جديد الموقع
شعراء وقصائد

د. أماني حاتم بسيسو

قراءة في قصيدة: (عن الجرح والعاصفة) للدكتور:وليد سيف

5-1-2017 10:56 PM

استحوذَت هذه القصيدة على خاطري وتفكيري، فوقفتُ امامَها..أتَمَلَّى،..كيف أنشأ الجرح –في أعماق الشاعر- عاصفةً لا تهدأ، لقد تَمَلَّكني النَّصُّ، وحيَّرني.. مِن أين أبدأ!!
هذه القصيدة حكايةُ ثورة، كيف يزرعَ الثوّارُ ثورتَهم التي لن تَقِفَ في جيلِ أبنائهم، كيف يغرسونها في لاوعيهم أوّلاً، قبل أن يُدرِكها وَعْيُهم، حين  يكبرون.
ولأنّي أعشق الجرح
هذا ما استهَلَّ به الشاعرُ قصيدتَه (واو العطف)، إنّه يُتابع كلاماً سابقاً، ويُتبِعُها بلامَ التَّعليل المُقترِنة بحرف التوكيد (أن)، ويُشدِّده زيادةً في التَّوكيد..(أعشق الجرح)!!، ..هل بِتَّ تعشقُ جرحك! إنَّه ضَرْبٌ من المُفارقة، التي قد يَتَقبّلها القارئ –إن كانت من الحبيب- على سبيل الدَّلال، لكنَّها مُدرجَةٌ في ديوان عنوانُه:) قصائد في زمن الفتح)، وليس (قصائد في زمن الحبّ أو زمن العشق)، إنَّ المحبوبةَ ليست إنساناً،..إنّها بلادي.
فجرحي لا يموت
ولأنّ الجرح فوق الأرض..
ينمو غصن توت!
سأشُدُّ الجرحَ في جنبيَّ أيّامًاً طويله
وأغنّي..
لكِ يا أحلى العواصفْ
..عالم المشاعر (الوجداني) يرتبطُ بِعالم المادّة (الحِسّي)، ويرتبط الإحساسُ بالمحسوس الملموس، (سأشدّ الجرح في جنبَيَّ) سأشدّه لأمنع نَزفَه، سأكتمه لِئلّا يُهراق سائرُ دمي، (أشدّ)، (جنبيّ) تشديده للألفاظ يوحي بِمَدى الكَبْت، الذي لا بُدَّ سـ(ينفجر)، ولا ريب سيكون انفجارُه (عاصفة)!، والعاصفةُ التي سيُفَجِّرها انفعالي وألمي هي (أحلى العواصف)، لأنّها ستشفي ألمي، وتُطفئ وَجْدي.
(وأُغنّي).. ماذا يحدث عندما يصوغُ الموجوعُ وجَعَهُ (أغنيةً)، إنّه يُحيلُ ألَمَه (المادّيَّ) المُؤقّت بزمن حياته المحدود، إلى (فَنٍّ) يبقى ويَخْلُد..، الوجعُ لا يؤذي غير المُصاب ولا يُبَرِّح إلا بالموجوع، لأنّه أدركَه بحواسّه المادّيّة، أمَّا عندما أُحوّل وجعي هذا إلى (إحساسٍ) ومشاعرَ، فأنا أُخلّده، لأنّي أُورِثُه لِجيلٍ يأتي من بعدي.
سأُغنّي،
سأغرسها في (لاوعي) أبنائي..لحناً يطربون له، كما فعل آباؤنا، لمّا صِرْنا نُدندن أوجاعَهم، فتَسَرَّبَت إلينا .
عَفْوَ طِفْلٍ في عيون الشّمْسِ واقفْ
ربَّما يَخجل جرحي عند جرحكْ
ربّما يقصر عمري عند عمرك
(عفو طفل)..لعلّي أعتذر للأطفال الذين واجَههم الخوف، فجابهوه وتَصَدَّوا له!،.. الأطفالٌ –عادةً- تضعفٌ أجفانُهم فتنحني أمام المواجهة مباشرةً، لكنَّ طفلي رَبَّته الثورة وأعَدَّته، فهو يُحدِّقُ في الشمس، كنايةً عن التَّحدِّي الواثق، وتعبير الشاعر عنها باسم الفاعل (واقف)، يطرح معنىً لهذه الصياغة، فالاسم يُعبِّر عن الحَدَث مُجرّداً من زمان ينقضي، إنّك باقٍ على دربي وسائرٌعلى خُطاي.
