه لا يأبه بالمواصفات ولا بالأعراف ولا بالقيم الاجتماعية والفلسفية. لا سيما بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967 فقد أسقط من حسابه كل القيم... ما قولك في هذا؟

** علينا تحديد المصطلح من جديد، فإذا كنت تقصد الشعر الذي كسر نظرية عمود الشعر العربي القديم، فهذه مسألة. ثم ما المقصود بالمواصفات والأعراف والقيم الاجتماعية والفلسفية.. ثمة فرق بين الشعر الحديث والجديد، فالحديث متعلق بزمان محدد ينتهي بانتهاء هذا الزمن، فيما الجديد من الشعر هو الذي يبقى متجددا ً في الزمن الشعري. ثم، هل قصيدة النثر (وأنا أسميها شعراً وحسب) جزء من هذا المصطلح؟..

الأساسي أن الشعر الجديد هو الذي يتحرك نحو المستقبل، وبالتالي يعلن انقطاعه عن الماضي الشعري (أي شكل شعري كتب قبله)، وكذلك النظم الذهنية والتصورات التي أنتجت هذا الماضي الشعري. فلا يمكن أن تكون شاعراً جديدا وتكرر مبان ومعان شعرية مألوفة، أو مخلوقة منك نفسك. فكل منجز شعري، كاللحظة، يصبح ماضياً في لحظته طالما الزمن في حركية أبدية إلى مستقبله.

إن النماذج والأعراف والقيم لابد، بحكم التطور، تختلف تبعاً لتحركات الذات والفعل الإنساني التاريخي. فإذا كان الحب العذري، مثلاً، قيمة شعرية وعرفية (وسمّها فلسفية إن شئت)، في عصر قيس بن الملوح، فهل تطالبني أن أكتب بنموذجه الشعري، وبطريقة تفكيره المستلبة للعرف، في القرن الواحد والعشرين؟ لا يمكن أن أقول: "أحب ّبعيرها بعيري"، وإذا قلت "مرسيدسي مازداها مثلاً" فمن المضحك أن يرى أحدهم أن هذا تجديدا، كما اعتبروا مجرد ذكر الطائرة، التي سماها الرصافي "مطية" تجديداً لدى شعراء الكلاسيكية الجديدة. أمر يدعو للدهشة والريبة معاً. كل القيم التي نملكها هي تصورات سابقة، وكل فسلفاتنا لا تبتعد عن التصور الديني المقدس، وإلا فسيكون مصير من يبتعد عنها الاتهام بالزندقة والتكفير. شيء مرعب أن يستخدم أحد ما الفضائيات والفيس بوك والتويتر وسواها من منجزات الحداثة ويلقّن بضرورة العودة إلى أساليب تعبير وتفكير العصور الوسطى. ويغضّ الطرف عن الخيانة التي أصبحت وجهة نظر، كإهداء جل فلسطين للإسرائيليين، وعن تهويد القدس.. ويؤيد قتل طرف لآخر بوصفه جهاداً لدى منهم وقضاء على الفتنة لدى آخرين، والأمثلة لا حصر لها هنا. ومن هنا، كيف يمكن أن يكون الشاعر جديدا، ويتحالف مع ديكتاتور أو قاتل أو سلفي؟

أسئلة الإبداع لا تفترق عنه. هي جزء من عناصره وحركته. لكن بالمقابل، يبقى العبث بالشعر والرؤى، أو تعمّد كسر القيم الإنسانية، شيء يختلف عليه، ولا أتفق كثيراً معه.

* في (رعاة السماء رعاة الدفلى) جاء الصوت الشعري لـ "يعلو بالألم الفلسطيني الجمعي, لكنه لا يقيم مصالحة مع الذائقية الجمعية, ولا يستظل في مرايا الخطاب الفلسطيني السائد".. ؟

