جديد الموقع
المكتبة الثقافية

فضائل البيت المقدس لأبي بكر الواسطي

2-5-2007 3:59 AM

عصام محمد الشنطي [1]

مخطوطة فريدة، ونفيسة، كانت تقبع في مكتبة جامع أحمد باشا الجزار، في مدينة عكا، الواقعة على الشاطئ الشمالي الفلسطيني. وهي الآن أسيرة في الجامعة العبرية!

وعلى الرغم من أن هذه المخطوطة قد صدرت مطبوعة محققة عن الجامعة المذكورة بالقدس على يد إسحاق حسون، فإننا رأينا نشر هذا العرض لأن المطبوعة صعبة المنال، وفيها سقطات، وعليها مآخذ.

وليس العرض مجرد تعريف، بل هو غوص في المادة العلمية، وتنقية لها من الشوائب، ورصد لما وقع فيه المحقق، ساعد على ذلك أن الباحث كان قد قطع مرحلة كبيرة في إعدادها للنشر.

لعل أول من نبه إلى هذه المخطوطة، في وقت مبكر، هو عبد الله مخلص [2]، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق، في مقالته التي نشرها عام 1930م في مجلة المجمع[3]. وقد أشار فيها إلى نفاستها، وإلى مؤلفها أبي بكر محمد بن أحمد الواسطي، وأنها محفوظة في مكتبة جامع أحمد باشا الجزار في مدينة عكا، الواقعة على الشاطئ من شمال فلسطين. وهي نسخة وحيدة، ليس لها ثانية في خزائن المخطوطات العربية.

ويبدو، من أثر هذا التنبيه، أن اهتمت دار الكتب المصرية بهذه المخطوطة، وما صاحبها من رسائل في المجموع، فحملها الشيخ محمد عبد الحافظ التيجاني عام 1932م من مستقرها ف عكا إلى القاهرة، حيث صورتها الجار صورة فوتوغرافية[4]، ومن ثم رد الأصل إلى موضعه في فلسطين.

وحين نشر أحمد سامح الخالدي، في مدينة يافا، علم 1365هـ[5]، الفصل الأخير من كتاب مثير الغرام بفضائل إلى زيارة القدس والشام، لأبي محمود شهاب الدين أحمد بن محمد بن سرور المقدسي، المتوفى 765هـ، أشار في مقدمة هذه النشرة[6] إلى كتاب الواسطي، وبين أن لديه نسخة معتبرة من هذا الكتاب القيم، وانه في سبيل نشرها في القريب. ولم يذع الخالدي تفصيلاًَ عن النسخة التي بين يديه. والراجح أنه يعني نسخة جامع أحمد باشا الجزار، التي أشرنا إليها قبل قليل.

وكان الدكتور إسحاق موسى الحسيني، رحمه الله، بفرط وفائه لوطنه فلسطين، ولمدينته القدس خاصة، قد اعتنى بهذه المخطوطة، ونجح، وهو في القاهرة بأن يحصل على صورة من هذه المخطوطة الأصلية، القبعة في عكا. وكانت هذه المدينة مع غيرها من المدن العربية الأخرى، قد وقعت، منذ علم 1948م، في الأسر الإسرائيلي. وحصل كذلك على صورة من هذه المخطوطة[7]عن الصورة المحفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة، منذ عام 1932م. ومت ثم زودني الدكتور الحسيني متفضلاً، بالصورتين معاً، حاثاً إياي على تحقيقها ودراستها وفاء لهذه المدينة العظيمة، وكشفاً لمدى محبة العرب والمسلمين لها، ولما لحق مثل هذه المؤلفات من إسرائيليات، ومن أقاصيص شعبية زائفة. وكان العزم معقوداً على أن تقوم (هيئة القدس العلمية) في القاهرة بنشرها بعد الفراغ منها[8].

وأخذت أعمل في هذه المخطوطة، ونسخت نحو نصفها ( إلى منتصف ورقة 46 ب)، وحللت كثيراً من مشكلاتها، وجمعت مادة وفيرة، من شأنها أن تنير موضوع المخطوطة. وكنت اقترحت بعد حين، وبعد التشاور مع الدكتور الحسيني، على قسم التراث العربي، التابع للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، عقب اتصاله بي بمناسبة إنشائه، أن يتولى نشر هذا المصنف بعد إ تمامي إياه، فوافق على ذلك[9]. وأغذذت السير في العمل إلى أن فجأني ما وصل إلى مسامعي أن المخطوطة قد صدرت محققة عن الجامعة العبرية بالقدس.

وحاولت منذ ذلك الحين الحصول على نسخة من هذا العمل، أو على صورة منه، على أقل تقدير، لقلة انتشاره، وصعوبة الحصول عليه في أرجاء الوطن العربي. وكان الهدف رؤية ما صنع الباحث في المخطوطة من تحقيق ودرس. واستطاعت الدكتورة هادية الدجاني، وهي في كندا، أن تزودني، مشكورة بصورة من بضع صفحات من الكتاب المنشور، وهي الصفحات الأخيرة منه (ص117-123) المحتوية على مصادر المحقق ومراجعه لتحقيق النص والتقديم. ولما لم يف ذلك الباحث بالغرض المطلوب، كتبت إلى الدكتوركامل جميل العسلي في عمان، وهو الباحث المعتني بتراث مدينة القدس خاصة، ليمكنني من نسخة من الكتاب المنشور، أو صورة منه، فصدق ظني، ولم يخب رجائي، ومكنني من نسخته، فصورت العمل كاملاً[10]، وأعدت إليه نسخته، وأنا ألهج بالشكر والعرفان.

ويعود هذا العمل إلى أن مئيري. قسطر meir j. kister، الأستاذ بالجامعة العبرية، قد نبه تلميذه إسحاق حسون isaac hasson إلى المخطوطة، ووضعها تحت تصرفه، فعمل على تحقيقها بإشراف أستاذه وتوجيهه، وقدم لها،ونال بهذا العمل، عام 1969م، درجة الماجستير من قسم اللغة العربية وآدابها، في معهد الدراسات الآسيوية والإفريقية بالجامعة العبرية. وظل هذا العمل مجهولاً لدينا عشرة أعوام، إلى أن صدر- بعد أن أضيف إليه بعض المراجع والملاحظات- عن هذه الجامعة مطبوعاً عام 1979م.[11] وجاءت المقدمة، ثم النص، والفهارس، والمصادر والمراجع، في 162 صفحة من القطع المتوسط، ألحق بها 29 صفحة للمقدمة باللغة الفرنسية.

(1)

وصف المخطوطة

لم تكن المخطوطة الفريدة (فضائل البيت المقدس) للواسطي، وحيدة بين دفتي علافها، بل كانت ضمن مجموع نادر من المخطوطات المتنوعة. وقد وصف عبد الله ملخص هذا المجموع في المقالة التي نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، عام 1930م، على نحو ماذكرنا في صدر هذه المقالة. واهتم بهذا المجموع المستشرق جيمز أ. بلمي james a. bellamy، محقق كتاب مكارم الأخلاق، لابن أبي الدنيا، المتوفى 281هـ، الذي نشره عام 1393هـ/1973م.وكان بلمي قد سافر، إلى مدينة عكا الأسيرة، عام 1963م، أو بعده بقليل، بعد أن قابل في القاهرة الشيخ محمد عبد الحافظ التيجاني، ونصحه بضرورة رؤية المجموع بنفسه، غير مكتف بصورة دار الكتب المصرية منذ عام 1932م. وأقام بلمي في عكا يومين، مكنه فيهما أحمد إدلبي، أمين اللجنة الإسلامية في المدينة، من تفحص المجموع، وتسجيل ملاحظاته عليه. وبعد زيارته لعكا ببضع سنين، وقبل عام 1970م. وهو تاريخ كتابته مقدمة مكارم الأخلاق الذي حققه ونشره، زود بلمي بصورة كاملة عن أصل هذا المجموع. ويغلب على ظني أن هذا المستشرق هو الذي زود الدكتور الحسيني بصورة الأصل من مخطوطة فضائل البيت المقدس للواسطي. وجاء وصف بلمي لهذا المجموع، في مقدمتين عقدهما لكتاب مكارم الأخلاق، الأولى بالعربية، والثانية- في شيء من التفصيل- بالإنجليزية.

