جديد الموقع
إصدارات المؤسسة

مدينة بيت المقدس في القرن الإسلامي الأول - للدكتور أسامة جمعة الأشقر

2-11-2011 6:57 AM

تأليف: الدكتور أسامة جمعة الأشقر 

الناشر: مؤسسة فلسطين للثقافة
بالتعاون مع مؤسسة القدس الدولية

الطبعة الأولى 2012
 
تصميم الغلاف والإخراج : م, جمال الأبطح

صورة الغلاف
 
 
 
 

جاء في التقديم بقلم الدكتور محمد أكرم العدلوني

يطل علينا الدكتور أسامة الأشقر من خلال كتابه الجديد: "مدينة بيت المقدس في القرن الإسلامي الأول" بمادة فريدة ومفيدة، تفصّل لنا تاريخ القدس السياسي والاجتماعي والديني، في فترة زمنية لم تحظ باهتمام مناسب في التاريخ، فيما يتعلق بالقدس بالذات؛ رغم أنها أهم مراحل تاريخنا، بعد السيرة النبوية الشريفة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم".

وترتكز أهمية هذا الكتاب في أنه يوثق لتاريخ قبلة المسلمين الأولى في القرن الهجري الأول، الذي شهد شطراً من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده، فضلاً عن القسم الأهم من تاريخ بني أمية، وهذا ميدان لا توجد دراسات كثيرة حوله، ولا بذلت فيه جهود كافية من قبل.

الكتاب مادة قيمة فيما يتعلق بالمسجد الأقصى؛ وصفاً وفضلاً ومكانةً في القرن الهجري الأول، كما أنه مادة أساس لدراسة ما يعرف بالفتح العمري، لأنه يضيء على جوانب غير مطروقة من قبل، تتعلق بالمجتمع المقدسي نفسه عشية الفتح وبعد الفتح، كما أنه يتتبع أثر الأعلام الذين سكنوا القدس، ويلقي الضوء على الاجتماع السياسي في القدس في عهد الراشدين وبني أمية، ولا ينسى الحياة الاقتصادية والثقافية المقدسية في تلك الفترة، فيجمع المرويات ويحللها لينقل القارئ إلى حواري القدس في ذلك الزمن الغابر.

وفي الكتاب أيضاً وقفات تتعدى العرض التاريخي؛ لتقدم معلومات مهمة، وتحليلات مثيرة، حول عدد من المسائل المتعلقة ببيت المقدس والمسجد الأقصى؛ كما في شرحه كيفية تطابق الأقصى هندسياً مع مخطط الكعبة المشرفة، على سبيل المثال لا الحصر.

ويشرح الكتاب أيضاً مسائل مهمة؛ كتلك التي تتحدث عن موقف الكنيسة من الأقصى، أو الفقرات المسهبة التي خصصها الكاتب لعرض وتحليل الوثيقة العمرية، والمبادئ التي سنّتها في علاقة المسلمين بغيرهم، ثم تتبعه أثر هذه الوثيقة على القدس وسكانها.

كما يوثق الكتاب لاهتمام بني أمية ببيت المقدس والمسجد الأقصى على وجه التحديد، فيذكر إنجازاتهم، وحياة الناس في عهودهم المختلفة، ويضيء على كيفية مقاربة المقدسيين لعهود الأمويين المختلفة، بما في ذلك الفتن التي وقعت بين المسلمين.

"مدينة بيت المقدس في القرن الإسلامي الأول؛ أحوالها وحياة أهلها" إضافة نوعية على المكتبة المقدسية، وجولة فكرية على قاعدة تاريخية، تتهادى بين علوم كثيرة، ومعلومات وفيرة.

