جديد الموقع
أرض وطبيعة

الدكتور أسامة الأشقر

زيت البدّودية ... صناعة فلسطينية في طريقها للانقراض !

29-9-2016 11:38 AM
وكالة قدس برس

البدّودية !
كم أطربني أيوب سرور هذا الرجل الريفي من نِعْلِين في قضاء رام الله المحتلة، في مقطع مصوّر له ، وهو يلهج بعاميّته الفلسطينية القروية في شرح واحدة من تراث المطعومات الفلسطينية القديمة المرتبطة بأقدم الأشجار التي عايشها الإنسان وبنى معها واحدة من أقدم العلاقات الإيجابية مع الأرض وهي شجرة الزيتون ...
الزيتونة شجرة معمرة يصل عمرها إلى آلاف السنين ، وهي وثيقة الصلة بالديانات السماوية، من خلال زيتها الموصوف بالبركة، وهي وثيقة الصلة بالإنسان الأوسطي الذي يعيش في حوض البحر المتوسط، إذ لا شيء في هذه الشجرة إلا ستجد له مهمةً إيجابية أدخلها الإنسان في دورة حياته، وكان يرمز قديماً إلى القوة الأبدية، وكان هدية ملوك البحر المتوسط إلى الأمم الأخرى، بل إن اليونان عقدوا أكاليل الفائزين بالمسابقات الأوليمبية بأغصانه، وكان الفراعنة يستخدمونه لتخليد ملوكهم في التحنيط، ولكن التراث الاجتماعي الأشهر فيه أنه مائدة يومية يفرشها الناس، ويبحثون عن سبل حفظه حتى الموسم الجديد لئلا ينقطع عنهم .
والزيت أهم منتجات هذه الشجرة ، وله درجاته ومستوياته في المذاق والجودة وتركيز الحمض والتأثير الصحي... ، وهذا لا يتصل بنوع الزيتون وجغرافية انتشاره فحسب بل بموسم التقاطه ودرجة تعرضه للشمس والهواء على أمّه الشجرة أو عندما يسقط منها. 
عندما يضيق الحال على المزارع الفلسطيني قبل أن يحين موسم حصاد الزيتون المعدّ لاستخراج الزيت، يأتي المزارعون فيلتقطون الحبّات التي في طريقها للنضج قبل أن تسودّ ، وتكون ذات لون أشهب يميل للسواد ، ويتجنّبون الحبات الخضراء العَجْراء التي تُتّخذ للكبيس والتخليل عادةً .
يجمعون أعشاب النَّتْش الجافة التي تنمو في البساتين وبَرّيّة الجبل التي نبتت وحدها بعد موسم الربيع ، ويشعلون فيها النار ويضعون فوقها هذا الزيتون ، فتشتعل الأعشاب بسرعة وتنحرق حبات الزيتون قليلاً بعد أن تطرد الحرارةُ ماءَها، وبذلك يتخلّصون من القش الشوكي المنتشر بأمر مفيد .
يضعون الحبات المروقة في تجويف صخري مقعّر ، ثم يدْرسونه بحجر كبير يسمّى الدِّرْداسة ، فتتكسر أنوية الزيتون وتتهشم أنسجة الثمرة المحيطة به ، ثم يجمعون ذلك كله في كيس كثير المسامّ أو الثقوب الصغيرة ككيس البصل - وكانوا يصنعونه قديماً من فروع أشجار الزيتون الطرية على طبقتين- ثم يضعون فيها حصا صغيرة شديدة الالتهاب تقوم بامتصاص المرار ، ثم يضعون فوق الكيس حجراً كبيراً أو اثنين أو أكثر للضغط عليه، فيسيل الزيت الأخضر الغامق إلى التجويف المقعّر ، ثم يجمعونه في إناء ، ويشرعون في استخدامه ، بعضهم يأكله نقيّاً مع خبز الصاج، ويظنون أنه علاج لكثير من الأمراض، وبعضهم يضيفه للمفتول الفلسطيني الشهير، وبعضهم يضيفه للجبن البلدي ويخبصه معه ويتناوله بالخبز ... .
طعم هذا الزيت لاذع جداً ويكاد يحرق الحلق لذلك يستلذّه الذوّاقة، وينتظرون موسمه لدعوة الأحباب والأصدقاء .
هذا الزيت يسمى زيت البَدُّودة أو البدُّودْيا ، واسمه مأخوذ من حجر البَدّ ، وهو الحجر الذي يستخدمه قدماء فلسطين في استخراج الزيت، وكانت المعاصر الكبيرة تستخدم البدّ المكون من جرين كالرحَى في عصر الزيتون عبر قون طويلة قبل أن تأخذ مكانَها المعاصر الآلية الحديثة .
29-9-2016 11:38 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013