يحتوي هذا المجموع على أربعة عشر كتاباً ورسالة مخطوطة، آخر تسعة منها من تأليف ابن أبي الدنيا، منها كتاب مكارم الأخلاق، وهي النسخة التي اعتمد عليها بلمي في تحقيق الكتاب ونشره، وهذا هو سر اهتمام بلمي بهذا المجموع أساساً.

نسخ هذا المجموع كله ناسخ واحد، يدعى أبا المحاسن الحسين بن موسى بن الحسين الخويي[12]. وهو غير معروف ولم اعثر له على ترجمة في المظان. ولم ينسخ هذا المجموع في فترة زمنية واحدة، أومتقاربة بل تباعدت بمقدار بضع سنين وأبكر تاريخ مدون على أغلب هذا المجموع هو سنة 583هـ، وأحدث تاريخ سنة 589هـ. أما خط الناسخ فهو نسخي دقيق، قليل النقط، وغير مشكول. وبعد شيء من الدربة والإلف يمكن قراءته في غير صعوبة. وقياس أوراق هذا المجموع، عرضاً وطولاً، 12 12سم. وفي فهرس معهد المخطوطات العربية- نقالً عن فهرس دارا الكتب المصرية- 13 22سم والفارق بينهما آت- في الغالب- من قياس الأوراق ذاتها في الحالة الأولى، وقياسها مع غلاف المجموع في الحالة الثانية. وتحتوي الصفحة في المجموع كله على 21 سطراً، لا تشذ عن هذا النظام مخطوطة الفضائل للواسطي، التي يبلغ عدد سطور صفحاتها 21 كذلك.لقد لحق بعض مخطوطات هذا المجموع اضطراب في ترتيب أوراقها، جاءت من خطأ مجلد المجوع في أوائل هذا القرن، على الأرجح. ولعل من حسن الطالع أنه لم يلحق بمخطوطة الواسطي اضطراب ما في ترتيب أوراقها، فهي منسوقة التتابع وتعرضت بعض سطور المجموع إلى طمس من أثر رطوبة، إلا أن مخطوطة الواسطي سلمت منها، ولم يعتورها طمس ولا نقص. أما أكل الأرضة الذي تعرض له المجموع، فهو قليل، لم يصل إلى سطوره المكتوبة.

وجاءت مخطوطة فضائل البيت المقدس، موضوع هذه المقالة، الرابعة في ترتيبها من بين المجموع وابتدأ ترقيمها في أعلى الأوراق، وهو ترقيم الأقدم، من ورقة 37 إلى الورقة 61 أما ترقيمها الأحدث وهو في أسفل الصفحات، فأبتدأ من صفحة 66 إلى الصفحة 114. وبهذا أتمت المخطوطة 25 ورقةـ أو 49 صفحة.

وسبق هذه المخطوطة في المجموع وهي الثانية فيه كتاب ( فضائل الشام وفضل دمشق )، لأبي الحسن علي ين محمد بن شجاع الربعي المالكي، المتوفى 444هـ، الذي حققه الدكتور صلاح الدين المنجد، ونشره في دمشق عام 1950م عن النسخة أخرى دون أن يطلع على النسخة.

وتلا مخطوطة الواسطي من الفضائل أيضاً، وهي الخامسة في المجموع كتاب فضائل مصر لعمر بن محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، من رجال القرن الرابع الهجري، وهي ناقصة، أما بقية المخطوطات في المجموع فالتسع الأخيرة منها لابن أبي الدنيا، على نحو ما ذكرنا سابقاً، ومخطوطتان أخريان (الأولى والثانية) لا يهمنا ذكرهما هنا.

ولم يذكر في آخر مخطوطة الواسطي كما هي عادة النساخ سنة نسخها ولكننا نستطيع القول إنها نسخت سنة 583هـ، أو بعد ذلك بقليل لأن مخطوطة الربعي فضائل الشام وفضل دمشق الواقعة في المجموع قبل مخطوطة الواسطي مباشرة، فرغ الناسخ من نسخها، في دمشق، في اليوم الرابع والعشرين من شهر المحرم، سنة 583هـ، ولأن المجموع كله كتب بخط واحد، ونسخ مابين سنتي 583 و 589هـ.

وقد ختمت مخطوطة الواسطي، في أولها، في أسفل صفحة العنوان، بخاتم كتب فيه العبارة التالية : وقف مكتبة المدرسة الأحمدية في جامع أحمد باشا الجزار في عكا المجددة وفي داخل إطار الخاتم، في آخر هذه العبارة، كتبت سنة الوقف. وهي غير مقروءة في المصورتين لدي. ويبدو أنها غير واضحة المعالم في النسخة الأصل المحفوظة في عكا، والتي لطلع عليها المستشرق بلمي بنفسه. ولم يستطع قراءتها أيضاً[13]. أما المحقق إسحاق حسون فقد قرأها سنة 1323، متشككاً في صحة قراءته بوضع علامة استفهام عقب هذه القراءة[14].

وواضح أن هذه المخطوطة، بل المجموع كله، قد اعتدي عليه قبيل اشتغال إسحاق حسون بها. فقد نقلت من مكانها الشرعي الذي حفظت فيه سنين طويلة إلى الجامعة العبرية. لقد قال إسحاق حسون في مقدمة نشرته إن أستاذة مئير ي. قسطر (( وضعها تحت تصرفي))[15]، ولم يقل أنه مكن من مصورتها.

وقد تشكك الدكتور جميل كامل العسلي، في وقت مبكر (عام 1981م)، في بقاء المخطوطة في مكانها في مدينة عكا، وأشار إلى احتمال انتقالها. يقول[16]: ( المخطوطة الوحيدة التي عثر عليها من كتاب فضائل البيت المقدس للواسطي، هي المخطوطة الموجودة- أو كانت موجودة؟- في جامع أحمد باشا الجزار في مدينة عكا).

وطبيعي والحال هذا، ألا يذكرها المفهرس محمود علي عطا الله من بين مخطوطات المكتبة الأحمدية في عكا، وهي الملحقة بجامع أحمد باشا الجزار، في فهرسه الذي نشره مجمع اللغة العربية الأردني، في عمان، عام 1403هـ/1983م. وقد وصف فيه المفهرس فيه ثمانين مخطوطة في هذه المكتبة، ليست منها مخطوطة الواسطي، ولا مخطوطات المجموع كله. ويعود تاريخ أقدم مخطوطة وصفت في هذا الفهرس إلى سنة 733هـ. أما المجموع كله يعود تاريخ نساخته إلى عام 583هـ، أو بعد ذلك ببضع سنين. وقد أشار المفهرس في مقدمة فهرسه المذكور التي تحمل تاريخ أول أغسطس من عام 1983م، إشارة خفية إلى أن بعضاً من مخطوطات المكتبة قد فقد لسبب أو لآخر. وجاءت عبارته على النحو التالي[17]: (( ومما تجر الإشارة إليه، أن المخطوطات التي تم التعرف عليها وكشفها، لا تشكل المكتبة الحقيقة التي عرفت أيام الجزار، بل إن ما تم التعرف إليه لا يشكل سوى النزر اليسير، لأن قسماً من هذه المخطوطات فقد لسبب أو لآخر)).

ونعلم أن المستشرق بلمي قد اطلع عليها في مكانها بعكا سنة 1963م، أو بعدها بقليل، وأنه بعد بضع سنين أرسلت إليه صورة المجموع كله، دون أن يفصل كيف تم ذلك. ذكر هذا في مقدمته التي حررها عام 1970م. ونعلم أيضاً أن إسحاق حسون نال درجة الماجستير بتحقيقها والتقديم لها عام 1969م. ومعنى هذا أن المخطوطة قد نقلت من مكتبتها في عكا الأسيرة إلى الجامعة العبرية قبل ذلك بعام أو عامين، على وجه التقريب. وأن مئير ي. قسطر، أستاذ إسحاق حسون، هو الذي صور المجموع كله، بعد نقله وزود به المستشرق بلمي. وهذا السطو على المخطوطات العربية بالقوة، هو سبب من أسباب تغريب التراث العربي وبعثرة مخطوطاته في غير العالم العربي والإسلامي.

(2)

المؤلف: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد الواسطي المقدسي[18]. ولم يصل إلينا عنه إلا القليل، الذي لا يطفئ الظمأ، ولا يشفي غليلاً. فالسمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد ابن منصور التميمي، المتوفى 562هـ، صاحب كتاب(الأنساب)[19] ذكر المؤلف عرضاً عند ذكر أخيه أبي حفص عمر الواسطي، نزيل بيت المقدس.