 

الدكتور محمد أكرم العدلوني

العضو المنتدب في مجلس إدارة مؤسسة القدس الدولية

وجاء في مقدمة الكتاب "مباركُ الابتداءِ ميمونُ الانتهاءِ"

موطَّأ الكتاب:

الحمد لله الذي أسعفنا بمنّه ، وأفادنا بنعمته ، وألهمنا الصواب ، ووفقنا للهداية ، ورزقَنا الفهم ، وعلّمنا الحكمة ؛ وأصلّي كما أسلّم على إمام المَحَابّ، ودليل المعرفة ، ووحي الله إلى خلقه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه والمجاهدين في الله بهَدْيه.

فلعلها المرة الأولى التي يفصّل فيها أحدٌ بهذا التفصيل الذي تراه نواحي الحياة في بيت المقدس منذ الإسراء والمعراج حتى نهاية خلافة بني أمية مروراً بأحداث جليلة عاشتها هذه المدينة في عهد الخلفاء الراشدين، فهذه الحياة على ثرائها وأهميتها وخطورتها تجاهلتْها الأحداثُ العظام التي مرّت بها الأمة في مفاصلها التاريخيّة، وكان الأمر يحتاج من الباحث الكثيرَ من التتبّع لمصادر السّنّة والتاريخ والفقه وعلم الكلام والأخبار والآثار... ، وفوق التتبّع يحتاج الأمر إلى كثير من الفحص والتدقيق والتثبّت ، وبعد ذلك كلّه يحتاج المرء إلى التحليل والمقارنة لنكتب عن سيرة المدينة وحياتها، التي كانت التجربة الأكثر حيوية في التفاعل بين مكوّنات اجتماعيّة غير منسجمة دينياً كان أبطالها من أهل القرن الأول الذين هم قدوة المسلمين وأئمتهم.

أهمية الكتاب :

تنبع أهمية الكتاب أولاً أنه يستهدف في حشد معطياته وتحليلها بقعة جغرافية محدودة وهي بيت المقدس ، وهي بقعة مقدّسة لها منزلتها العظيمة عند المسلمين والنصارى وكذا فريق من اليهود، وهذه المنزلة تجدها عند كل مذهب في هذه الديانات أيضاً، حيث سنرى انعكاس هذه القداسة في المجال السياسي والواقعي من خلال تتبّع السلوك العمليّ للفاتحين الأوائل وتعاملهم مع مكوّنات بيت المقدس الدينية والاجتماعية المختلفة، وهنا سنرى التطبيق العمليّ الفعليّ للتقديس لدى المسلمين عند انتقال السيادة على بيت المقدس إليهم.

كما أن وجود عدد كبير من الصحابة وكبار التابعين وأئمة الإسلام وخلفائهم الأوائل الراشدين والأمويين في دائرة أحداث الكتاب يجعل للكتاب أهمية استثنائية، لعظم مكانة هؤلاء الرجال، وعظم دورهم في أحداث التاريخ ، وفي البناء المعرفيّ والاعتقاديّ للشخصيّة المسلمة إلى زماننا هذا، وسيكون لاشتراكهم في تسجيل جوانب الحياة في بيت المقدس الأثر الرائع في كشف جوانب خافية من تاريخ هذا الجيل الاستثنائيّ في تعاطيهم مع واحدة من أعظم القضايا التي يتداخل فيها السياسي بالديني حيث البقعة التي تحمل صفة العالمية بحقّ لاشتراك الأديان فيها وتنافسهم عليها.

وتأتي الأهمية أيضاً من ندرة المرويّات المتعلقة بهذا الزمان والمكان وعدم وجود دراسة ضافية مستقلة استوعبت الأخبار والآثار الواردة وقامت بتحليلها كما صنعنا نحن في كتابنا هذا برعايةٍ من الله وتوفيقٍ وتسديدٍ .   

وفي حقيقة الأمر فإن دراسة بيت المقدس هي دراسة لإقليم فلسطين والأردن – وفق التقسيم الجيوسياسي المعاصر- وشطرٍ من جنوبي لبنان وسوريا، إذ هي المدينة الأكثر حضوراً وفاعلية في المجالات الحياتية العامة والخاصة لذلك الإقليم الجغرافيّ، ولا يمكن لأي دارس أن يبتعد عنها ولو قليلاً ، وإلا فسدت دراسته واختلّت .

