جديد الموقع
فنون نثرية

ذئاب

3-3-2013 9:33 PM

عدنان كنفاني

تودّع الشمس سفح الجبل، وتمضي صعوداً، تسحب خيوطها البرتقالية ببطء حتى تغيب وراء أعلى قمّة من سلسلة القمم المتباعدة على طول الجبل المطرّز بالخضرة، ليبدأ نهار جديد لمخلوقات أخرى في رحلة البحث عن البقاء.

سهل مترامي الأطراف، يمتدّ بين سلسلة من الجبال تحيط به من ثلاث جهات، وترسم النباتات البريّة التي تنمو وحدها في مسالكها الوعرة وبين صخورها ومغاراتها لوحات باذخة، تتّصل بالسهل المزيّن بقطع كأنها مفارش مزركشة، تتخللها جداول ضيّقة من الإسمنت مرصوفة بدقّة كعبّارات وبوابات ومقاطع تنقل الماء إلى السهل من النهر البعيد.

يدسّ "أبو دحّام" قضيباً رفيعاً من الحديد في كومة الجمر، فتتصلّب عضلات وجهه وهي تحمل في غضونها معاناة ستين سنة..

يتابع من خلف نافذة غرفته المطلّة على السهل جوع كلب لونه مائل للصفرة يبحث مُنهكاً عن كسرة شيء يقيم أوده..

ـ الذئاب لا تقتل رغبة في القتل يا "كرمو"..

كان لمّا يبلغ العشرين من عمره بعد عندما انتشلوا من أعماق المستنقع جثّة أبيه، ليحمل بعدها مسؤولية تربية "كرمو" ذي السنوات الخمس ورعاية أمّه، ومنذ ذلك الوقت بدأت الرطوبة تنخر عظام ساقيه.

لا يعرف أحد منذ متى امتلأ السهل الفسيح بالماء، وأيّ نهر أو طوفان أو مصبّات سيول كانت تصبّ الماء فيه حتى تشكّل مستنقع كبير فرض على ساكني المنطقة في القرى المتناثرة على شاطئيه نمطاً خاصّا للحياة، ووسيلة بدائية لكسب لقمة العيش مقتصرة على صيد الطيور المهاجرة التي تجد في مسار رحلاتها معين الماء هذا، ومن صيد الأسماك التي تكاثرت سريعاً في مياه المستنقع، ومن زراعات بدائية كالمكنس والزلّ والقصب، وفي زراعة مساحات ضيقة ومحدودة حول بيوتهم الفقيرة بما يعتبرونه عصب حياتهم "التبغ".. إلى أن انتبهت الحكومة إلى ذلك السهل الفسيح وشرعت بالعمل على استثماره بطرق أفضل، فعقدت اتفاقيات مع حكومة غربية لتجفيف المستنقع بعد أن أصبح عبئاً صحيّاً ومكانياً ليس على المنطقة التي تحيط به فقط بل وعلى مناطق أخرى أبعد..

وهكذا كان، فقد استطاعت الجهود الحثيثة تجفيف المستنقع بحفر أخاديد عميقة جرّت المياه الآسنة، وصرفتها في مجرى النهر البعيد، لتنكشف الأرض عن تربة غنيّة زاخرة بخيرات الطَمي المتراكم خلال سنوات لا يعلم عددها غير الله، وصالحة لزراعات أكثر إنتاجاً ونفعاً، جنّدت الحكومة فيما بعد خبرات وإمكانات كثيرة لتطويرها.

قطع مربّعة ومستطيلة ودائرية كأنها فصّلت تفصيلا، ملوّنة بألوان الأبيض والأصفر والبنيّ والأحمر والأخضر تمتدّ متلاصقة بتناغم ساحر، منسابةً بجمال عذري لتصل باللوحة الساحرة الممتدّة صاعدةً على أعتاب السفح الطويل الموشوم بخضرة داكنة لشجيرات بريّة متشابكة حتى القمة.. لتشكّل بمجموعها لوحة نادرة وفريدة صنعها الخالق فبزّت أجمل ما يصنعه البشر.