أما القاضي مجير الدين العليمي الحنبلي، المتوفى 927هـ، صاحب كتاب ( الأنس الجليل بتاريخ القدس ولخليل)[20]، فهو يترجم لكثير من المقدسيين، ولكنه لا يجد للواسطي ترجمة في المصادر يرويها لنا في كتابه، سوى أنه عده من خطباء المسجد الأقصى الشافعيين في بيت المقدس.

وبإزاء هذا الغموض حول المؤلف، نجد من المحدثين من جانبهم الصواب، كالمستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكو فسكي[21]، المتوفى 1951م، الذي قرر أن الواسطي قد وضع كتابه حوالي عام 500هـ. ونعد قول كراتشكو فسكي هذا من الوهم، لأن الواسطي لم تصل حياته، بكل تأكيد، إلى هذه السنة، للأسباب التي سنذكرها بعد قليل، ولأنه من شيوخ ابن عقيل، المتوفى سنة 513هـ[22]

ويقع في الوهم أيضاً الدكتور إسحاق موسى الحسيني[23]، الذي يجد في أن يعثر على ترجمة للواسطي، فلا يقع على شيء من ذلك. لكنه ولكنه يجتهد فيرجح أن والد المؤلف أحمد بن محمد الواسطي، هو الذي ترجم له تاج الدين السبكي، المتوفى 771هـ، في طبقات الشافعية الكبرى[24]، وهو الذي كان مع ابن الموفق-الخليفة العباسي المعتضد بالله-في الوقعة التي جرت بينه وبين خمارويه بن أحمد بن طولون، التي تسمى (وقعة الطواحين) بنواحي الرملة، وأنه كان كاتباً له. ويستمر الدكتور الحسيني في الاستنتاج فيقول إنه من المحتمل أن الابن (وهو المؤلف) انتقل إلى بيت المقدس حيث تولى فيها الخطابة، وحدث بكتابه في بيته سنة 410هـ.

ويلاحظ الدكتور كامل جميل العسلي[25] بعد هذا الافتراض والاستنتاج، لأن وقعة الطواحين جرت حوالي سنة 280هـ، ومن الصعب أن تخلص إلى أن أحمد الواسطي الذي اشترك فيها يمكن أن يكون أبا المؤلف الذي ولد بعد المعركة بما لا يقل عن مئة عام.

ولا يفيدنا كثيراً ما وصل إلينا من نسبة المؤلف إلى واسط، وأنه هو أو أجداده، كانت موطنه الأصلي، فلا يستقيم الافتراض أنه منسوب إلى مدينة واسط العراق، رغم شهرتها، وهي التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد الأمويين، وفرغ من بنائها عام 86هـ. نقول ذلك لأن ياقوت الحموي في ( معجم البلدان)، روى لنا في مادة واسط[26] أكثر من خمسة عشر موضعاً في العراق وغير العراق يحمل هذا الاسم، وأن كثيراً من هذه المواضع قد نسب إليها علماء غير هذا المؤلف[27].

وحسبنا من حياة الواسطي، فوق ما عرفناه، على قلته، ما تكشفه لنا مخطوطة الفضائل التي نحن بصددها. ففي أولها أنه قرأ الكتاب في منزله ببيت المقدس عام 410هـ. وحين نفترض أنه كان آنذاك قد بلغ مبلغ الرجال، وبلغ من العلم أن وضع هذا كتابه هذا، يصبح من المفروض أن نفترض أيضاً أنه ولد في أوائل الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، وأنه كان حين حدث الكتاب في منزله في الثلاثين من عمره، يقل أو يزيد، قليلاً.

ويكشف لنا الكتاب أنه كان على اهتمام في الحديث النبوي، وأن الأحاديث النبوية التي أوردها، وكذلك جميع الأخبار الأخرى[28]، رواها بأسانيدها كاملة دون حذف أو اختصار، متبعاً في ذلك طرق المحدثين. ومن هذه الأسانيد عرفناه شيوخه، كما عرفنا من بعضه شيوخ أخيه أبي حفص عمر، الأمر الذي يفضي أن أخاه هذا كان على اهتمام وعناية بالحديث النبوي أيضاً. وعرفنا كذلك بعض من نقل عنه الفضائل، سواء كانت النقول فصولاً كاملة، أو أحاديث وأخباراً متفرقة.

(3)

مباحث الكتاب ومصادره:

تعود أهمية هذا الكتاب إلى أنه أقدم كتاب مستقل، وصل إلينا، تختص مباحثه بأكملها في فضائل البيت المقدس. هذه المدينة التي أسماها المؤلف بهذا الاسم الذي غلب عليها بعد الفتح الإسلامي لها، هو واسم بيت المقدس.

وقد وصل إلينا قبل الواسطي أكثر من كتاب طرق موضوع فضائل هذه المدينة، ولكن هذه المباحث لم تفرد في كتاب مستقل يحمل هذا العنوان، أو قريباً منه. ولا شك أن الواسطي قد أفاد مما سبقه من هذه المؤلفات التي أتت على هذا الموضوع على نحو ما. فابن قتيبة الدينوري، المتوفى 276هـ، يختار في كتابه (عيون الأخبار)[29] من التوراة والإنجيل والزبور. ويذكر كيف كان الشجر يكلم سليمان النبي في محرابه. ويروي عن وهب ابن المنبه مناجاة عزير ربع فيما يتعلق ببيت المقدس، وما أوحى الله داود النبي في الزبور.

ويتأثر ابن عبد ربه الأندلسي، المتوفى 328هـ، في كتابه (العقد الفريد)[30]، بابن قتيبة، ويتوسع في أخباره عن بيت المقدس، ويروي خبراً مفاده أنه كتب على جدار من كتب المدينة بيتان من الشعر من الذهب. ويصف مسجد بيت المقدس، وما فيه من آثار الأنبياء، وطوله وعرضه وعدد قناديله، وعدد خشبه وأبوابه ومحاربيه. ومما ذكر بالأخبار أنه كان طول صخرة بيت المقدس في السماء اثني عشر ميلاً، وكان أهل أريحاء يستظلون بظلها، وأهل عمواس مثل ذلك. وكان عليها ياقوتة حمراء تضيء لأهل البلقاء، وتغزل النساء في ضوئها. ويذكر وادي جهنم الذي يقع شرقي بيت المقدس، ومحراب مريم ابنة عمران التي كانت الملائكة تأتيها فيها بفاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وفضل البلاطة السوداء التي تسامي الصخرة لأنها على باب من أبواب الجنة. ويذكر من (فضائل بيت المقدس). زفاف الكعبة بحاجها إلى بيت المقدس، والحجر يومئذ أعظم من جبل أبي قبيس.

ومن هؤلاء أيضاً الذين سبقوا الواسطي في التأليف، الحسن بن أحمد المهبلي-وهومن رجال الحديث-المتوفى عام 380هـ، وهي سنة قريبة من ولادة الواسطي، على نحو ما قدرنا ذلك في موضعه من هذه المقالة. فقد ألف المهبلي هذا الكتاب ( المسالك والممالك العزيزي)، وعقد فيه فصلاً بعنوان ( صفة بيت المقدس )[31]، تحدث فيه عن مكانة هذه المدينة. وكانت مادته الجغرافية هي الطابع العام لهذا الفصل. ولكنه حين يصف بيت المقدس قبل الإسلام يعتمد على أهل الكتاب من اليهود، ومن النصارى. ويذكر المهبلي وادي جهنم الواقع شرقي المسجد. ويروي من الأخبار الغربية أن المصلين كانوا يصلون في المسجد متلاصقين، فإذا سجدوا وجدوا بين كل اثنين منهم أربع أذرع، كأن الأرض تتسع بسجودهم.

وقد قصدت أن أذكر بعض هذه المباحث، ليتضح أن كثيراً من مباحث الواسطي وأخباره كانت متداولة في كتب قد سبقته على أنها من فضائل بيت المقدس.

لقد قسم الواسطي مادة كتابه إلى أبواب بلغت أربعة وثلاثين باباً. كل باب يحمل عنواناً لمادته. وهي أبواب متفاوتة طولاً وقصراً. ويحس قارئها بوضوح أنها غير محكمة الترتيب، فلا هي مرتبة وفق مصادرها المختلفة، أو وفق ترتيب زمني تاريخي، يلتزم فيها من أقدم العصور إلى العصر الإسلامي المبكر، فاللاحق له. ثم إن الباب نفسه لا تنطوي أحاديثه وأخباره كلها تحت عنوان الباب. فنجد بعضها أولى أن يذكر في باب آخر. ولعل هذا هو سبب توزع بعض الأحاديث والأخبار ذات الموضوع الواحد على أكثر من باب، ومثل هذا الاضطراب شائع في الكتاب، لا نحتاج إلى ضرب الأمثلة لندلل عليه.