كما لا يسعني أن أزهد في الحديث عن الكثير من التقريرات العلمية والتحقيقات والترجيحات التي لم أجد أحداً سبقني إليها، أو حتى تنبّه لها، وهي فوائد جمّة تنفع المحدّث والفقيه والمؤرّخ والسياسيّ والداعية والمفكّر... فهذا من التحدّث بنعمة الله؛ وهو الواسع المتفضّل العليم . 

منهاج الدراسة :

-   اعتمدنا على المصادر الحديثية والتاريخية والجغرافية والأدبية وكتب الأنساب والأحكام دون الغوص في تحقيق مروياتها وصحتها على اعتبار أن الرواية التاريخية يُتساهَل في نقلها ، خلافاً للرواية التشريعية التي يُتَشدّد في قبولها ؛ إلا أننا نظل نتعامل معها بحياد حتى نقف على خلل ما فيها كغلوّ أو تعصّب أو انقطاع مخلّ، أو أنّها تناقض مرويات أدق أو سياقات أثبت فعند ذلك نناقشها ، وكما قررنا في كتابنا السابق "موسوعة الصحابة على أرض فلسطين" فإننا لم نعتمد على استحسانٍ عقليّ أو رغبة داخلية في إثبات رأيٍ على حساب رأي، كما أننا نقدّم سبب اتجاهنا صوب أيّ رأي من خلال قرائن وأدلة، ونستخدم مصطلحات تعبر عن ذلك من قبيل: ( يؤيد ذلك – يؤكده – يدعمه – يرجحه – يظهر – يبدو ...) .

- استخدمت المعايير الأكاديمية في نسبة المرويات إلى مصادرها الأولى، ولا لتفألتفت إلى المراجع المتأخرة إلا إذا أعياني ألتفت إلى المراجع المتأخرة إلا إذا أعياني الوصول إلى المصادر لفقدها فعند ذلك أحيل إليها كارهاً ؛ ولا أغفل عن نسبة الآيات والأحاديث والأخبار إلى مواضعها؛ وما أكاد أذكر معلومةً ما دون نسبةٍ إلى مصدرها، فهذا من أمانة العلم وبركته.

-  قد ألجأ إلى تكرار ذكر بعض النصوص المنقولة من أجل تثبيت معلومة ما ، إذ إننا لقلة النصوص التي هي مادة هذه الدراسة فإننا نستغرق في تحليل النص وتخريج ما يمكننا الاستفادة منه في غير ما موطنٍ ، والإعادة هنا على سبيل تثبيت المعلومة وإحضارها بدل تشتيت ذهن القارئ بالإحالات .

-  وفي الإطار الزمانيّ فإن هذه الدراسة تتتبّع المراحل الزمنيّة الأولى للعلاقة الإسلاميّة مع المكان في بيت المقدس ابتداءً من قصة الإسراء والمعراج وانتهاءً باختفاء جيل الصحابة وكبار التابعين تقريباً بنهاية الخلافة الأموية عام 132 هـ ، أي أننا نتحدّث عن نحو مائة عام في حيازة الإسلام المعنوية ثم السياديّة، وهي الحقبة التي شهدت نهاية النفوذ البيزنطيّ على بلاد الشام وانتقال السيادة عليها إلى المسلمين، وتشكيل مبتدأ الامتداد الحضاريّ للأمة الإسلاميّة.

