جديد الموقع
شعراء وقصائد

د. أماني حاتم بسيسو

قراءة في قصيدة د.عبد الرحمن بارود (البحر)

3-1-2017 8:06 AM

بين الفنون: 
هذا الإبداع، ليس قصيدةً حَسْب،..
أحداثه تَتَجَسَّدُ أمامَ عينيّ القارئ، فيكادُ يراها حَقَّاً.
تَستبطنُ داخلَها مَشهداً مسرحيّاً، بل وتمتدُّ إلى رواية، تكثر فيها الشخصيّات، وبطلُها الرّئيسي واحد.
إنسانٌ أخَذَ منه الجهدُ كلَّ مَأخذ، ولم يَيأس، ظلَّ يَجُرُّ قاربَه في عتمة الليل، الذي باتَ يَرْصُدُ خطوَه أيّان مَضى.،
ولكن،.. لَئِن كان مَشهداً مَسرحيّاً، أو عددا من المَشاهد المُفعمةِ بالحركة،.. لَعَجِز، وإن كان قِصّةً أو روايةً، لَما فَتِئت تُصارع، تَصولُ وتَجول،.. دون أن تَحول،
إنَّ الأفضلَ لها أن تجري  قصيدةً، لأنَّ الشِّعْرَ بِصُحْبَةِ اللحْنِ والإيقاع، يَملكُ التَّعبير، دون أن يَحْجبَه عائق، او يَلْحَق به لاحِق.
القراءة:
بدايةً..، يَمْلِكُنا اللحن، بحر المُتقارب، وتستعيدُ موسيقى المتقارب لِذاكرتي سريعاً قول أبي القاسم الشابّي:
إذا الشعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ          فلا بُدَّ أن يَستجيبَ القَدَرْ
وقول علي محمود طه:
أخي جاوز الظالمون المَدى         فحَقَّ الجهادُ، وحَقَّ الفدا
نمَطُ الثورة، وحِسُّ الثوّار المُتجدِّد المُتَحَدّي، والقافية: حرف الرّاء، حرفٌ تكراري، يُجلّي تكرارَ المواجهة، والكَرَّ تِلْوَ الفرار.