كما نجد بعض الأحاديث والأخبار التي افتتح الواسطي بها كتابه، لم يطلق عليها اسم باب تنطوي تحته، وهي أحاديث وأخبار تتعلق (بشد الرحال)، وبناء داود وسليمان الهيكل، وفضل الصلاة في المسجد الأقصى، وفضل محراب داود، والساحة في عين سلوان لأنها من الجنة[32]. يضاف إلى ذلك أننا نجد في تضاعيف الكتاب ثلاثة عنوانات لا تنطوي مادتها تحت باب من أبواب الكتاب المعدودة. وهذه العنوانات هي: حديث الرجال، وحديث قيصر، وذكر فتح بيت المقدس على الصلح[33].

ولعل خلو الكتاب من مقدمة تشرح منهجه ومصادره ودواعي تأليف وأهدافه، على نحو ما نجد في بعض كتب فضائل بيت المقدس اللاحقة، وكل هذا الذي ذكرناه آنفاً، يشهد على ما نزعمه من إحكام تبويب مادة الكتاب. والحق أن هذا هو شأن كل مصنف له فضل السبق، لا يتوفر فيه نضج التأليف والتصنيف.

على أن هذا الكتاب بفضل سبقه، يعد في ذاته مصدراً من أهم المصادر التي نقل عنه كثير ممن ألف في فضائل بيت المقدس، بعد عهد المؤلف في مطلع القرن الخامس الهجري. وبعض هؤلاء النقلة أشاروا إليه إشارة صريحة، وبعضهم لم يفعل ذلك، رغم وضوح هذا النقل. وليس من همنا هنا أن نذكر من أفاد من هذا المصنف لكثرة عددهم.

ويتصل بهذه الفائدة بأن الواسطي لم يفته أن يذكر في كتابه أسماء الصحابة الذين سكنوا بيت المقدس والتابعين، وماتوا بها، ومن أعقب منهم وقبورهم بها[34]. ولا شك أن مثل هذا الاستيفاء المقتضب هو النواة فيما فصل فيه من ألف في فضائل بيت المقدس من اللاحقين، وترجم لهم، كما ترجم للعلماء والصلحاء المتقين الذين زاروا المدينة، أو أقاموا فيها، ودفنوا في ثراها.

وبإزاء عدم شيوع هذا الكتاب مطبوعاً في الوطن العربي والإسلامي، فإنه لا بد من الإطالة بذكر أبواب الكتاب، ليقف القارئ على جوه، وعلى حدود مباحثه، الأمر الذي سيعين على استبيان مصادره حين نأتي على ذكرها بعد قليل.

وأبواب الكتاب على نحو ما وردت فيه، هي: باب وادي جهنم. باب أي مسجد وضع أولاً. باب من أتى بيت المقدس. باب الحسنات تضاعف في بيت المقدس. باب فضل بيت المقدس والصلاة فيه. باب ما روي عن ذي الأصابع وخبره. باب حديث طاطري وما حمل من بيت المقدس. باب فضل بيت مسجد بيت المقدس، باب كانت اليهود تسرج مصابيح بيت المقدس. باب فضل عين سلوان وزمزم. باب قول عمر رضي الله عنه أين نضع المسجد. باب من مات في بيت المقدس. باب طور زيتا. باب في المحراب. باب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى إلى بيت المقدس.باب فتح بيت المقدس. باب عمران بيت المقدس. باب ذكر الجبال. باب من أهل بيت المقدس. باب بيت المقدس كأس من ذهب. باب في بيت لحم وفضل الصلاة فيه. باب فضل الصخرة والماء الذي يخرج من أصلها. باب معراج الصخرة. باب فضل الصلاة في الصخرة وخبر السلسلة. باب آدم عليه السلام. باب فضل الصخرة ليلة الرجفة. باب بناء عبد الملك بن مروان الصخرة. باب ينادي المنادي من مكان قريب. باب يوم ينادي المنادي من مكان قريب. باب في فضل البلاطة السوداء. باب مسكن الخضر (ص). باب لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة. باب حديث الورقات. باب من حديث الإسراء الذي أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

ويمكن أن نردد هذه الأبواب جميعاً، بل مادة الكتاب كلها، إلى مصادر إسلامية وغير إسلامية، لا تخرج عنها، وهي:

1-     القرآن الكريم: وردت في الكتاب آيات قرآنية ذات علاقة ببيت المقدس. بعضها جاءت الإشارة فيها إلى هذه المدينة صريحة لا مجال للاجتهاد فيها. وبعضها جاءت على رأي تفسير من التفاسير. ومن هذه الآيات الصريحة ما يتعلق بحادثة الإسراء بالرسول من مكة إلى القدس، ثم معراجه من القدس إلى السماء. تقول الآية الكريمة: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)[35]. وهو حدث إسلامي بحت، وتكريم لا شك فيه لبيت المقدس، في وقت مبكر من ظهور الإسلام. وقد بلغ هذا الحدث عند المسلمين مبلغاً عظيماً. وليس من قبيل الصدفة أن يختم الواسطي كتابه[36]هذا بباب الإسراء بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكأنه يؤكد قدسية بيت المقدس عند المسلمين، فهي مدينة الإسراء والمعراج، وهذا حسبهم.

أما الآيات التي فسرها المفسرون على أن المقصود بها بيت المقدس، أو ما يتعلق بها فكثيرة. نكتفي هنا بذكر آية الكريمة المتصلة بمشاهد يوم القيامة: ( يوم ينادي المنادي من مكان قريب )[37]. عن ابن عباس وعن قتادة وعن غيرهما، أنهما قالوا: من صخرة بيت المقدس[38]. ولا يفوتنا أن نذكر أنه لحق بعض هذه التفاسير بعض ( الإسرائيليات) ورواياتها، وبخاصة أننا نعلم أن وهب بن منبه، أبا الإسرائيليات- على نحو ما سنذكره بعد قليل- قد صحب ابن عباس ولازمه ثلاث عشرة سنة[39].

2-     الأحاديث النبوية: يعد هذا المصدر من المصادر الأساسية للكتاب، لكثرة ما ورد فيه منها. وهي متفاوتة في صحتها، ودرجة قبولها، وأوثقها مما لا خلاف فيه، بل أجمع أهل العلم على صحته، وثبت في الصحيحين، وورد في كتب الصحاح الستة، حديث (شد الرحال) الذي رواه الواسطي في كتابه، بطرق مختلفة. وأول هذه الروايات ما افتتح به كتابه[40] عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)).

وفيما عدا ذلك نجد من الأحاديث النبوية مما رواه الواسطي، بمقياس قواعد كتب (( مصطلح الحديث)) و(( الجرح والتعديل)) ما هو: صحيح، أو حسن، أو غريب، أو ضعيف تالف[41]، أو واه جداً ومنكر[42]، أو موضوع مكذوب[43].

ويمكن أن نرد هذه الأحاديث غير المقبولة إلى أسباب عدة، أولها الإسرائيليات، وعمل القصاص.

وليس أدل على عمل القصاص في الحديث النبوي، مما رواه الواسطي في كتابه[44]، بسند كامل ينتهي بعبادة ابن الصامت الذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة آسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، تنظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة)). ولا يمر هذا الحديث برجاله مرّ الكرام، فإسناده عنده مظلم، ونصه كذب ظاهر، وهو من عمل القصاص في فضل بعض أماكن من المسجد، لا تثبت عند الخواص. ومثله حديث نبوي آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال[45]: (( الأنهار كلها والسحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدس)). فهو عند المحدثين حديث مرفوع لا يثبت منه شيء.