-   وفي الإطار المكانيّ فإننا نتحدث عن مدينة بيت المقدس أو إيلياء أو القدس وهي الأسماء التي تجدها في المصادر الإسلامية الأولى، وما يرتبط بها من مواضع كالمسجد الأقصى أو مسجد بيت المقدس أو مسجد إيلياء أو مسجد الصخرة أو الجامع الأقصى، وهي مسميات لمكان واحد، وهو ذاك المرتفع الواقع بين أسوار المسجد الأقصى الماثلة الآن ، وما يدخل في هذا الموضع من مواضع فيه كمسجد عمر وقبة الصخرة ومحراب معاوية والقباب القديمة والأسوار ... ؛ ويدخل في جملة المواضع تلك الأماكن المسيحية المقدسة مما ورد ذكره قليلاً في المصادر القديمة التي تحدثت عن تلك الحقبة النادرة ؛ وتتبع مدينة بيت المقدس جند فلسطين بحسب التقسيم الإداري المعروف لدى العصر الراشدي والأموي[1] .

-   وقد تتحرك الدراسة قليلاً في ثلاثة مواضع أو أربعة خارج موضع المدينة إلى ضواحيها وإقليمها المحيط القريب لأزيد البيان، وأُجلّي الصورة ، ثم أعود إلى المدينة المقدسة لا أكاد أخرج عنها ؛ ولا أتوسّع في مفهوم بيت المقدس وإقليمها فأخرج عن مراد الكتاب وهدفه؛ وهذا مثل أن أتحرّك صوب مدينة الرملة إلى الغرب من مدينة بيت المقدس، والتي تبعد عنها أقل من يومٍ بالحركة العادية المألوفة للقوافل آنذاك، لاسيما إذا تكاثرت المرويات عن نشاط لشخصية ما بين المدينتين، كما هو الحال في شخصية الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك[2].

-  لم أتوسع في الهوامش فتجاهلتُ بيان كثير من الأعلام والمواضع وغريب الكلام التي لا تفيد مادة الكتاب وموضوعها مباشرة خشية التطويل والحشو ، ولكنني لم أتجاهل بيان الكلمات في النصوص المرويّة التي قد لا يستطيع القارئ الوصول إلى معناها بميسرة، فأثبتّ معانيها وشرحتُها . كما أعوّض عن تراجم الأشخاص بذكر لاحقة تعريفية أو سابقة بيانية توضّح ما ينبغي توضيحه من إيراد الاسم ككونه صحابيّاً أو تابعياً أو خليفةً أو مؤرِّخاً أو محدّثاً أو شاعراً أو معاصِراً ... وكثيراً ما أورد زمان وفاة العلَم إذا كان في ذكر ذلك فائدة في موضع الاستشهاد أو الإيراد.

-  لم أقدّم للكتاب بمقدمة عن تاريخ بيت المقدس القديم وموقعها وتضاريسها وأحوال عصرها وما إلى ذلك مما كثر في كتابات بعض الأكاديميّين ، فذلك مما يطيل الكتاب في غير تخصّصه، ولا يقدّم كبير فائدة، وسيجد من يرغب في ذلك بغيته من ذلك في مواضع كثيرة ؛ ولا يعني هذا أن الكتاب يتجاهل ذلك، بل إنك ستجده في مواضعه بصورة هادئة وطبيعية وضمن رؤية مشهديّة جليّة أثناء التقريرات العلمية والتحقيقات الكثيرة في متن الكتاب وحاشيته، فستجد مثلاً تقريرات للأبعاد السياسية الدولية والإقليمية والمحلية ومدى تأثر بيت المقدس بها أو تأثيرها فيها كنظام العلاقة مع الإمبراطورية البيزنطية بعد هزيمتها في الشام وخروجها منها، وطبيعة العلاقة مع الأقاليم الإسلامية التي شهدت توترات سياسية خطيرة كما في النزاع الطويل بين الخليفة علي بن أبي طالب المستقر في الكوفة بالعراق ومعاوية بن أبي سفيان أمير الشام ، والنزاع بين الأمويين والزبيريين بعد ذلك؛ وستجد تحقيقات تاريخية تتدخّل بطريقة غير مباشرة في بيت المقدس وتتصل معها بسبب كقصة التحكيم ... . 