_(ربَّما)، في سياقها هنا، تُوحي بالرّجاء والأمل بما سيُواتيك من بَذْلٍ، يَفوقُ بذلي، وإذذاك سـ (يخجل جرحي عند جرحك)، وتمتدُّ فوق امتدادي، سيكون عمر ثورتك أطول وعطاؤها أكبر
غير أنّي.. سأغني
لكِ يا أحلى العواصف
وأناديكِ تعالي
وافتحي شبّاكَ جرحي
لِتمُرَّ الريحُ في عظمي ولحمي..وعروقي
وتَنُثَّ الطَّلْعَ من قلبي ..على طفلي وقمحي
شارةً عند طريقي
...سأتَصذى وسأُقبِلُ عليكِ مُختاراً، سأَملكُ جسدي المادّي: (عظمي) و(لحمي) و(عروقي)، أدَقُّ تفاصيل جسدي لِتَصِلي إليه، إنها غايةُ التَّحدّي، (تَنُثَّ الطَّلْع) لماذا يختار لفظَ (تنثّ)..إنّه يوحي بِفِعْلِ الحركة، وحتّى بصوتها، ويُعطي حِسَّاً موسيقيَّاً يَشي بِحركة مَن يَنثر الحَبُّ ويَبثّه فوق التراب، ويرقب الموسم وطَلْعَ البذور، لكنّ البذار (من قلبي) عواطف ومشاعر، يُهديها لِـ(طفلي وقمحي)، لقد امتزجت مشاعره بالبيئة المادّيّة من حوله.
(شارة عند طريقي)..أنا وشعري مُجَرّدُ (شارة) في الطريق الذي ارتضيتُه، طريق الثورة والثوّار، شارة تَدُلُّ على الدّرْب الصّائب الصحيح، ... والنّقاط المُتتالية توقيعٌ موسيقي يوحي باستمرار العَزْف على النَّغم ذاته.
يُفاجيُ الشاعرُ القارئ:
ولأنّي أكره الموتَ بلا ثقْبِ وشاهدْ
سوف أبني قبريَ الموعود من طينٍ..وساعد
...
...
(أكره الموت بلا لاثقب)، تعيدُ للأذهان ذكرى خالد بن الوليد والحسرة تأكله حين مات على سريره وهو مَن عشق الجهاد، إذ قال: (والله ما في جسمي إلا طعنة سيف أو ضربة رمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء).
ما علاماتُ الحَذْف هذه! وقد أقبلتَ على الموت مُختاراً بثقب رصاصة، وصار (شاهدُ) قبرِكَ دليلاً لِمَن أراد أن يستمرَّ في رسالة النِّضال، وبعد أن بَنيْتَ (قبرَك الموعود) من طين بلادك، بساعدك، وسواعد مَنْ ناضَلَ معك، وغدوت مشروعَ شهيد،.. ما علامات الحذف هذه!
أنّها دلالةُ استمرار النّغمة ذاتِها، بعد سقوط جسدي، وارتفاع روحي، لِمَقام الشّهادة، ولعلَّ النَّغمةَ والحذف تستدعي إلى ذِهْنِ القارئ -تلقايّاً- لفظ: (سأُجاهد) و(تُجاهد)، هذا ما تكادُ لغةُ الشاعر تُنبئ به ، أو تَنُمّ عنه !
عَفْوَ إنسانٍ يُحبُّ الحُبَّ في أرْضٍ بعيده
يطلب الشاعرُ العفوَ والغفران، ويُلِحُّ بهما شأنَ صوفيٍّ (يُحِبُّ اللهَ والحُبّ) ويعتزل دُنيا النّاس المليئة بالزَّيف والأكاذيب.
عَفْوَ طفلٍ يَتَّمته بعضُ ليلاتٍ مَجيده
بعض أيّامٍ كلُّها ظلامٌ (ليلات) تُمَجِّدُ الظُّلم وإليه تسعى وبه تَقضي، ولا تَدين بدين الحُبِّ، فتُيتّم الطفل، وأسوأ الإساءة ما يَمَسُّ الفِطرةَ الصَّافيةَ البريئة فيحكمُ عليها بالضّنى والعذاب.
عَفْوَ إلْفٍ يسأل الأطيار عن ليلة صيف
روّعتها لحظات الصمت في موسم خوف