وواضح أن رجال الحديث تساهلوا في رواية الأحاديث الضعيفة، إذا لم تكن ذات علاقة بالعقيدة وأحكام الدين والسنن والفرائض والشريعة وما يتعلق بالحلال والحرام. ومما تساهلوا فيه إذا كانت الأحاديث في فضائل الأعمال، والمستحبات منها، وبالتالي ما يتعلق بفضائل أماكن مقدسة كبيت المقدس. فحديث : (( بيت المقدس أرض المحشر والمنشر)). ورد في بعض كتب الحديث، ولكنه لم ينته فيه إلى حكم[46]. ونعد هذا نوعاً من التساهل في الحديث النبوي، مادام في فضائل أماكن مقدسة، مثل بيت المقدس، مع أن هذا الحديث واضح وهو (التوراة).وأنه يروى عن كعب الأحبار[47].

ولا شك أن الواسطي كان يدرك تصنيف هذه الأحاديث النبوية ودرجة قبولها، على وجه الدقة، ولكنه ترخص في رواية الأحاديث طالما أنها في تمجيد بيت المقدس وتمييزه. ويبدو أنه لم يكتف بهذا الترخص في رواية الأحاديث النبوية الواهية، بل زاد فيها أشياء ينكرها العقل، ولا يجيزها العلم. إذ نجد بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، المتوفى 794هـ، وهو واضع كتاب أعلام الساجد بأحكام المساجد يطعن في كتابه[48] في رواية حديث نبوي نقله عن الواسطي في كتابه الفضائل، وقال إنه (زاد فيه أشياء منكرة).

على أن افتتاح الواسطي كتابه بحديث (شد الرحال) المجمع عليه، واختتامه بالآية القرآنية (الإسراء)، على نحو ما ذكرنا، يحملان معنى إسلامياً كبيراً فيما يتعلق بقدسية هذه المدينة. ثم أن ترتيب الأماكن في الحديث النبوي برواية الزهري التي ذكرناها، تضع هذه القدسية عند المسلمين في مكانها الصحيح، بعد قدسية المسجد الحرام، ومسجد الرسول.

3-الأحاديث التاريخية في عهود الإسلام: الأحداث المذكورة في الكتاب من هذا القبيل كثيرة، ذلك لأن الإسلام ميز هذه المدينة تمييزاً خاصاً. ومنها رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيصر التي حملها دحية بن خليفة الكلبي[49]. وتسلم الخليفة عمر بن الخطاب المدينة بعهد تاريخي معروف، عندما فتحها العرب المسلمون صلحاً[50]. وبناء الأمويين المسجد وقبة الصخرة[51]. وإسراج اليهود بيت المقدس حتى أيام عمر ابن عبد العزيز الذي استبدل بهم عبيداً اشتراهم من أموال الخمس[52]. وبناء قبة الصخرة بعد تهدمها في الزلازل[53].

4- الإسرائيليات: وهي روايات دخلت الإسلام من مصادر يهودية من التوراة والتلمود والزبور، وبالإضافة إلى أخبار لقمان. وأشهر من رواها وأشاعها أبو إسحاق كعب الأحبار، المتوفى 32هـ، ووهب بن منبه، المتوفى 114هـ، وكانا يهوديين فأسلما. كان الأول[54] من كبار علماء يهود اليمن في الجاهلية، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في عهد عمر، فأخذ عنهم الصحابة وغيرهم كثيراً من أخبار الأمم الغابرة. أما وهب بن منبه[55] فإليه ترجع أكثر الإسرائيليات المنتشرة في المؤلفات العربية. وكان هذا يستمد بعض أخباره من النصارى. وأخباره ممزوجة بالقصص والأساطير.

وقد توجهت هذه الروايات نحو تفسير بعض آيات القرآن الكريم، على نحو بينا في موضعه من هذه المقالة. كما توجهت إلى وضع بعض الأحاديث النبوية. نلقى في كتاب الواسطي[56] خبراً عن صفوان بن عمرو أنه قال: مكتوب في التوراة : (( بيت المقدس كأس من ذهب مملوءة بالعقارب )). ونلقى ذلك في كتب الحديث النبوي رواية قريبة من قول صفوان، وهي أن الرسول الكريم قال: (( بيت المقدس طست من ذهب مملوءة عقارب )). ويعلق على الحديث أنه (( يذكر عن التوراة))[57]. ونرى هنا كيف اختلطت الأخبار بالأحاديث النبوية فيما يتعلق بفضائل بيت المقدس، والمصدر فيهما واحد، وهو (التوراة).

وتتوجه الإسرائيليات كذلك في رواياتها نحو أحداث في فضائل بيت المقدس، تعود في الغالب إلى أزمان قديمة، قبل ظهور الإسلام، كشراء أرض الهيكل وبنائه على يد داود وسليمان[58]، أو خرابه[59]، أو عصا موسى ورؤيته الأرض المقدسة من مكان بعيد[60]، وبعض فضائل البيت المقدس عموماً[61]. ويكفي أن ننقل للقارئ من هذه الأخبار الخبر التالي الوارد في الكتاب[62]، لندلل على ما نزعمه: (( لما فرغ سليمان بن داود عليهما السلام من بناء بيت المقدس، أنبت الله عزز وجلّ شجرتين عند باب الرحمة، إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة، فكان كل يوم ينتزع من كل واحدة مئتي رطل ذهباً وفضة، ففرش المسجد بلاطة ذهب وبلاطة فضة)).

5- القصص الشعبي: واضح أن الواسطي قد روى من هذه القصص ما كان معروفاً لدى الناس في أيامه، أو قبلهم. وهي تعتمد في غالبها، على الأساطير والخرافات القديمة والخيال والغرائب والعجائب، وليس فيها شيء من الحقيقة والواقع.

ويبدو أن الهدف من هذه القصص كان في الأصل الوعظ والتسلية، ثم تجاوزت المألوف وأصبحت تقصد إثارة المستمعين من المسلمين المحبين لهذه المدينة، واستمالت أهوائهم. وربما نجد بعض هذه الأقاصيص له صلة بالإسرائيليات، نمت بوحي منها. ولعل هذه الصلة هي التي تجعل بين بعض هذه الأقاصيص الشعبية والإسرائيليات، في مثل هذه الحالات صعباً.

ومن المصادر التي سبقت الواسطي أو عاصرته واحتوت كثيراً من هذه الأساطير والقصص، كتب الملاحم والفتن، وكذلك قصص الأنبياء، وما يعلق بالأمم الغابرة. وقد شجع على إشاعتها اعتراف الإسلام بجميع الأنبياء، وعدم مخالفة هذه القصص للكتاب والسنة. ومن هذه الكتب كتاب علي أبي حسن علي الكسائي، المتوفى 189هـ، وعنوانه قصص الأنبياء، وكتاب أبي إسحاق الثعالبي النيسابوري، أحمد بن محمد بن إبراهيم، المتوفى 428هـ، واسمه قصص الأنبياء أيضاً. وكان لا يوثق بالثعالبي هذا وقصصه باطلة.

ويدخل في هذا الباب من عمل القصاص، ما ورد في كتاب الواسطي من أن عين سلوان في بيت المقدس جزء من الجنة، ومن يأتي إليها لا بد أن يسبح فيها[63]. وأن كل ماء عذب يخرج من أصل الصخرة، ويخرج من تحتها أربعة أنهار من الجنة[64]. وأن رأس آدم عن يمين الصخرة، ورجلاه على ثمانية عشر ميلاً[65]. وأن صخرة بيت المقدس من صخور الجنة[66]. وأن البلاطة السوداء القريبة من الصخرة تقع على باب من أبواب الجنة، والصلاة والدعاء عليها مستجاب[67]. وأن قبة الصخرة اقتلعت من مكانها ليلة الرجفة، ثم تم إعادتها على حالها بفعل الملائكة[68]. وأن الساعة لا تقوم إلا يوم زفاف الكعبة إلى الصخرة[69]. وأن أحدهم وسمي اسمه دخل جباً في بيت المقدس، فأفضى به إلى الجنة، وعاد ومعه ورقات منها لم يتغير لونها[70].

وتتكاثر في الكتاب الروايات اليهودية عن الصخرة، كعين الزيت التي تنزل عليها من السماء فتدور في القناديل فتملؤها من غير أن تمس[71]. على أن من أعجب الأمثلة التي وردت في الكتاب[72] على وضع القصاص المتأثر بالإسرائيليات، ما ذكره الواسطي دون أن ينكره، أن ارتفاع الصخرة كان أيام سليمان بن داود اثنتي عشرة ذراعاً، وكان عليها قبة من العود الطيب الرائحة، وارتفاع هذه القبة ثمانية عشرة ميلاً. وفوق القبة غزال من ذهب في عينيه درة حمراء تقعد نساء أهل البلقاء يغزلن على ضوئها في الليل، وهي على ثلاثة أيام منها. وكان أهل عمواس يستظلون بظل القبة إذا طلعت الشمس، وإذا غربت استظل أهل بيت الرامة وغيرها من القرى بظلها. ويعلق ابن سرور المقدسي، المتوفى 765هـ، في كتابه مثير الغرام بفضائل إلى زيارة القدس والشام، على هذه الترهات فينسبها إلى قسم المستحيلات.