-  وسيجد القارئ في هذا الكتاب - إن شاء الله - تحقيقات علمية تجمع بين المتعة والإقناع ، تتجلى في العرض المنطقيّ للأحداث كما سترى في بيان كيفية فتح بيت المقدس ، وفي المكوّنات الاجتماعيّة للمجتمع المقدسيّ الجديد وتركيبته السكانية، وفي بيان المكانة السياسية لبيت المقدس، وفي تحليل الحياة العلمية ، وفي الكشف عن بعض جوانب الحياة الاقتصادية، وغيرها كثير، حيث إنني أمضيتُ وقتاً طويلاً في إعادة تركيب الأحداث ووصفها وبيان خلفيّاتها وفق النصوص المنقولة والمعطيات والتحليلات لأقدّم للقارئ رواية متماسكة ذات مصداقيّة؛ ولا أخفي عن القارئ أنني أعدت كتابة بعض الفصول مرات عديدة حتى استقام لي المشهد ، وبانت لي الصورة أوضح ، ورضيتُ عما كتبتُ مما يُقنِع ويُمتِع إن شاء الله .  

-  أوردت كثيراً من الأحاديث التي رُوِيت في بيت المقدس بتمامها وإن جاوزت محل الشاهد، ليتعرف القارئ إلى محتوى المادة العلمية والمعرفية التي كان يتحدث بها أهل العلم في المدينة المقدسة ، وهذا من صميم الكتاب وليس من حشوه ، كما أن في ذلك تنشيطاً للقارئ وتوسيعاً له في الدخول على معارف أخرى تمتعه دون أن يخرج عن موضوع الكتاب.

  سيلحظ القارئ أنني لا أميز بين مصطلحي الروم والبيزنطيين فأذكر كلا الاصطلاحين وهما بمعنى واحد في هذا الكتاب، ويشيران إلى القوم ذاتهم، جرياً على عادة العرب قديماً في تسمية البيزنطيين بالروم وعدم التفريق بينهم ، ولم ألتفت إلى تنبيهات بعض المؤرخين في ضرورة التمييز بين المصطلحين لاسيما من يدرس التاريخ الأوروبيّ بين بينزنطة وروما.

مصاعب الدراسة :

أولى المصاعب تتمثل في عدم وجود دراسة سابقة[3] تناولت هذا الموضوع مما يجعل جهدنا مضاعفاً إذ إننا ما نسجنا على مثال سابق، بل كانت دراستنا هذه هي المثال؛ ثم تأتي العقبة الكبيرة التي تحدثنا عنها باستفاضة في مقدمة كتابنا " فتوح فلسطين " حيث ندرة المعطيات والمرويات مما يتسبب في العادة في شدة الاعتماد على مواد خام قليلة يدور حولها الكتاب، وتطوف حولها التحليلات لاستخراج مسرد تاريخي مقبول . وهنا تتبدّى خطورة ما نكتبه بالاعتماد على معطيات قليلة تعطي من الصورة بعض أجزائها وتخفي أجزاء كثيرة ، مما يضطرنا إلى محاولة رسم باقي الصورة من خلال وصل نقاط الأجزاء المتباعدة ببعضها، ولا يستدرجنا التحليلُ والغوص فيه لئلا ننحرف في العمق فتنحرف اتجاهات الصورة ، بل نظلّ حذرين حتى تبقى الصورة المتوقّعة على قربها من جملة المشهد العام ، وكثيراً ما أغرتنا بعض التفصيلات بالسباحة خارج التيار أو السياق التاريخيّ، لكننا ما نلبث أن نعود إلى مسارنا من خلال تفصيلات أخرى تعيد تركيب الشواهد وإشارات المسارات.