هذا فيما قبل، ..فماذا بَعْد!
القصيدة مُضمَّنةٌ في خَمْسة مَشاهد:
المَشهد الأوّل:
هو البيت الأوّل وحْدَه:
ودَمْدَمَ في الرَيح مَوجُ البحارْ       كئيباً، وغارت بقايا النّهارْ
جوٌّ مُفْعَمٌ بالمُصاب (دمدم)، إنَّ صَوتَ اللفظة يكادُ يَبْغَتُ القارئَ لأوّلِ قراءَتِه، والموجُ ليس مَوجَ بحْرٍ واحد، ،إنّه موج (البحار) مجتمعات، والرّيح (في النَّصِّ القرآني) تَحمل طابعَ الإهلاك بالعذاب، وما زاد إلا أن يكون كئيباً.
وما تزالُ روحُ أبي القاسم تُعاوِدُنا، حتّى باللفظ نفسه:
ودمدمت الريحُ بين الفجاج        وفوقَ الجبالِ، وتحتَ الشَّجَرْ
لقد تَواطأت عناصرُ الطَّبيعةِ الهدَارة في إفعام المَشهد بالحركة، كأنَّ شاعرَنا يُحيلُ ذاكرَتنا إلى هذا البيت نفسِه، الرّيحُ في بيت الشابي تَحمل نفَس التّحدّي، لكنّها في بيت عبد الرحمن بارود تَتعرّضُ لِتَحَدٍ جامح، إنّه (موج البحار) مجتمعات، ليس بحراً وحدَه،(وغارت بقايا النهار) أشبهَ النّهارُ الماءَ إذْ يَغورُ في الأرض، دون وَعْدٍ بِتَجدُّده، ويحضُرني استلهامه من قوله تعالى: "قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ مَعين" (الملك: 30)، وما غار هو (بقايا النهار)..لقد حُجِبَ النَّهارُ من زمن، ولم يَعُد يَلُفُّنا سوى (بقاياه)،
 المَشهدُ غايةٌ في اليأس والأسى، ما الذي يَلوحُ خلال هذا الجَوِّ الكئيب؟
2. المشهد الثاني:
وأقلعَ من شاطئٍ في الصُّخور      قاربُ صيدٍ، غريب الدِّيارْ
  شاطئٌ قامَ بين الصُّخور، وسْط ورغْمَ العوائق والتَّحدّيات، لكنّه (شاطئ)، وفي لغَتِنا اليوم ..(مَعْبر) أو (نَفَق)! وَجهٌ للخلاص، أو لِتَمنّي الفكاك.
لكنَّ الذي أَقْلعَ، ليسَ شيئاً عظيماً كما توحي كلمة (أقلع)، نحن نستخدم الـ(إقلاع) للطّائرات والسُّفن الضّخمة، وربّما قديماً كان للمواكب في السَّفر، لكنَّ ما أقلع هنا ليس إلا: (قارب صيد)!، إنّه ليس غير قاربٍ صغير الحجم، وهو –إلى ذلك- غريب الدِّيار، ليس له من قوّةٍ يلجأ إليها فتحميه، كشأن أهلِ الحقّ:(بدأ الإسلامُ غريبا) فهومُنقطِعٌ عن أهلِه كلِّهم، ليست داراً واحدة بل الدّيار كلِّها.!
وما يُحيط به ليس قدَراً وادعاً، يَملِكُ الإنسان بإرادته أن يُحَفِّزَه لـ (يستجيب)، كما كانت آمالُ أبي القاسم: (فلا بُدَّ أن يستجيب القدر)،
إنَّه عند شاعرنا:
يُحيط به قدَرٌ لا يُفَلُّ                        مثلَ سنا البرقِ إذْ يُستطارْ
القدَرُ –عند شاعرنا- لا يُفلُّ أي لا يُهزَم، إنّه عدائيّ، (كسَنا البرق)، وسنا البرق الخُلَّب المُخادع أشدُّ ضراوةً وأنكى، لأنّه يَستجلب النَّظرَ بِعظيم الومْض ثمّ ينطفئ: (يكاد سنا برقه يخطف الأبصار) (سورة النور 43)، وعينُ الإنسان بالتَّفاوت بين الإضاءةِ السّاطعة والعَتمة المُطبقَة، تُصا بصَدمة المُفاجأة، وقد تقودُ للعمى.
يَبينُ ويَخفى على كَفِّ يَمٍّ          يئنُّ ويَعوي، بَعيدِ القرارْ
ما زالَ سنا البرق (يبين ويخفى)  على (كَفِّ يَمِّ)، وتُحَيّرُنا هذه المُفارَقة!
(الكَفُّ) تَحمل طابع الرّحمة، ففي لُغتنا يُقال: سأضرب بيدٍ من حديد، أمّا الكف فتستعمل لوصف اليد الحنونة: كفّ الأم التي ترتفع بالدعاء لبَنيها، كفُّ المُمرضة التي تُسعف المريض، ومن معاني الكَفّ: التَّوقُّف عن البطش، والتَّحوُّلِ عنه.
والـ(يَمُّ) في القرآن يحمل طابع الرّحمة: "فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليَمِّ" (القصص 28*)، واليَمُّ والكفُّ لهما طابعٌ إيجابي، لكنَّ اليَمَّ -عند شاعرنا-  (يَئنُّ ويَعوي)! وإلى ذلك فهو (بعيد القرار).
ويُوغِلُ حتّى تَغيبَ المراكب             عنه وحتى يغيب العفارْ
يوغِل إلى حَدِّ الضياع، ويحاول أن يَسترشِدَ بِخَطوِ مَنْ سارَ قبلَه، فيَغيبَ عنه حتّى عفار أقدامهم بعد غيابهم.
على أثَرِ الرِّزقِ، يمشي الهوينى            مع الليلِ، يتبعه حيث سارْ
يَتبعُ أثر الرّزق، ويحاول الكشف عن أثره، لا عنه هو نفسُه ، يسير الهوينى(بطيئاً مُتأنّياً، دون أدنى قَلَقٍ في الوصول أو عدمه، (مع الليل يتبعه حيث سار)، مع ظُلمةٍ تَتبع رزقَه وتوعده بالظُّلمة.
ويَمضغه الموجُ يوماً عيوفاً     ويلفظه بعدها في احتقارْ
ويرجمه الصِّبيةُ العابثونَ    في الشَّطِّ بالرّحل أو بالمحار
الموجُ يَمضغه، لكنّه يَعافُه، ويحتقر طعمه، فيلفظه باحتقار، وحين يلفظه إلى الشاطئن يُتابعه الصّبيةُ العابثون بالرَّجْمِ والأذى، إنّها غايةٌ في تَصوير المَهانة والذُّلّ إذْ أحاطا به. 