لم يصدّق "أبو دحّام" أن بين أصوات الحيوانات المختلطة التي تصدح عندما يسقط الظلام على سفح الجبل عواء ذئب.. يضرب على ساقيه المطعونين بآلام مرض المفاصل المزمن الذي أقعده عن الحركة، ويسخر من أخيه كلما أتى على ذكر الذئاب..

ـ في الليل نباح الكلاب الجائعة يشبه عواء الذئاب..

هل يترك ذئب جائع أجناس الحيوانات الضعيفة كالجرذان والأرانب والأفاعي والسحالي والثعالب التي يمتلئ بها الجبل وهو القادر على افتراسها متى شاء ويخاطر بالنزول إلى ساحات أبناء آدم ليسرق دجاجة، أو ليطارد أشباحاً..؟

كثيراً ما كان "أبو دحّام" يسخر، بل كان يضحك ملء شدقيه كلما تحدث أحد بإسهاب عن مشاهدته لحيوان مفترس يتجوّل في قمم الجبل.

العجوز "أم هدلة".. أقسمت أنها شاهدت دبّاً ضخماً بنيّ اللون.. حتى أنها لمست فروته الجميلة، وتحدّثت إليه عندما همّ أن يخطفها أو يفترسها، توسلت إليه، وحين أطلقها لمحت في عينيه بريق ابتسامة..

"مهدي".. الرجل الستيني شاهد نمراً ضخماً يتصارع مع أفعى مرقّطة طولها أكثر من سبعة أذرع..

"أبو عاصي" كثيراً ما تحدث عن ضباع شاهدها أو تتبّع آثارها..

أمّا الذئاب فلم يتحدث عنها ويصفها وينسج حولها حكايات أغرب من الخيال غير "كرمو"..!

كلما أتى إلى بيته متأخراً كان يظهر له ذلك الذئب بأنيابه القاتلة، ولونه المائل إلى الصفرة يضرب على جنبات السيارة بصخب. وكثيراً ما يحاصره ساعات داخل السيارة لا يجرؤ على مواجهته..

وكثيراً ما شاهده يقف بشموخ محارب على صخرة بعيدة يرسل عواءه الحزين..!

وكثيراً ما حمل ذلك الذئب تهمة الغزو على دجاج الفلاحين..

ويبقى "كرمو" وشبح الذئاب حديث المجالس..

عندما فقد الراعي البدوي أبو مرعي واحدة من نعاج قطيعه، ولم يعثر عليها لا في أرض ولا في سماء كان المتهم الأول ذئب "كرمو" الغريب.. إذ من يجرؤ على سرقة نعجة في مكان الناس فيه يعرفون بعضهم كما يعرفون راحات أكفّهم.؟

وعندما وجدوا "ماكس المدلل" كلب توماس الخبير الأسترالي المشرف على الأعمال الميكانيكية في مشروع التطوير مقتولاً ذات صباح، وآثار أنياب غرزت جوعها على عنقه، كان القاتل المتهم ذئب "كرمو"..

كان لا بد أثناء العمل على تجفيف المستنقع من بناء مخيم لإقامة العاملين وآلاتهم وأدواتهم على بقعة أمينة من ذلك السفح، قريباً من قرية "أبي دحّام".. وفي حركة استباقية قرر الأخوان بناء دارين على عجل وأن ينتقلا بأسرتيهما إليهما كأقرب مسافة من المخيم الوليد فقد تكون فرص العمل والرزق أوفر.

ـ الأرض هي الخير يا "كرمو".. تعطيك ولا تمنّ عليك..

لكن "كرمو" اجتهد بعيداً عن أمنيات أخيه، ووجد الفرصة لتحقيق ذاته وطموحه في وظيفة سائق سيارة في إدارة هيئة تطوير الزراعة في المنطقة.

بيتان صغيران متلاصقان يقبعان وراء طرف المخيم، وحيدان على سفح يمتد صعوداً حتى القمم وسط غابة من الأشجار البريّة.