وتأتي الصعوبة الثالثة في اتساع مصادر الدراسة حيث تطلّب الأمر منا طوافاً واسعاً على متون الحديث والأجزاء والمسانيد ومعاجم السنة والأمالي ، إضافة إلى كتب العلل ومعرفة الرجال، وإعادة قراءة كتب التاريخ والطبقات والأدب واللغة لاستخراج لمحة هنا أو لفتة هناك مما يختص بدراستنا ، ثم لزم الأمر أن نقرأ تراجم كتب السريان والرحلات المسيحية الغربية إلى بيت المقدس المُزامنة لحقبة الدراسة المستهدفة وهي قليلة نادرة أيضاً، وهو أمر يزيد من صعوبة تشكيل الرواية غير المكتملة أصلاً نظراً لتدخّل المعتقدات الدينية المختلفة في تشكيل تفاصيل الصورة.

ومن الصعوبات التي أدركتني أنني كنتُ في أمسّ الحاجة إلى المدونات المسيحية في تلك الحقبة لتقرير موقف النصارى وسلطتهم السياسية البيزنطية من الفتح العربي الإسلامي لهذه المدينة، ثم الموقف من السياسات الرسمية للنظام السياسي الإسلامي الحاكم في المدينة المقدسة ولاسيما أن مدينة بيت المقدس واحدة من أهم مراكزهم الدينية بل هي الأكثر قداسة عندهم، ومع أنني لا أحسن السريانية أو اليونانية القديمة إلا أنني غطّيتُ هذا الجهلَ مني بهذه اللغات بما كتبه الآخرون من تقريرات وتسجيلات منقولة عن تلك المدونات.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنني بتّ على قناعة بأن قدراً كبيراً من التناقض والاضطراب في مرويات فتوح الشام وأحداث فتوح فلسطين وبيت المقدس راجع بالأساس إلى أن الروايات التاريخية كانت تعتمد على رواة ليسوا على صلة وثيقة بمراكز صناعة القرار السياسي والعسكري، فكانوا ينقلون عن أخبار منقولة مصدرها فلان و فلان ممن شهد الحدث أو لم يشهده اكتفاءً بإسناد حديثه إلى شيخ عُرِف أم لم يُعرَف ، أو شخص مجهول، أو غير معرّف ، أو ليس بذي صلة ؛ وكثيراً ما يقع الرواة في إشكالات الانطباعات الأولية أو الإشاعات غير المحققة أو المشاهدات غير الدقيقة، لاسيما أن أحداث فتوح الشام كانت متحرّكة جداً ، وفيها أجناد أربعة لا تكاد تستقرّ في مكان واحد، إضافة إلى تحرك القيادة المركزيّة نحو المََواطن الساخنة ، وفوق ذلك كله لم يكن الاهتمام بالرواية التاريخية ذا زخم كما هو الحال في الرواية الحديثيّة أو الأدبية ، وقد فصّلنا بيانَ هذا أكثر في مقدمة كتابنا " فتوح فلسطين" فليُنظَر ثَمَّة .

ولا يعني ذلك أنني أنسف الرواية التاريخية بهذه القناعة، بل إنني أدعو إلى التريّث في استخدامها فضلاً عن اعتمادها، وهذا يستلزم منا تخطيطات ليست قليلة في رسم الصورة وإعادة تركيب المشهد من خلال جمع النصوص من المصادر المتاحة كافة، والحذر من الاعتماد على مصادر متشابهة في الخلفيّة الدينيّة أو السياسيّة، ثم وضع المادة في ميزان النقد والتحليل.