وما تَفتأُ ألفاظُ العذابِ الشديد تنهمر على القارئ تباعاً:
أهاويلُ من ذكرياتٍ غَبَرْنَ        تصخب كالرّعد فوق الغمارْ
ليوشكُ ترجف ألواحُه الـ          ـعتاقُ، وتَبعثُ فيه الدُّوارْ
3) المشهد الثالث:
 هذا المَشهد يزدانُ بالصّورِ المُطمئنّة الوادعة:
ولاحَ على البُعْدِ سرْبٌ يُرفرف    من نورسٍ كالرُّؤى في وقارْ
لكنّه (لاح)، و(على البعد)، يتساءلُ القارئُ: أحَقٌّ هو! أم مَحْضُ خيال!!، يحلم به (الملاح التائه)!
وعينُ الإنسان –بفطرتها- تنجذب إلى النّعيم وأوصافه، وتنفر وتَفرُّ من صفة المعاناة. وألفاظُ هذا المقطع (صنّارة تتوهج) (مثقل بالثمار) (الفجر تيجان غار) (بحّارة يدّافعون) (شاطئ ناصع كالنُّضار)... تطرحُ في لاوعي القارئ، مقارنةً بين لغة الشاعر في المشهد السابق المُفعمة بالأسى والعذاب، ولغته المليئة هنا بإشارات التّوفيق والنجاح المرّة تلو المَرّة، فيما يشبه (السِّحْر)، مشاعرُ (العِزّة والمَنعة) هي التي افتقر إليها الصيّادُ البسيط، سابقاً!!..(وبِضدّها تتميّز الأشياءُ).
4. المشهد الرابع:
يعودُ شاعرُنا لِوَصفِ مَلاحِنا التائه:
ولكنَّه عاجِزٌ في الرِّمال         تَحدَّد من ذلّةٍ وإنكسارْ
تَحَدَّد مسارُه، فلم يُفارق رمال الشاطئ، إنّ عجْزَه يُقيّده:
مجاديفه حوله مُلقَياتٌ           عليها نما طُحلبٌ باخضِرارْ
كلُّ السُّبل للنجِاة باءت بالفشل، ليس أحدها حَسْب، (مجاديفه) كلُّها (مُلقَيات)، كنايةً عن تفاهتِها وحقارتِها، وليست مُلقاةٌ فقط، بل (نما عليها طحلب باخضرار)، أي: أوغلَ فيها اليأسُ، وأمْعَن وتَمَكَّن.
ويعودُ إلى دارِه أخيراً، يستقبله ابنه وزوجه، فينتابُ المشهدَ شئٌ من الدِّف:
أبي! أين كنتَ؟ فإنّي وأُمّي       ذرفنا عليكَ الدُّموعَ الغزارْ
ثيابُكَ تَقطرُ ماءً تعال              إلى النَّارِ، أُلْقِ عليكَ الدِّثارْ
و(أُلْقِ عليكَ الدِّثار) تُعيدُ إلى ذاكرتنا صورة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو يقول لزوجه (خديجة): دثِّروني..دثروني.
5) المشهد الخامس:
ويَلتمعُ البِشْرُ في وجنتيه        وعينين ساحرتي الاحورارْ
في وَجْنتي ابنه الطفل، يرى البِشْرَ يَلمع مؤتلِقاً مِلءَ وجنتيه كلتيهما، صورةٌ تُوحي للمتلقّي شعوراً مُطَمْئتاً بعد أن طال عبوسُه وتَقطيبه مع الأبيات السابقات.
(وعينين ساحرتي الاحورار)، الاحورار شدّة سواد بؤبؤ العين، مع شدّة بياض ميناء العين، من أوصاف الجمال، فكان أحرى بالأب أن يرى تألُّق وجه طفله بالبشرى والابتسام، عَقِبَ ما دهاه هو من ألم ومعاناة، يُخاطب ابنه قائلاً:
ويُدْني الكلامَ إلى قلبه الـ            ـكبيرِ، حبيبي، وُقيتَ العثارْ
أجلْ لوّعتنا سنيُّ البحار            وألقت بخلاننا للدّمارْ
ما زلنا نواصلُ المسير:
ولكنّها يا نبيَّ الحياة        معاركُ طاحنةٌ وانتصارْ
أنتَ يا طفلي مُبَشّرٌ وداعٍ إلى الحياة: (نبيّ الحياة)
سنرجع للبحر حتى تَشُبَّ        عزيزاً، ولن..لن تذوق الصَّغارْ
لن نتخاذل، لن نيأس، سنرجع للبحر (إلى حَومَةِ الصّراع)، (لاحتدامِ الحياة)، لن نيأس، الشاعرُ يَبُثُّ نَبْضَ الأمل، وسط قسوة الأحداث، وتفاقم الكروب .
و(لن..لن تذوق الصّغار)...الشطرُ الأخير يُؤكّد القيمة التي سعى الشاعر لاثباتها، وتبنّى الدّفاع عنها، وقد تساءلتٌ –طويلاً- لِمَ لَمْ يَنْفِ الشاعر –على عادة معظمنا- بقول: (لا.. لن..)، لأنّ إيقاعها أَخَف، فوجدتُه تمسّكَ بأداة النفي الرّادعة  الصَّارمة، إنها أقوى وأشدُّ إثباتاً وتعبيراً.

وأخيراً..،
مشاهدُ القصيدةِ مُتتاليةً، تبعثُ في ذِهْنِ القارئ تَوَقُّعاً لِنهايةٍ سيئة لِمَلاّحٍ، لم يُحالِفه الحَظُّ، قد تبتلعه إحدى أمواج البحر الهائلة، وقد يبقى تائهاً دون أملٍ بالنجاة، "وخُلِقَ الإنسان ضعيفا" (النسااء: 28)، والمُؤمن بِعَزمه يُقاوم، ويبقى يُجالِدُ ويُجاهد، وقدرةُ الله تبعث الحياةَ والأمل في أضعف الأشياء وأبسَطِها، بل وأهونها,,
                                                                 ..(بَسْمَةُ طِفْلٍ صغير)!!
...................
• المرجع. 
الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر د. عبد الرحمن بارود، حررها وعلق عليها: د. أسامة الأشقر، مؤسسة فلسطين للثقافة، 2010.

3-1-2017 8:06 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013