** بدءاً، الديوان مهدى قُدّاساً لمديح ظل محمود درويش العالي. وهو يؤرخ لتجربة الألم لفلسطيني مطلع هذا القرن. لكنه يقدم، في جزئه الأول، اقتراحاً جديداً جمالياً لشكل القصيدة عبر كسر الصفحتين المتقابلتين بحيث يتمكن القارئ من قراءة الصفحة أو الصفحتين المتقابلتين، ويشارك في كتابتهما وفق مقتضيات ثقافته الشعرية. كما يخلق علاقة تناصية بين متن النص وهامشه، وهي استكمال لمشروع كتابة الرواية الفلسطينية الإنسانية في مواجهة الحكاية العدوة. لكن الألم الفلسطيني في الديوان ليس نتاج الجرح القادم من الآخر /العدو بل من الذات/ الأنا الجمعي. فما يزال من أدخل الأعداء مخادع نسائنا، يتفاوض على ألمنا مع قاتلنا وفي أنخابهما دمنا!. فلا طاقة للجسد /الجغرافيا، الذات/ التاريخ أن تحتمل هذا الألم أو تتصالح معه، ليس كونه طارئاً أو عميقاً، بل لأنه ألم يتحرك بالروح إلى أعلى درجات الوجع الإنساني الأبديّ. هنا تتكشف الرؤيا فإذا كانت فلسطين /جسداً/ جغرافيا تحولت من أرض محتلة إلى متنازع عليها، فإن الفلسطيني /الإنسان/ اللاجئ هو الروح الذي لن يحل به السلام، أو يهب السلام، إلا بأمن جسده، بما في ذلك الحجارة التي لم تدل على أثر العابرين والهواء الذي أفسدته رئاتهم.. وهنا يصبح الألم معادلاً موضوعياً وجمالياً للحلم. وتصبح العودة في الحلم ليست منقوصة، كعودتي إلى غزة مثلاً. العودة المنقوصة جعلت حلمي بالعودة إلى الجسد كله منقوصاً، وألمي انشغال روحي بالجسد كله دون مصالحة أو تقنّع.

والافتراق الذي ينحاز إليه الديوان أنه يعلن القطيعة مع المقترح السياسي المقدم، ويرتطم بمقدمات الذائقية العامة القائمة على إدخال فكرتها الأولى، وحلمها الأول بألميهما الأوليين، إلى حظيرة تاريخ لا يكتبونه، بل يكتب لهم، كنص شعري، أو رؤية سياسية، أو معنى وجودي.

* من المعروف أنك ترفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي وهيمنة الشروط السياسية على الشروط الفنية، وسؤالي كيف تنظر إلى علاقة المثقف بالسلطة السياسية.. وما المطلوب من المثقف الفلسطيني في هذه المرحلة بالذات؟

** أرفض هيمنة السياسي ليس فقط على الثقافي. ألم يدخلنا هذا السياسي في دوامة حروب بينية وعربية؟ ألم يكن مسؤولاً عن تدمير حلمنا بالعودة وتحويله إلى دولة أقل من النظرة؟ ألم يحوّل أرضنا المحتلة إلى أراض متنازع عليها، وشعبنا تحت الاحتلال إلى سكان بإدارة محلية تسمى دولة في رام الله وحكومة في غزة؟ هل قام السياسي بحماية المثقف الفلسطيني مثل غسان كنفاني وماجد أبو شرار وكمال ناصر, ألا يستحي سياسيونا من تاريخهم طالما لم يسددوا تكاليف عملية العبقري ناجي العلي الذي دفن في لندن بعيداً عن موطنه عين الحلوة أو وطنه فلسطين لعدم السماح لجثمانه بالعودة؟ ألا يعبثون بقضية فلسطين كقضية ثقافية حين يصدرون للعالم خطاباً ثقافياً رديئاً يسيء لفلسطين كلها؟ ألا يخجلون من أنفسهم وأراضي السلطة الفلسطينية (أعتذر عن هذه التسمية، فقط أوردها للتحديد) لا تمتلك دار نشر واحدة، وغزة لا يوجد فيها قاعة عرض سينمائي واحدة (كانت قلعة السينما فيها قبل نكبة فلسطين من كبريات قاعات السينما في المنطقة كلها)؟. هل أذكر لك أسباباً أخرى تجعلني أحيل السؤال إلى وجوده الأول: أليس السياسي فينا عرّاب خيباتنا كلها؟.

على المثقف أن يجعل السؤال الثقافي القادر على تكريس قضية فلسطين كأم القضايا الإنسانية كلها ليستفيق العالم على احتضان مأساتها وهو يقابل تاريخه في مرآته، في مواجهة الجواب السياسي الذي يجعل منها مسألة تفاوض على ما يمكن أن يتم التفاوض عليه بعد درب آلام طويل من التنازلات.

2-6-2013 1:35 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013