يقود سيارة الجيب من المدينة القريبة في طريق العودة إلى المخيم، عند أول منعطف، فجأة.. تبرز كلبة تمشي الهوينى في عرض الشارع، لم يستطع تفاديها، صدمها بقوة أطاحت بها.

الكلبة تنزف بغزارة من رأسها، وتلفظ نفَسها الأخير.. بدّت كذئبة وهي تعضّ على أنيابها بقسوة..

لقد بدأ كل شيء منذ تلك اللحظة التي تباعدت فيها أمنيات الأخوين.

كيف يمكن أن يبدّل من تعوّد خلال سنوات كثيرة، على رتابة نمط حياة محدّد في قرية صغيرة فقيرة نائية ليس فيها أية فرصة لتحريض الطموح غير البحث عن وسيلة للبقاء والتناسل نمط حياته بسهولة.؟

الحياة التي عاشها "أبو دحّام" وأمثاله في قريتهم كانت سهلة رغم المصاعب الشائكة التي كثيراً ما فرضت عليهم معاناة صنوف من التعب والجوع وانتظار رحمة قدرية.. ينام متى يشاء ويصحو متى يشاء، لا ضابط ينظّم إيقاع حياته، ولا بارقة أمل تستدعي منه دفقة أمل انتظاراً لأي شيء..

وعندما تزوج أصبحت الأمور أسهل، فالزوجة تحمل الكثير من أعباء العمل وتتيح له فرصاً أكثر للتفرّغ لمضافته المتواضعة، وتجاذب الحديث مع الناس بين قرقعة مصبّ القهوة وأكواب الشاي.

يشمّر عن ساقيه، ويخوض في مياه المستنقع ليلتقط في شبكة بدائية صمّمها بنفسه يعلّقها على طرف عصا طويلة يضع فيها فتات خبز ويغطّسها بالماء، وعندما تهتزّ قليلاً يسحبها بسرعة ويرقص فرحاً وهو يشاهد سمكة "سلّور" كبيرة تشبه أفعى سوداء قبيحة عالقة فيها، يحملها إلى بيته لتقيم أوده وأود أخيه الصغير "كرمو".

عندما انشقت فرص الأمل أمامهما بالحدث الجديد والحركة غير العادية التي بدّلت مشهد المنطقة أمامهما هو وأخوه فرّقت بينهما الرغبات، بدأت تلك الخلافات الصغيرة التي لم تتعد أمنيات خابت بينهما تنمو وتزرع بينهما الأشواك، وأصبحت مع مضي الوقت حواجز أخفت وراءها صراعات محمومة ومكبوتة.

تصنّمت رغبات "أبو دحّام" في دائرة سنوات كثيرة عاشها وتعوّد عليها، فاقتصرت طموحاته على استثمار قطعة أرض أصبحت في ملكيّته بعد أن كشف عنها تجفيف المستنقع، فأعمل فيها كل ذكائه وما تعلّمه من السلف وأدرك باكراً بأن السهل الغني البكر يمكن أن يعطي بلا حساب إلى من يملك رؤية صائبة، وهو يملك تلك الرؤية بجدارة.. إلى جانب قطعة أرض مماثلة سجّلت في ملكية "كرمو" لكنها بقيت بكراً لم تعمل فيها يد ولا استثمرتها جهود.

الأرض غنيّة بتربتها وبكارتها، والمزروعات عالية المردود تنتظر من يمضي إليها دون انتظار فكل أمر يبدو سهلاً بالدعم غير المحدود الذي تقدّمه الدولة للمزارعين في المنطقة، لكن أبا دحّام أدرك بأن لا فائدة من زراعة التبغ والبقول و الأشجار التي تنمو فوق سطح الأرض رغم إنتاجيتها المغرية، وأدرك أنه لو أراد استثماراً فليكن أقل طمعاً بزراعات تنمو تحت سطح الأرض جذور ودرنيات تنجو من عصف الرياح القويّة، وتعطي أكلها محتمية من صخب عواصف دائمة تتوالد في السهل كما تتوالد الحشرات القارصة وتأتي على عود يقف منتصباً فوق سطح الأرض.