وأكاد أجزم اليوم أن قراءة التاريخ لا يجوز أن تكون قاصرة اليوم على دارسي مادة التاريخ بالطريقة التي يجري فيها تدريس هذه المادة في كثير من الجامعات العربية دون أن يزوَّد طالبُ التاريخ بما يلزمه من أدوات التحليل السياسي والفهم الاستراتيجي لتوضيح كيفية إدارة الدولة وتحدياتها ، وفهم الأحداث من وجهة نظر صانعها، وفهم أسس البناء الاجتماعي وطبيعة النسيج المجتمعيّ وعناصره، وفهم ملامح العماد الثقافي ومضامين البنية النفسيّة للمجتمعات عموماً ، وقراءة معطيات المكان وأثر البيئة في صياغة المسار التاريخي، وأهمية الوقوف على آراء الأقليات والقوى المعارضة ، والتخفيف من نمطية الحديث عن التاريخ أنه صراع بين الحكام وأعدائهم ومعارضيهم، أو أنّه استعراض للإنجازات والحوادث الكبيرة ، ويتطلب ذلك: الانفتاح على جوانب الحياة الأخرى للأفراد ووحدات المجتمع ومنتوجهم العاطفي والعقلي والفني الفرديّ والجماعيّ.

وبمعنى آخر فإن كتابة التاريخ تحتاج إلى مزجِ شخصيّةٍ تجمع بين الإمكانات الفكرية والسياسية والتحليلية في جوانبها النفسية والعقلية للفرد والمجتمع، والمعرفة بالمنظومة العلمية والعقدية السائدة، إضافة إلى ثروة لغوية تستوعب الألفاظ والمعاني ومدلولاتها في ذلك الزمان، وبعد ذلك كله قدرة أسلوبية على صياغة المنتوج وتقديمه للمتلقّي بهيئة مقبولة مُرضية. 

هيكل الدراسة ومخططها:

 يتكون الكتاب من سبعة فصول نسجتها من واقع المعطيات والنصوص والمرويات التي وقفتُ عليها، وحقّها أن تكون أكثر من ذلك لكنّ موارد الكتاب ومادته محدودة جداً ومتناثرة وأعتقد أننا حمّلناها كثيراً مما تستطيعه، وأرهقناها بكثرة المداورة والتقليب والمناورة عليها ، وأخشى أننا استنزفناها أيضاً ، دون إعسارٍ على القارئ أو إشعارٍ له بما تحايلنا به على النصوص لاستنطاقها ، وتقديمها موطّأةً مُفهَّمة.

وتحت كل فصل من فصولها مباحث عديدة نظَمْتُها على طريقة الفوائد، بتركيز الإضاءة عليها، ليعلم القارئ أهمية ما يقرأ، وحقُّ هذه المباحث أن تكون متصلة ببعضها متعانقة لا يفصلها فاصلٌ ، وهو ما حرصتُ عليه في صياغتي لمداخل هذه المباحث ، فأجمعَ بذلك بين انسياح المادّة وانتخابها.

وفصولها السبعة على هذا النحو:    

الفصل الأول : وصف المسجد الأقصى وقيمته عشيّة الفتح الإسلاميّ

الفصل الثاني : تكوين المجتمع المقدسيّ بعد الفتح الإسلاميّ

الفصل الثالث : مكوّنات المجتمع المقدسيّ عقب الفتح الإسلاميّ وآثارها

الفصل الرابع : العائلات المقدسيّة الإسلاميّة الأولى

الفصل الخامس : الحياة الاقتصاديّة في المجتمع المقدسيّ

الفصل السادس : المجتمع السياسيّ المقدسيّ

الفصل السابع : الحياة العلمية في المجتمع المقدسيّ

وقد بدا لي باديَ الرأي أن أدمج الفصل الثالث في الثاني إذ إن المكونات البشرية للمدينة هي نتيجة للتكوين الجديد ، إلا أنني تراجعتُ عن ذلك بعد تفكيرٍ خشيةَ استطالة الفصول وتوسّعها ، ثم حرصاً على تلاحم مادة كل فصل وتقاربها إلى ما يناظرها ويشاكلها في سياقه ؛ وهو ما دفعني أيضاً إلى إفراد الفصل الرابع رغم أنه شديد الاتصال بالفصل الثالث، لأن مادته غنيّة في بابها، وتستحق التمييز والإفراد لخصوصيتها ، ورأيتُ أن تتابع الفصول المتشاكلة في الترتيب يخفّف من سلبية هذا السلْخ الاجتهاديّ.

