جديد الموقع
فنون نثرية

جوهرة السوق الكبيرة ... عمر الآغا

30-10-2014 8:07 AM
جوهرة السوق الكبير ..

عمر الآغا 

جلستُ ذلك اليوم على الرصيف بجانب بوابة السوق الكبير، هكذا كان اسمه عندما تحدّث عنه جدي قبل زمن، أو هكذا سمعت، لا يهم .. على الأقل فإنه يبدو كبيراً من
ضخامة بوابته ليسمّى بهذا الاسم.

جلستُ وحيداً بصحبة الغيم الذي كان يذرف دمعاً غزيراً يطرق رأسي طرقاً، وبصحبة عمودٍ للإنارة يضيء لي وجوه العابثين الضاحكين بصوتٍ لا يُخفي تصنعهم عند خروجهم
من تلك البوابة، وكأن صديقي العمود يحذرني بإضاءته من الدخول إلى ذلك العالم الزائف.. جلست هناك .. أرقبُ وجوه الخارجين علِّي أرى وجهاً يعتريه ما يدفعني للدخول .. كنت واثقاً من خروج ذلك الشخص .. لا أدري لماذا ؟ لكنِّي كنتُ واثقاً؛ إلى أن خرج شخصٌ عمَّ نوره  أضواء السوق الزائفة، وطغت ابتسامته على ضحكات الوجوه الغابرة.

صرختُ للعمود: وجدتُ ضالّتي.. هناك شيءٌ مخلتف عند ذلك الرجل ! لم أنتظر ردّاً .. أسرعت باتجاه ذلك الشخص لأسأله عن سر ذلك النور، ولماذا أنت بالذات؟ .. في حضرة كل تلك الوجوه الغابرة !

وصلت إليه ووضعت أسئلتي في أذنه .. ابتسم لي وقال : عليك بجوهرة سوق الأفكار ! وسكت .

قلت له .. سوق الأفكار ! جوهرة ! أي سوق ؟ وأي جوهرة ؟

أجابني .. يا بُنيّ .. لا وقت عندي .. فالعمل لاسترداد تلك الجوهرة كبير ..
والعاملون قلّة .. والمتربّصون كُثر .. وأخشى أن تضيع الجوهرة .. يا بُنيّ عليك بالجوهرة .. وإن كنت صادقاً فيما تطلب .. سنلتقي يوماً ما .. إما لاستردادها معاً أو بعد ذلك.. يا بنيّ لا يغرنّك كثرة العابثين في ذلك السوق، ولا تغرنّك توافه
الأمور .. ثم مسح على رأسي وقال: عليك بالجوهرة..ورحل !

عدتُ إلى ذلك العمود، ولتلك الغيمة التي لم تعد تذرف الدمع، جلست على الرصيف مطرقاً رأسي لثقل الأسئلة التي تعصف فيه .. رفعته بصعوبة ونظرت إلى تلك البوابة .. هو سوق الأفكار إذاً .. !

لا بدّ من الدخول إليه .. لا بدّ لي من أن أرى تلك الجوهرة ..

تحزّمت بهمةٍ لا أدري من أين نبتت في صحراءَ قاحلة .. وتوكلت على الله ..

دخلت إلى ذلك السوق .. وإذ بالمتربصين على بابه ..  لكل قادم .. يعرضون سلعهم بعروضٍ خاصة قلَّ نظيرها .. عرضَ عليّ بائعٌ منهم صندوقاً معبّأً بالتفاهة .. بلا مقابل .. قال لي :
خذها ولا تخف ! وجذبني آخرٌ من قميصي المبلل وقال : خذ ثلاثة صناديق من العمالة ولك ما تطلب من الأموال .. بشرط أن تعمل معنا في السوق .. وأمسكني آخرٌ من شعر
رأسي وأعطاني جهاداً مغلّفاً بدماء الأطفال .. وكثر الجاذبون .. وتوالت العروض .. وتعالت الأصوات .. فركضت هارباً ..