أحاط طموحه الجديد بحدّ كفاية يؤمّن له ولأسرته حياة مستقرّة، ورضي بما تعطيه الأرض من بطاطا وبصل وشوندر.. يراقب الأرض المهملة بحسرة، ويتمنى لو أن "كرمو" يتخلى عن الوظيفة ويحمل معه بعد أن أقعده المرض عبء العمل.

بعد أيام وجدوا بعض ريش الدجاج المفقود يتطاير في الهواء من أعلى الجبل، بينما عثروا على عظام نعجة في فم كلب ضالّ.

كيف يتماهى الضدّ وضدّه في بيئة واحدة.؟

بين جمال أخاذ يسحر اللبّ، إلى جانب فقر يكاد يخنق الروح يعيشه سكّان المنطقة..

أسراب "الزرازير" الآتية من فضاءات بعيدة كأنها سحابة سوداء، تسقط مذعورة تبحث عن أي فجوة أمان عندما تعتلي "شوحةٌ" ذئبية جارحة سقف السماء، تفتّش عن صيد وسط موجة الخير المقبلة في مواسم الهجرة.

رياح عاصفة أيضاً تحمل الضدّ وضدّه، وهي تقتلع كل شيء تفيض كرماً وتبعد إلى حين أسراب القارص والناموس والحشرات الطائرة التي ما أن تسكن الرياح قليلاً حتى تمارس سطوتها على جلود ولحوم الناس، ولا تُحتمل.

النرجس البريّ بلونه الزاهي الأبيض والأصفر بازدحامه الجميل، ورائحته العطرية النفّاذة تنثر في فضاء السهل الفسيح عطرها، وتمتدّ على مربّع شاسع يكتسح أرض "كرمو" ويهدد أرض "أبو دحّام".

تنكشف السماء ثانية، تحلّق مجموعات قليلة من طيور "أبو سعد" بسيقانها الدقيقة الطويلة، وأجنحتها الكبيرة باحثةً بعيونها الثاقبة عن أفعى أو فأرة أو أي شيء يتحرك على الأرض لتنقض عليه كصاعقة تحمله وتصعد به عالياً ثم تسقطه وتعود إليه لتلتهمه.

عُقل البطاطا المزروعة حديثاً في أرض "أبي دحّام" لم تتفتّق بعد عندما دهمها رعب أسراب الزرازير فعاثت بها دون أن تدرك قسوة ما تفعل فساداً وإفساداً.

"كرمو" يراقب بعينين مجهدتين حيرةً ودهشةً تلك المجزرة، ويرسم في رأسه صورة ذئب ينبش الأرض ويتلف بذور الحياة.

ـ الذئاب تقتل وتفترس كل شيء لكنّها تنهزم أمام صمود الأرض يا "كرمو".!

السيارة تتهادى بطيئة على إسفلت الطريق الحديث، مقتحمة حقول السهل الفسيح، فجأة تنحرف عن قصد وتدوس ما تبقى من حياة في نبض حقل "أبو دحّام".

القضيب الحديدي الرفيع المغروز في كومة الجمر يتوهج بلون شفقيّ.

"كرمو" يحمل حبلاً، ويغذّ الخطى صاعداً مسالك الجبل..!

"أبو دحّام" يتابع من خلال نافذة بيته خطوات أخيه، ويبحث بعينين مرعوبتين عن كلب ضال ما فارقه منذ مدّ إليه يده بالخبز والدفء.

يشمّر عن ساقه اليمنى ويسحب القضيب المتوهّج، وبطيئاً يضعه على مفصل ركبته.

كأنه يشاهد "كرمو" يجر وراءه جثة ضخمة لونها مائل إلى الصفرة، لم يعرف أهي جيفة كلب، أم جيفة ذئب.؟!

رائحة شواء لحم آدميّ تملأ فضاء الغرفة الكئيبة.؟!

(كان ذلك في شهر نيسان "إبريل" من العام 1964..)

3-3-2013 9:33 PM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013