وإنني أسأل الله تعالى أن يبارك لنا فيما قصدناه، وأن ينفع به قارئه ، وأن يكون وسيلةً صالحةً على سبيل تحرير أرض فلسطين من هذا العدوّ المحتلّ البغيض ، لا دام له ظلٌّ ، ولا رَسَتْ له قدمٌ .

دمشق في 4/4/2011


[1] البلدان لابن واضح اليعقوبي 166 ، معجم البلدان لياقوت الحموي 4/274

[2] انظر : البلدانيات للسخاوي 198

[3] وجدت في بعض فهارس الرسائل الجامعية الإلكترونية أن الأستاذ حمد أحمد عبد الله يوسف كتب رسالة جامعية عام 1977م بعنوان " بيت المقدس: من العهد الراشدي إلى نهاية الدولة الأيوبية" أشرف عليها الدكتور عبد المقصود نصار ، ولم أطلع عليها أو أعرف أين نوقشت ولعلها في مصر ، ومجالها الزماني على كل حال واسع جداً وليس فيها ما تخصصنا به في تحديد القرن الأول.

2-11-2011 6:57 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
11/6/2011 4:06:28 PM
يوسف علي
عمل مميز
حقا لا نجد أي كتاب يتحدث عن تلك الحقبة بهذا التخصص ونتطلع لقرائته لمعرفة تأثير المسلمين على بيت المقدس ودرجة اهتمامهم به وإن كنت أبحث عن الأوائل من المسلمين ممن سكنوا بيت المقدس بروكت وجزيت خيرا

11/3/2011 3:10:17 AM
عمار محمد النهار
صدمة روحية
يقول المؤرخ المشهور المسعودي صاحب (( مروج الذهب ومعادن الجوهر )) في كتاب التنبيه والإشراف : (( قالت الحكماء : إن من علامة وفاء المرء وحسن دوام عهده حنينه إلى إخوانه وشوقه إلى أوطانه ، وإن من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها تواقة )) ، وقال آخر : (( عمّر الله البلدان بحب الأوطان ، فمن علامة كرم المحتد الحنين إلى المولد )) . فكل مرة يصدمنا الدكتور أسامة بصدمة روحية تنعشنا، في زمن عنوانه البكاء !!! كم كنا بحاجة إلى مثل هذا البحث، وانا - العبد لله - كأستاذ جامعي وكمختص في التاريخ بحاجة ماسة إلى هذا البحث، وحاجة الأمة أكبر وأكبر. لم أقرأ بعد هذا الكتاب، ولكن أهميته القصوى تكمن في إسكات أفواه المستشرقين الاستخرابيين الذين شككوا بالقرن الهجري الأول المقدسي، فهذا ( كستر )يذكر أن اتجاهات تفضيل وتقديس بيت المقدس لم تظهر إلا في القرن الثاني الهجري على يد الأمويين ، بل إنه استعان ببعض الأحاديث النبوية للتشكيك في مكانة بيت المقدس عند المسلمين .ويقول الكاتب إسحق حسون في مقدمة كتاب نشره في الجامعة العبرية أن حرمة بيت المقدس لم يكن عليها إجماع عند المسلمين إلا منذ القرن الثاني الهجري . وأما

11/2/2011 7:47:27 AM
د. يوسف حطيني
جهد مبارك
الأستاذ الدكتور أسامة: جعل الله هذا الكتاب جهداً مباركاً ومشكوراً.. ونفع به الأمة العربية المرابطة في ساحات النضال ضد الكيان الصهيوني وعملائه. وإلى مزيد من العمل في سبيل فلسطين التي تنتظر منا توحيد الجهود وتوجيه الطاقات لتحريرها.
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013