ولا نشك في أن هذين المصدرين الأخيرين: الإسرائيليات، والقصص الشعبي، على وجه الخصوص، قد نالا من أصالة كتاب الواسطي وقيمته.

وواضح أن هذا القصص الشعبي قد راج بين عامة الناس، واستفحل أمره، وأفرط هؤلاء العامة في تداوله، وتعلقوا بهذه الأساطير، وخرجوا في ذلك عما تقره الشريعة الإسلامية. نجد ابن تيمية، المتوفى عام 728هـ، قد ساءته هذه الأخبار الغريبة، والممارسات الشعبية وشطحاتها. وعد التجاوز في تقديس هذه المدينة كفراً، كالوقوف بها عشية عرفة في عيد الأضحى، وغيره من معتقدات العامة التي تستند إلى أقوال باطلة لا أصل لها باتفاق أهل المعرفة بالحديث والشريعة. ويصف ابن تيمية هؤلاء بالجهل والضلال[73].

ويسجل ابن هشام الأنصاري، عبد الله بن يوسف بن أحمد، المتوفى 761هـ، في كتابه ( تحصيل الأنس لزائر القدس)[74] مبلغ هذا التردي، ويعدد أموراً يذكرها أهل البلد، يعرف بها العوام ورعاع الناس، وكلها أكاذيب وترهات، أدى إلى القول بها قلة الدين، وإرادة أكل أموال الناس بالباطل. ومن هذه الأمور أن سرداباً تحت الأرض ببيت المقدس يزعمون أن به اجتماع أرواح العباد، ودكة في المدينة زعموا أنها عرش بلقيس، وسكينة ملصقة بالأرض بالقرب من الصخرة يزعمون أنها التي أراد الخليل ذبح ولده بها، وأن عيسى بن مريم أتي به أصلاً من مكة إلى بيت المقدس، ليكون عروجه منها.

وينتبه كذلك ابن سرور المقدسي، المتوفى 765هـ، في كتابه مثير الغرام (بفضائل) (إلى زيارة) القدس والشام[75]، فيقول : (( قاتل الله القصاصين والوضاعين)) لأنهم غلوا في وضع هذه الأقاصيص وإشاعتها بين الناس على الصورة الشوهاء التي وصلت إلينا.

وها هو جلال الدين السيوطي، المتوفى 911هـ، يؤلف كتاباً باسم ( تحذير الخواص، من أكاذيب القصاص)). ويضع كثيرون غيره مؤلفات في هذا الباب.

وواضح أن ابن تيمية، أو أياً مما ذكرنا آنفاً، لم يقصد أن ينفي فضل بيت المقدس، أو ينفي تعلق قلوب المسلمين بها، وإنما أراد إعطائها وضعها الحقيقي الذي تستحقه من حب وقدسية، دونما تجاوز. فهو وغيره من العلماء، على دراية تامة في أن بيت المقدس المسجد الأقصى الذي باركه الله وبارك حوله، وإليها أسرى بالرسول الكريم، ومنها عرج إلى السماء قبل الهجرة بعام،وأنها كانت القبلة الأولى للمسلمين بعد الهجرة[76]، وأن الرحال لا تشد إلا إلى مسجدها الأقصى، مع المسجد الحرام بمكة، ومسجد الرسول بالمدينة، وما تبع ذلك من تميز بالفتح العمري لها صلحاً، وبناء عبد الملك قبة الصخرة، وأن جمعاً من الصحابة والتابعين والعلماء والصلحاء المتقين زاروها، أو أقاموا فيها، ودفنوا في ثراها. وهي من قبل هذا كله مدينة الأنبياء، الذين تعترف العقيدة الإسلامية بنبوتهم، منذ إبراهيم الخليل إلى عيسى بن مريم.

وبهذا ننتهي من ذكر المصادر المختلفة التي غذت كتاب الواسطي بمادة وفيرة ومتنوعة. ولعل هذه المصادر تنسحب عموماً على كتب فضائل هذه المدينة المقدسة، مما ألف فيما بعد، على تفاوت الاستفادة منها، قلة أو كثرة، ولكن هذه المؤلفات ظلت جميعاً تنهل منها.

ونلاحظ خلو الكتاب من عنصر مهم في فضائل المدن عموماً، وهو الاهتمام بالوصاف الجغرافية والطوبوغرافية والمعمارية والأثرية الذي كان ينبغي على الواسطي أن ينهل منه على نحو ما رأينا عند ابن عبد ربه والمهلبي أو على نحو ما فصلت ذلك بعض كتب الفضائل اللاحقة وكلن الأولى بالواسطي، وهو من قاطني المدينة، أن يسجل لنا في كتابه-من خلال تجربته الشخصية-معلومات من واقع المكان الذي يعيش في كنفه، فيذكر مثلاً قياسات المسجد الأقصى في أيامه، من طول وعرض وارتفاع، ووصفاً لقبة الصخرة، داخلها وخارجها، وجبال المدينة، وتلالها ووديانها وسهولها وعيونها. لا نجد في الكتاب شيئاً من هذا. وحين يذكر بعض الجبال يذكر قدسيتها، وكذلك عين سلوان وغيرها من المواضع، ولم ينظر إليها نظرة الجغرافي. وهكذا ظل الواسطي في كتابه محدثاً بفضائل بيت المقدس من الناحية الدينية والتاريخية، وقدسية بعض الأماكن فيها.

ومن الصعب، بإزاء هذا التنوع في مادة الكتاب، أن تنسب هذه المادة إلى علم التاريخ على نحو ما يفعل الباحثون في إدراج كتب الفضائل في هذا العلم،ويعدون كتب فضائل المدن فرعاً من فروعه. وواضح أن هذا التصنيف غير دقيق، فلقد وجدنا كتاب الواسطي مثلاً لا ينطوي على مادة موضوع واحد، فهو خليط من موضوعات دينية من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأحداث تاريخية، وإسرائيليات متأثرة بمصادر يهودية وربما نصرانية وأقاصيص شعبية بما تنطوي عليه من أساطير وخرافات فضلاً عما نجد في غيره من كتب فضائل المدن من موضوعات جغرافية ومعمارية وأثرية.

الدراسة والتحقيق[77]:

درس المحقق في مادة الكتاب وهو غير خال من هوى نفسه، الأمر الذي أبعده في كثير من الأحايين عن النهج العلمي وأقصاه عن الطريق الذي يسلكه العلماء في بحوثهم الرصينة، إذا ما خلت نفوسهم من أهواء وأغراض.

تقرأ الدراسة في الكتاب أو في دراسة أخرى له في غير كتاب، فتراه يرجع الهدف من تأليف كتاب الواسطي إلى أسباب عارضة كجمع الأموال لإعادة بناء المسجد الأقصى وترميمه على إثر وقوع قبة الصخرة في سنة 407هـ[78]. وهو يضخم هذه الأسباب العارضة لأن حب المسلمين لها سيكون عرضاً كذلك، ويزول هذا الحب بزوال هذه الأسباب والصحيح أن بواعث التأليف في فضائل بيت المقدس سواء كانت في غير كتاب مستقل أو مستقل ككتاب الواسطي هذا وسواء قبل هذا الكتاب أوبعده كان دافعها الأول هو العنصر الديني وهو تميز المدينة عند المسلمين على نحو ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي ولا يمنع أن يساهم في التأليف بعدئذ ظهور دوافع أخرى عارضة أو موقوتة.

ويبدو واضحاً أن وجهة نظر المحقق ترمي إلى إغفال العنصر الديني، ومكانة المدينة الدينية لدى المسلمين الذي من أجله ينظرون إليها نظرة مميزة في كل الأزمان والعصور، وفي أي الظروف، لعلاقة ذلك بعقيدتهم الدينية.

