جديد الموقع
قراءات ودراسات

د. عادل الأسطه

مدن الشاعر راشد حسين

25-2-2015 10:33 AM

في اﻷول من شباط من العام 1997 توفي راشد حسين،في ظروف غامضة،في مدينة نيويورك، وكان راشد-ابن قرية مصمص في المثلث في فلسطين-غادر فلسطين،واستقر به المقام أولا في دمشق ،ثم غادر إلى نيويورك،وإن كان شعره يفصح عن سبب ذهابه إلى هناك، فإنه غادر للعلاج.

أتيت الطب في نيويورك
أطلب منه مستشفى 
فقالوا:
أنت مجنون 
ولن تشفى 
أمامك جنة الدنيا 
ولست ترى سوى حيفا 
ص523 من أ.ك. ا

ولم تكن حيفا أول مدينة يزورها الشاعر أو يكتب فيها الشعر،فقد زار عكا وخصها بقصيدة مطلعها:
حلم الرعاة ورقصة الريحان واﻷرض الندية وعنوانها"عكا والبحر "وأهداها إلى"اﻷصدقاء الذين عرفتهم في عكا"، وبدت عكا في قصيدته حلوة البسمات، طهورة, قبل البحر راحتيها وجاءها يسالها المشورة، فهو امير يريد ود قلبها هي الاميرة، املا الا تجرح شعوره، هي المدينة الهازئة اسوارها بالبحر، وهو يخشى ان رفضت مشاعر البحر النبيلة ان ينثني عنها ليخطب قلب جارتها الجميلة: حيفا، وجمال حيفا ان يكن نقصه النسب الاصيل الذي امتازت به عكا، فثمة ما يعوض هذا: ثراؤها وكرملها. ولا يمعن الشاعر في اثارة غيرة عكا، اذ يطلب منها ان تصفح عنه، هو الذي جاء اليها من قريته العزلاء محملا برائحة الازاهر ووداعة الاطفال الطاهرة.(ا.ك.124) بعد كتابته قصيدته (عكا والبحر) سيخص حيفا بقصيدة عنوانها "الى حيفا".. وفي الاهداء نقرا: "الى حيفا التي شبت طفولتي فيها".هل يعني هذا انه عرف حيفا قبل زيارته عكا؟
حيفا هي موطن الذهب النضير،وهي مسرح للفاتنات وسوق أقمشة الحرير،وقد زرع راشد حبها يوم كان فتى غريرا،وحين ارتحل عنها بكاها دموعا.لقد أزهرت طفولته القصيرة في صدر حيفا،مع فارق أن مياه حيفا تعود إلى بحرها أن أمطرت سماء حيفا،في حين لا تعود طفولة الشاعر إليه.

القدس الغربية ..اورشاليمما بين 1948-1967 زار راشد حسين القدس الغربية بتصريح عسكري اسرائيلي ، ويبدو أنه سر فيها فخصها بقصيدة عنوانها : "إلى أورشليم" افتتحها بقوله:

أمدينة الزيتون!زيتون الهوى أثمر
لما بسطت على فؤادي زندك اﻷخضر
وكانت أورشليم زرعت في قلب الشاعر،بعد أن عصته،عينين للحب فيهما آثار من قسوة الرومان.أورشليم هي ربة الزيتون التي أثمر حب الشاعر يوم ذهب إلى أورشليم زائرا.ويبدو أن سرور الشاعر في المدينة كان كبيرا،وأنه أحب المدينة وأحبته،ولهذا خاطبها:
يا ربة الزيتون!
قومي اصلبيني فوق صدر الحلوة السمراء
ورأى فيها مدينة اﻷحلام،دورها من خيال العيد،وأحجارها مهج سبتها الفاتنات الصيد،وكم تمنى الشاعر لو بقي في المدينة،ولم تنته فيه مدة التصريح:
لظللت فيك مجرحا تجريح. لتضاعفي التجريح
بمغامز الزيتون
وﻷحتسي من كأس حبك ثرثرات الغيد.(أ.ك. ص256) 
والطريف أن الشاعر الذي عبر عن مآسي شعبه،وانتصر للثورات العربية،ومنها ثورة الجزائر، لم ير الوجه الآخر ﻷورشليم،المتمثل بأنها قامت على أنقاض شعبه،وأن جزءا من بيوتها هي بيوت الفلسطينيين وأهله ممن رحلوا أو رحلوا يافا:
في العام 1948. وما لم يره في القدس الغربية فيما يخص هذا الجانب،رآه في يافا التي خصها بأكثر من قصيدة،بدت فيهاصورة يافا قاتمة،قياسا الى ما كانت عليه قبل ان تغدو مدينة محتلة.خص الشاعر يافا بقصيدة عنوانها "ما زال في يافا" وهي قصيدة طويلة كتبها في العام 1958.
تروي يافا حكايات شجية ،وحكايات برتقال لم يزل يهب البطون الظامئات عصيرا.وما زال في ميناء المدينة باخرة تقهقه مداخنها،جاءت ترحل برتقالا، رحلت من قبل،زمن ايدن،اهل البرتقال،جاءت ترحل البرتقال الى بلاد الشقر في بلد الضباب الاسود.ويافا ما زالت بياراتها الخضر مغمضة الجفون في خصرها زنار سرو مزقته يد الجنون وحمامة خدشت بصوت هديلها وجه السكون.لقد رحل اهل المدينة،وما زال الشاعر يامل ان تكون عودتهم قريبة.
الاهم من هذه القصيدة هي قصيدة "الحب والغيتو" التي كتبها في 1963،اي بعد 5سنوات من كتابة القصيدة الاولى،وهي قصيدة طويلة ،يرثي فيها راشد ما الت اليه المدينة،وما ال اليه سكانها.انها من قصائد رثاء المدن حقا،وهي قصائد عرفها الشعر العربي القديم جيدا.
يفتتح راشد قصيدته بقوله:

مداخن الحشيش في يافا توزع الخدر
والطرق العجاف حبلى..بالذباب والضجر
وقلب يافا صمت ..اغلقه حجر
وفي شوارع السماء..جنازة القمر.
ويافا بلا قلب وبلا قمر..انها دم على حجر،وكان الشاعر يعرفها من قبل،فقد رضع من اثدائها حليب البرتقال.لقد شلت ذراعها وانكسر ظهرها بعد العام 1948،وبعد ان كانت حديقة اشجارها الرجال مسخت محششة توزع الخدر،وبعد ان كانت مهنتها تصدير برتقال غدت مهنتها تصدير لاجئين.
نيويورك:

بعد خروجه من الارض المحتلة واقامته في دمشق،في اثناء حرب تشرين،سنجده يخص دمشق بقصائد تبدو فيها دمشق مدينة مقاومة.وسيكتب يوميات المدينة "يوميات دمشق".
في قلب دمشق،في حرب تشرين،ولدت ثانية حطين،وغدت دمشق على شفتي الشاعر محطة حب تعتذر لها الازهار.انها مدينة مقاومة كتب اعداؤها على اكفان موتاهم: "من صنع دمشق"،وغدا الورد في المدينة احلى ورد،وفيها شاهد الشاعر كل الحب في الدنيا يسير مجندا يحتضن بندقيته يشبك عليها الياسمين،وغدت البندقية حبيبة الجندي وعليها اسم دمشق،والشاعر الفلسطيني الذي ذهب الى دمشق،لم يذهب اليها سائحا :"انا فلسطين/ومن حبي ...انا ايضا دمشق"(488)،دمشق اخت فلسطين يراها راشد مسافرة في دمائه،وهو يحبها اما/اختا/طفلا/طفلة/شعرا يذيب جميع الشفاه ليطبع قبلة،وحين يودعها يخاطب ربه:"الاهي/كيف خلقت جمال دمشق/نضال دمشق...وحب دمشق" (496).
طبعا سيكتب راشد قصائد يذكر فيها لبنان و المخيمات الفلسطينية في لبنان،وسيكتب ايضا قصيدة عنوانها "في نيويورك"،ولم يكن في هذه يشعر بانه حي.انه يسير فيها ميتا،ويكره فيها مغازلة النساء،وهن كثيرات،لانه ما زال يعشق البنت التي جاءت من الصحراء،وليس امامه وهو هناك،وقد تخلى عنه اصدقاؤه الذين يغازلون الدولارات،لم يكن امامه الا ان يكتب الشعر في مدينة بدون اصدقاء (536).
القدس
وهو في المنفى،وفي ديوانه الاخير انا الارض لا تحرميني المطر،سيكتب راشد قصائد عن القدس،وستكون كتابته مختلفة.هناك قصيدتان يحضر فيهما دال القدس في عنوانهما وفي متنهما،الاولى "القدس في عينين"(433) والثانية "القدس والساعة"(450). ينظر الشاعر في عيني المخاطبة ويرى فيهما نخيلا ودوالي ،ويرى ان لونيهما كحبه القدس:غال،الف غال.القدس في عينين نخيل ودوالي،وهو لون جريح كشعر الشاعر،ولكنه جميل مثل حبه،وان كان طويلا كاعتقاله.لون عينيها ابوه يزرع رمانا وتينا،وهو صلاح الدين من دون رجال،وعذاب لون عينيها لاشباه الرجال.انه حصاد وبيادر وكفاح يسافر فيه الوطن،وفوق هذا صبور كامه،وكريم كسهوله،وابي كجباله.انه حمام ونسور في نضاله.
في قصيدة القدس والساعة ياتي على احتلال القدس في العام 1967.الاحتلال موت وجراح وقنابل وتشويه.وكان العرب يومها اصفارا،وكان رب الشعب في البار يصلي لعشيقة،ولكن القدس تثور وتتمرد،وهكذا تتحول الى مدينة مقاومة،وستغدو العذارى فيها حبالى وامهات للنضال،وسيؤرق هذا، الاحتلال الذي كلما مرت بعيونه طفلة وبنت صغيرة فتش الجند في صدرها وفي رحمها وفي عقلها ،عن قنبلة،واذا لم يجدوا شيئا معها اصروا:
هذه البنت صغيرة
ولدت في القدس
والمولود في القدس
سيضحي قنبلة
صدقوا..المولود في ظل القنابل
سوف يضحي قنبلة.هكذا تغدو القدس مدينة مقاومة مختلفة عن تلك التي زارها في 60ق20 قبل الاحتلال،وراها مدينة الغيد الحسان اللاتي ثرثر معهن.وفي قصيدة عائدون ص539 يغدو شباب القدس بين مكانين:السجن او المنفى.
ما الذي نخلص اليه بعد تتبع كتابة راشد حسين عن المدينة وعن القدس؟
لم تكن القدس ،قبل العام 1967،مدينة راشد الاولى.كانت مدنه الاولى عكا وحيفا ويافا،وصارت القدس في اشعاره،بعد هزيمة حزيران،لا تقل عن عكا وحيفا ويافا،وعلى العكس فقد ارتقت الىمكانة تلك المدن،وخصها الشاعر بقصائد اكثر،واستحضر اسمها في عناوين قصائده،كما فعل من قبل وهو يكتب عن المدن المذكورة،ومع ان راشدكتب عن دمشق في فترة صعودها،وعدها مدينة مقاومة في حرب 1973،وكتب عن لبنان ومخيماته ،الا ان انتماءه في المنفى ظل لمدن فلسطين،بل انه سيكتب قصيدة عن الناصرة يعلن فيها انه هو الناصرة.اليس غريبا انه راى في نيويورك تابوتا،وهي جنة الدنيا في نظر البعض،؟وظل لا يرى سوى حيفا.
25-2-2015 10:33 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013