أمْسَت هذه ليالي الأُلّاف لدينا! حرقوا البراءةَ ولَوَّثوا الصَّفاء، لم تَعُد (لحظاتُ الصَّمت) لدينا فرصةً للتَّفكُّر لأنه (موسم خوف) ! لقد تَبَدَّلت رموزُنا كُلُّها:
فأنا أكره أن تبكي صغيره
وعلى الساحات تبتاع رغيفاً..بضفيره
وأنا أكره أن أكتب في الدم قصيده
أكره اللوعة، وأكره الفقر، وأكره العنف، ..تَشرّدَ أهلي وأصبحتُ أكتب بدمهم قصائدي! إنّه حديثُ الألم، وشَجْوُ الفؤاد.
وأنا أهوى العيون السُّودَ..
والشمس وحبّات المطر
ومواويل المحبه
وأن أعشق خبز الصاج من طابون أمي
ويديها حينما تمسح فوديّ..وهمّي
وأنا أعبد في دنياي طفله
عندما تدفئ كفّي
أجمع الدّنيا على الخدّين قُبله
تحنانٌ وذكرى، طفولتي، وشبابي، وحين أصبحتُ أباً. وبحر الرَّمَل الذي ينتظم القصيدة سائرَها، يوحي بالحنين، وبدموع التَّحنان والشوق:
حدّثتني عن نهار..وعصافير..وكوخ
حدّثتني..
ولأنّي..
أعشق الأزهار والأرض وأفراح الصباح
ولأني..ولأني..
ذكرياتُ الشاعر لا تفتأُ تُلِحُّ عليه، ولا ولن تموت، ..لذا،
سأغني للجراح
حينما تنبتُ زنداً وسلاح
حينما تصنع طعماً للرياح
سأزرع جراحي في أرضي، وستُنبت سواعدَ جديدة، تُدافع عن أرضي، و(سلاحاً) لأنه لا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديد، لن تَهُبَّ الرياح في بلادي تُنَدِّد بدمارها، لن تكون عزيمتنا ورجولتنا دون جدوى، ستكون رياح النَّصر لنا، سنكون قادرين أن نجعل لها طعماً مميزاً.،.. ستصوغ جراحي سلاحي.
ربّما ..
وسينمو الشوك في عيني طويلا
ويخيف الذاهلين الأبرياء
غير أني حين يسخو عند أقدامي الشتاء
سوف يضحي الجرح في صدري بشاره
هذه الأبيات تحمل رسالة القصيدة، وتكاد تُلخِّصها، الدّافعُ في ثورتي ذكرياتي وجروحي (ولأنّي..ولأني)، (وأنا أعشق خبز الصبح من طابون أمّي)، والوسيلةُ التي لن يُثنيني عنها خوف الذاهلين الأبرياء، هي المقاومة بالسّلاح، وترنّمه بِمأساة وطنه (سأغني للجراح، حينما تنبت زنداً وسلاح)، أمّا الغايةُ التي أسعى إليها فهي دوام الأمل (ربّما)،(سوف يُضحي الجرح في صدري بشاره) بالنّصر.

وأخيراً،
  القصيدة مُؤرّخة في 3/ 6/ 1968م، تعارف الناس على أنّه تالٍ لعام (النكسة)، وهو كذلكَ فعلاً، غير أنَّ الشاعر المُتوفِّزُ بالأمل والثورة، الواثقُ بالقدرة والطُّموح يُسميه (زمن الفتح)، إنّه مملوءٌ  ومسكونٌ بالأمل والبشرى،
                                                            إذا أردتَ أن تكون،..فسوف تكون.
......................................................................................................
• قصائد في زمن الفتح، وليد سيف، دار الطليعة للطباعة والنشر/ بيروت، ط1، 1969م.
5-1-2017 10:56 PM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013