ويعيد المحقق علو مكانة بيت المقدس، في عهد الأمويين،إلى أسباب سياسية قبلية[79]، ويعتمد في ذلك دائماً على أوهى الروايات، ويفتش عمداً عن أضعف الأخبار. وكذلك يزعم أن بيت المقدس لم تلق العناية في عهد العباسيين، لأسباب سياسية أيضاً. ومن رواياته في هذا الصدد أن خلفاء بني العباس نقلوا إلى الكعبة درة اليتيمة، وقرني كبش إبراهيم، وتاج كسرى، وكانت معلقة في وسط قبة الصخرة منذ أيام عبد الملك بن مروان[80]. وهذه الرواية، ومثلها، روايات متهافتة، ينتقيها المحقق انتقاء لأمر ما في نفسه[81].

أما التحقيق، فإن النظرة العجلى في النص تبدي الملاحظات التالية:

1-يلقى القارئ أعلاماً في النص غير مضبوطة، وهي أعلام تحتاج إلى تمام ضبطها، وتركها دون ضبط يوقع القارئ في حيرة وأضرب من الأمثلة على ذلك العلم وهب بن منبه يرد في النص خمس مرات[82]، لا يضبطه المحقق حتى يقرأ على وجهه الصحيح. وفي بعض المواضع منها وضع الشدة على باء منبه دون بيان حركتها بالفتح أو بالكسر. والصواب أن يوردها كاملة الضبط وهب بن منبه.

ومثل هذا العلم سعيد بن المسيب الذي يرد في النص في خمسة مواضع[83]، بعضها خالية من الضبط، وبعضها غير كاملة الضبط، فيشدد الياء في المسيب دون أن يبين نطقها الصحيح بفتح أو بكسر . والمشهور أنها فتحة على الياء المشددة. ولا يعفي المحقق من ضرورة الضبط ما نقل عن سعيد نفسه أنه كان يقول بكسر الياء، ويقول: سيب الله من يسيب أبي[84]. إذ يستطيع المحقق أن يضبطها بالفتح على المشهور، ثم يذكر هذه الملاحظة في الهامش. أما أن يترك المحقق القارئ في حيرته، فهذا عمل ناقص.

وآخر هذه الأمثلة موقعه في مقدمة الكتاب[85]، وليس في النص . ذكر المحقق اسم ناسخ المخطوطة، قال هو: أبو المحاسن الحسين بن موسى بن الحسين الخوي. هكذا ترك الكلمة الأخيرة دون ضبط، مع حاجتها إلى استقصاء هذه النسبة في اسم الناسخ والانتهاء إلى ضبطها مع ذكر احتمالات الضبط الأخرى[86].

ومن أمثلة عدم ضبط الأماكن (عمواس)، وهو موضع غير بعيد عن بيت المقدس. يرد في النص مرة واحدة[87]. فيهمل المحقق ضبطه. ولعل وجود أكثر من رواية في المصادر لضبطه، هو الذي جعله يحجم عن ذلك. وبهذا ترك القارئ في الحيرة التي وقع المحقق فيها. وكان بالإمكان أن يضبطها (عَمَواس) كما نص على ذلك أبو عبيد البكري في كتابه (معجم ما استعجم)[88]، قال: بفتح أوله وثانيه. ويذكر المحقق في الهامش رواية الزمخشري لضبطها بقوله: بكسر أوله وسكون ثانية[89]. كما يذكر الروايات الأخرى في ضبطها.

يثبت المحقق في النص مختصرات أصحاب الحديث ورموزهم، على نحو ما جاءت في المخطوطة. فيختصر في السند: حدثنا وحدثني، وأنبأنا وأخبرنا، بمختصراتها المعروفة المقررة، ولا يثبت في الوقت نفسه جدولاً، أو قائمة، في المقدمة لهذه المختصرات وما تقابلها من الكلمات التامة وهذا يوقع بعض القراء أحياناً في ليس، فيشكل بعضها على بعضهم، فيعد مختصر أنا بمعنى أخبرنا[90] والصواب أنها أنبانا أما أخبرنا فمختصرها نا.

على أن الأهم من هذا أنني لا أستسيغ هذه المختصرات تثبت في النص المحقق، على نحو ما فعل المحقق، وفعل الأقدمون، فالمختصرات بصورتها الناقصة تقطع تسلسل النص على القارئ، فضلاً عن أنها توقع في مشكل أحياناً على نحو ما رأينا قبل قليل. وإذا وجدنا عذراً للأقدمين في استخدامها، فإننا لا نجد هذا العذر بعد ظهور الطباعة وشيوعها. والأجدر كتابتها في النص بتمامها، لأن هذه المختصرات في رأيي سقيمة سقم اختصار صلى الله عليه وسلم بصلعم.

3-يشيع في النص الرسم الإملائي خمس مائة ومثلها أربع مائة وهكذا وأحياناً على قلة نجدها ترسم خمسمائة والصحيح أن يسير النص على نهج واحد من الرسم الإملائي دون خلل أو اضطراب ومن المبادئ المقررة في تحقيق النصوص العربية أن يكتب النص عند تقديمه محققاً بالرسم الإملائي المتعارف عليه في عصرنا الحاضر، فلا نحذف الهمزة أو نلينها، ولا نكتب مائة كما كانوا يكتبون، بل نكتبها مئة. نكتبها الأن على هذه الصورة، لأن السبب في رسم العرب القديم قد زال، وحتى يتطابق الرسم مع نطقه ونكتب خمس مئة مفصولة لا موصولة.

4- صنع المحقق فهارس للكتاب وهذه محمدة من محامد التحقيق الجيد ومما صنع منها فهرس للآيات القرآنية، وفهرس للأعلام، وفهرس للأماكن وقد فاته أن يصنع فهرساً من أهم فهارس هذا الكتاب، وهو فهرس للحديث النبوي وقد أصبح من كمال تحقيق النصوص صنع الفهارس المختلفة التي تكشف عن كنوز النص المحقق، خاصة كتب التراث العربي التي يكثر في تضاعيفها فوائد جمة إنني لما رغبت في تعقب الحديث النبوي الوارد في النص بغية تخريج بعضها وتصنيفه وفق قواعد كتب (مصطلح الحديث) و( الجرح والتعديل) اضطررت لفقدان الفهرس المرجو، إلى قراءة النص بأكمله. لعل السبب في إهمال المحقق لصنع هذا الفهرس كثرة الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب، والحاجة إلى جهد غير هين للفصل بين الحديث النبوي والخبر المروي عن صحابي أو تابعي أو غيرهما.

5- من أخطاء طباعة الكتاب وإخراجه أنه يفصل بين المضاف إليه فحين يرد العلم عبد العزيز مثلاً يضع عبد في آخر السطر والعزيز مفصولاً عنه في أول السطر التالي[91]. والعرب تكره ذلك ولم تصنعه في كتابتها.

ومن أخطاء الطباعة والإخراج أيضاً اضطراب توالي بعض الصفحات في المطبوع وهذا مربك للباحث والاضطراب محصور في الكتاب ما بين صفحتي 51 و 57.

 





المصادر والمراجع

-الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط7، 1986م.

- إعلام الساجد بأحكام المساجد، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق أبي الوفا مصطفى المراغي، ط. القاهرة، 1385هـ،

-الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، القاضي مجير الدين العليمي الحنبلي، ط. القاهرة، 1283هـ.

- الأنساب، السمعاني، ابو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي، مصورة مخطوطة المتحف البريطاني بلندن، نشر د.س. مرجليوث، ليدن، لندن، 1912م. ( أوفست مكتبة المثنى، بغداد، 1970م).

-تاريخ الأدب الجغرافيـ إغناطيوس كراتشكوفسكي، ترجمة صلاح الدين هاشم، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1965م.

- تحذير الخواص، من أكاذيب القصاص، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد بن لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي بدمشق، 1392هـ/1972م.

- طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين السبكي، تحقيقد. الطناحي، دار هجر، القاهرة، ط2، 1413هـ/1992م.

-الغقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق أحمد أمين، الزين، الإيباري، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1968م-1971م.

- عيون الأخبار، ابن قتيبة الدينوري، ط. دار الكتب المصرية، القاهرة، ط1، 1924م-1930م.

- فضائل البيت المقدس، أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد الواسطي المقدسي، تحقيق وتقديم إسحاق حسون، معهد الدراسات الآسيوية والإفريقية، الجامعة العبرية، القدس، 1979م.

- فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة، د. محمود إبراهيم، نشر معهد المخطوطات العربية، الكويت، ط1، 1985م.

- فضائل بيت المقدس، مقالة، د. إسحاق موسى الحسيني، مجلة معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، العدد الرابع، سنة 1393هـ-1973م.