أين الخيّرون ؟ .. أين أصحاب الجواهر المضيئة ؟ .. أين أهل الحق ؟! لماذا لا يعرضون سلعهم  ؟ لماذا ؟

أسئلةُ عصفت في رأسي وزادته ثقلاً عندما جلست داخل زقاقٍ في قلب السوق .. وزادتني عزماً على إيجاد تلك الجوهرة .. علّ العواصف تهدأ .. ويزول الضباب عن زجاج
العين .. ليتضح الطريق ..

نهضت بحثاً عن الجوهرة .. سألت رجلاً من العامة  إن كان قد رأى جوهرةً، فقال لي والعزُّ الزائف يطغى على مُحيّاه: وما الذي أريده من الجوهرة ؟ .. أنا الجوهرة ! .. انظر إلى
ساعتي .. انظر إلى سيارتي .. بل انظر إلى الرقم الذي أضعه عليها.. انظر .. وانظر ..

 

لا فائدة .. هذا السوق مليء بالتافهين ..

  

الطريق وعرة .. لا لافتات .. سوى لافتات العُهر، ولافتات العبودية المزينة بالمال وبراحة البال ..
مضيت في طريقي راجياً من الله بلوغ القصد ..

مضيت ومضيت .. حتى رأيت نوراً من بعيد .. نوراً يضيء ما حوله .. سِوى أن سوادأ كان يحيط بالمكان ..

لم استطع أن أرى مصدر النور .. صعدت فوق أحد المباني المترامية على أطراف ذلك السوق .. وإذا بنورٍ يشع .. يملأ المكان .. هذه هي الجوهرة .. وجدتها .. نعم
وجدتها .. الحمدلله ..

أمعنت النظر .. ما هذا السواد الذي يحيط بالجوهرة؟ .. من هؤلاء؟ .. لماذا يلتحفون السواد ؟  لماذا يحفرون بجانبها ؟
.. لماذا يحفرون تحتها ؟ .. هل سيسرقونها ؟

التفتُّ إلى يميني فوجدت رجلين يمعنان النظر والحسرة تعلو وجهيهما .. التفتّ إلى يساري .. لم أجد أحداً .. المكان خالٍ سوى من هذين الرجلين .. هما هنا لنفس
السبب ..
اقتربت ..

 -  أهلاً ..

التفتا إلي ..

- أهلاً وسهلاً .. ثم عادا لينظرا إلى ما كنتُ أنظرُ إليه ..

جلست بجوارهما ..

-        
ما الذي يحدث .. ما كل هذا ؟

أجابني ذو اللحية البيضاء ..

-        
لا بد أنك تتحدث عن الجوهرة .. صحيح ؟

-        
نعم ..

قال لي والأسى يقطر من حديثه :  يا
بني هؤلاء القوم لا يريدون لنورٍ أن يطغى على أضوائهم الزائفة .. يعلمون أنها منبع الضياء .. لذلك يحاولون اقتلاعها من جذورها ..

أفكارهم لن ترسخَ بوجود هذه الجوهرة .. يريدون اجتثاثها .. وبناء الأضواء الزائفة على أنقاضها ..

صرختُ في وجهه ..

ساد الصمت ..

اعتذرت ..

قلت: أتعلمون كل ذلك .. وتسكتون !

أجابني ذو اللحية البيضاء .. لا حيلة ..

قلت له : لا حيلة ! ..

نظرت إلى صاحب الشعر الأسود المجعّد والنظارة المكعّبة وقلت: أنت أيها الصامت.. لا حيلة لديك أيضاً ؟!

اهتز رأسه .. لأعلى ولأسفل .. كررها مرتين ..

اقتربت أكثر ..

قلت: الحل لن يأتي بالنظر والصمت .. لن يأتي أبداً ..

الحل في أن ننهض .. وينهض العقل ..

 أن نلعن الظلام .. ونغرس الشموع .. لنحرق السواد ..

 أن نضبط الأشرعة .. فلا موجٌ يُغرقنا .. سنعلو به ..  لنصل لشاطئ الجوهرة ..

سنصنع الطوفان .. ليغرق السواد .. ويسود الضياء ..

اتّحدت الأيدي ..

نهضنا .. وعملنا .. وما زلنا ..

لنصنع الطوفان ..

أيها النائم ..

انهض.
30-10-2014 8:07 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013