- فضائل الشام وفضل دمشق، أبو الحسن علي بن محمد بن شجاع الربعي، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، دمشق، 1950م.

- فهرس المخطوطات المصورة، معهد المخطوطات العربية، الجزء الثاني، تاريخ، القسم الثاني، القاهرة، 1957م.

- فهرس مخطوطات المكتبة الأحمدية في عكا، محمود علي عطا الله، منشورات مجمع اللغة الأردني، عمان، 1403هـ/1983م.

- قاعدة في زيارة بيت المقدس، تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني، تحقيق ونشر شارلز ماثيوز، بيل، 1936م.

- اللباب في تهذيب الأنساب، عز الدين بن الأثير الجوزي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1369هـ.

- مثير الغرام( بفضائل) إلى زيارة القدس والشام، أبو محمود شهاب الدين أحمد بن محمد بن سرور المقدسي، الفصل الأخير منه، تصحيح ونشر أحمد سامح الخالدي، يافا، 1365هـ، 1946م.

- مجموع نادر، مقالة، عبد الله مخلص، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد العاشر، 1930م.

- مختصر المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، محمد ابن عبد الباقي الزرقاني، تحقيق د. محمد بن لطفي الصباغ، نشر مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط1، 1401هـ، 1981م.

- مخطوطات فضائل بيت المقدس-دراسة وبيبليوغرافيا، د. كامل جميل العسلي، منشورات مجمع اللغة العربية الأردني، عمان، 1981م.

- مسالك الأبصار في ممالك الأنصار، ابن فضل الله العمري، تحقيق أحمد زكي، ط. دار الكتب المصرية، القاهرة، 1342هـ، 1924م.

- المسالك والممالك العزيزي-فصل (صفة بيت المقدس) منه، الحسن بن أحمد المهلبي، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، مجلة معهد المخطوطات العربية، القاهرة، المجلد الرابع، الجزء الأول، مايو 1958م.

- معجم البلدان، ياقوت الحموي الرومي، دار صادر-بيروت، 1955م-1957م.

- معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، أبو عبيد البكري الأندلسي، تحقيق مصطفى السقا، القاهرة، ط1، 1945م-1951م.

- معجم مقيدات ابن خلكان، عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1407هـ، 1987م.

- مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا، تحقيق جيمز أ. بلمي، فيسبادن _ط.بيروت)، 1393هـ، 1973م.

- مكانة القدس عند المسلمين، د. جبرائيل جبور، المؤتمر الثالث لتاريخ بلاد الشام، عمان، 1980م.


 
ـــــــــــــــ
[1] ) المدير الثاني السابق في معهد المخطوطات العربية.

[2] ) ترجمته في الأعلام، 4/134.

[3] ) المجلد 10 ص577 بعنوان: مجموع نادر.

[4] ) محفوظة فيها برقم 781 مجاميع.

[5] ) سنة 1946م.

[6] ) ص4.

[7] ) محفوظة برقم 751 تاريخ. انظر فهرس المخطوطات المصورة، ص113.

[8] ) فضائل بيت المقدس، مقالة، ص 303.

[9] ) خطاباه رقم 790 وتاريخ 26/3/1979م، ورقم 1112 وتاريخ 23/4/1979م.

[10] ) في يوم الثلاثاء، الثامن من شهر نوفمبر (تشرين ثان) عام 1983م.

[11] ) انظر: فضائل البيت المقدس،ص (38).

[12] ) لعله الخويي، منسوباً إلى موضع خوي، أو الخويي، منسوباً إلى موضع خوي. انظر معجم ما استعجم، 2/520، ومعجم البلدان، 2/408-409.

[13] ) انظر مكارم الأخلاق، المقدمة بالإنجليزية، ص 8.

[14] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 37.

[15] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 38.

[16] ) مخطوطات فضائل بيت المقدس-دراسة وبيبليوغرافيا، ص 29.

[17] ) صفحة ج من مقدمة الفهرس.

[18] ) مسالك الأنصار في ممالك الأمصار، 1/148.

[19] ) ورقة 576ب.

[20] ) 2/482.

[21] ) تاريخ الأدب الجغرافي، القسم 2/509.

[22] ) مكانة القدس عند المسلمين،ص 23.

[23] ) فضائل بيت المقدس، مقالة، ص 304.

[24] ) 3/197.

[25] ) مخطوطات فضائل بيت المقدس—دراسة وبيبلوغرافيا، ص28.

[26] ) 5/347-353.

[27] ) وانظر اللباب في تهذيب الأنساب، 3/275.

[28] ) فضائل البيت المقدس، ص3.

[29] ) انظر 1/150، 2/76، 261، 263، 272.

[30] ) انظر 3/35، 6/263-265.

[31] ) ص 43-55.

[32] ) انظر فضائل بيت المقدس، ص3-13.

[33] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 62، 64، 66.

[34] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 64-65.

[35] ) سورة الإسراء، الآية 1.

[36] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 94-102.

[37] ) سورة ق، الآية 41.

[38] ) انظر ف/ضائل البيت المقدس، ص 88-89.

[39] ) الأعلام 8/126.

[40] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 4.

[41] ) انظر في هذا فضائل البيت المقدس، ص 18-20.

[42] ) انظر في هذا فضائل البيت المقدس، 16،14-25،30.

[43] ) انظر في هذا فضائل البيت المقدس، 72.

[44] ) قضائل البيت المقدس، ص 67/68.

[45] ) فضائل البيت المقدس، ص69.

[46] ) مختصر المقاصد الحسنة، ص 81،وفي مقدمته ص 30.

[47] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 71، 73,

[48] ) ص 288. وانظر فضائل البيت المقدس ص 13.

[49] ) فضائل البيت المقدس، ص 64.

[50] ) انظر فضائل البيت المقدس، 66-67، 78.

[51] ) فضائل البيت المقدس، ص 81-83.

[52] ) فضائل البيت المقدس، ص 43-44.

[53] ) فضائل البيت المقدس، ص 83-84.

[54] ) الأعلام، 5/228.

[55] ) الأعلام، 8/125.

[56] ) فضائل البيت المقدس، ص 59.

[57] ) مختصر المقاصد الحسنة، ص 81.

[58] ) فضائل البيت المقدس، ص8-11، 17-20.

[59] ) فضائل البيت المقدس، 38-39.

[60] ) فضائل البيت المقدس، ص 27.

[61] ) فضائل البيت المقدس، ص40، 46، 60-61، 71، 72، 75، 76.

[62] ) فضائل البيت المقدس، ص 36-37.

[63] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 13، 44.

[64] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص68.

[65] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص77.

[66] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 78.

[67] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص90.

[68] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص79-81.

[69] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 92-93.

[70] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص93-94.

[71] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص85.

[72] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 84، وهامش ص85.

[73] ) قاعدة في زيارة بيت المقدس، ص 57-60.

[74] ) انظر فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة، ص143-144.

[75] ) انظر فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة، ص 51، 108.

[76] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص 49-51.

[77] ) الحديث في هذا القسم مقتضب، لأن هذه المقالة أعدت للنشر في باب تعاريف من مجلة معهد المخطوطات العربية وليس في باب متابعات.

[78] ) انظر فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة، ص 42، 63-65.

[79] ) انظر فضائل بيت المقدس، ص 19.

[80] ) انظر فضائل بيت المقدس ص 30، 35، 75-76.

[81] ) انظر استقصاء هذا الموضوع وتفنيد هذه الآراء وغيرها في كتاب فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة د. محمود إبراهيم وانظر فيه على وجه الخصوص ص 41-43، 55، 57-58، 60-66.

[82] ) فضائل البيت المقدس ص 8-9، 27، 40، 90.

[83] ) فضائل البيت المقدس، ص 4، 6، 20، 51، 97.

[84] ) معجم مقيدات ابن خلكان، ص 310.

[85] ) فضائل بيت المقدس، ص36.

[86] ) انظر محاولة ضبطها في هذه المقالة، عند الحديث فيها عن وصف المخطوطة.

[87] ) فضائل البيت المقدس، ص84.

[88] ) 3/971.

[89] ) يذكر أن أهل فلسطين ينطقونها، في الوقت الحاضر، كضبط الزمخشري لها.

[90] ) انظر فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة ص 146.

[91] ) انظر فضائل البيت المقدس، ص1.

2-5-2007 3:59 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013