جديد الموقع
فنون نثرية

بقلم الروائية عائشة بنور ـ الجزائر ـ

الفتى العكـّــاوي

8-3-2017 10:51 AM

بيـروت 8 يوليو 1972..
تستيقظ المدينة على صراخ وعويل غــادة المفجوعة، تبكي الحازمية وجعها، تلبس المدينة الحزينة لباس الحداد، تتوشح بأكاليل من الياسمين، تودع بعيون دامعة عريس مدينتها المسجى...
ينزل الخبر على غــادة كالصاعقة، قيل لها:
ـ الرّجل أشلاؤه ممزقة، وذراعه فوق غصن الشجرة ينزف عطرا، وأحلامه الكبيرة اغتيلت و..و...، غادة لم تصدق الخبر، وقد اهتزّت الأرض من تحت قدميها، ثم راحت تعيد شريط ذكرياتها معه. 
غسان لم يكن لها سوى الوطن الجريح، والحلم الأبدي المتجدّد بين حنايا الذاكرة، غسان كان فلسطين، وكان البلبل الذي يغرد في سمائها، والوجع المتنقل بين الضّفة والأخرى، يحمل فلسطين في قلبـه، وعلى ظهره حيثما حل به المطاف، وأين أرست سفنـه الشراعية يسكن وجعه. 
كان يقول لها في رسائله:
ـ "أنتِ في جِلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين، ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال".
كان حينما يتكلّم ترخي سمعها مندهشة حالمة ،وهو يتحدث عن الوطن الجريح، يكشف أمامها خارطة فلسطين، ويضع قلمه وسطها قائلا:
     ـ هنا كنت أسكن، وهنا بيافا ترعرعت، ومن هنا هٌجّرت إلى جنوبي لبنان، وإلى دمشق ارتحلت، ومع هذا الترحال كبــر الوجع والحنين، وعذبت هنا وهناك....
تقول غادة وهي تنوح كحمامة مهيضة الجناح:
آه غسان ..البارحة ...
البارحة استقبلتك بكثير من الفرح، واليوم وقد تملكني الخوف أفْجَع فيك ، وما بقي منك إلاّ ذراعك مرمياً ينزف دماً، وساعتك في المعصم تـدق وتـدق، وصوت درويشي يــردّد في سمعي غاضبا :   
     "سقطت ذراعك فالتقطها
      و اضرب عدوك لا مفر
      و سقطت قربك فالتقطني
     و اضرب عدوك بي
     فأنت الآن حـــرُ 
     و حـــرُ و حـــرُ"
يتواصل أنين غادة من الوجع، وهي تصرخ قائلـة:
ـ غسان ...آه غسان ...
غسان عاشق ثائـر، وخائب مثل الملايين في هذا العالم، وهو الذي جمع بين حبين كبيرين، حبّ الأرض وحبّ امــرأة.
كانت تقول دائما لصديقتها رولا:
ـ "نعم. كان ثمّة رجل اسمه غسان كنفاني" الرّجل الذي أقلق راحتي، وأقلقت وجدانه، رجلا أستعيده في ذاكرتي التي يسكنها حياً، وهو الذي أتعبته علب الدخان، وامتلأ صدره بدخانها الملــوث.
هو الرّجل الذي أنهك جسده المريض بالنقرس، وإبر الأنسولين الشيطانية التي تغــرز في وجعه، وهو الطفل المشاكس الذي حرم من بيت في وطنه ومن وطنه، ولم يسمح له العدو بالحياة، ففجره إلى أشلاء فتناثر عطره يملأ الأرض ...فلسطين.
ترفع سماعة الهاتف وتتصل.. تتصل  وتتصل ولا أحد يجيب، لا أحد يخمد ثورة بركانها، لا أحد يسكن لوعتها، ويطفئ لهيب حرقتها، لا أحد يكفكف دمعها، لا أحد يضمها إلى صــدره، لا أحد ... لا أحد...
تبتسم غــادة في حالة من الهستيرية كالمجنونة التائهة في شوارع دمشق، وهي تبحث عن وجه غسان بين الوجوه، لعلها تراه.
كل العيون من حولها دامعـة، والوجوه حزينة، والمدينة شاحبة تلبس لباس الحداد، الحازمية ترثي وجعها، وتتخذ من قلمه وكوفيته تمثال حرّيتها، الرّجل لم يمت فكل المواليد سميت باسمه، وغادة مازالت تجوب شوارع المدينة التي تشهد على حبها ووجعها وأحلامها، تبحث عنه في حاراتها الدمشقية بالقلعـة، والجامع الأمـوي، وقصــر العظم، وقصر الخضـراء.. 
وغسان لم يعدّ بعد، وظلّت عقارب الساعة تـدق وتـدق وتدق.. وأنغام فيروز تملأ الفضاء الرّحب الذي ضاق في عيونها...
 و بأيدينا سنعيد بهاء القدس...
 بأيدينا للقدس سلام....  
بأيدينا للقدس سلام...
كانت تقول لها:
ـ كنت أغتسل وجعي بعرق الوطن الذي ينزّ من جبينه، وأشمّ رائحة الأرض على صدره، وأعشق رجلا دون كيشوتيا أحببته وعشقته على الورق.
آه أيها الفتى العكاوي...
غسان لم أجدك، ولم أجد جسدك مسجى ينتظر الصلاة، غير أنه كان ثمّة رجل اسمه غسان كنفاني في حياتي، ورحل في 8 يوليو 1972، والمدينة ترفع عزاءك إلى السماء قائلة لي: 
"إنِ اشتقتِ يوماً لقبر حبيبِكِ، مُرّي به في الصباح  
وصُبّي عليه من الدمعِ، صُبّي من الدمع فوق الترابِ، 
مصابك فوق الذي نستطيعْ
ستخرجُ عكّا إلى السهل، رافعةً كفَّها للسمـاءْ.
ألا من رأى وجه كنعان، في أيّ منفى، نقيم العزاءْ؟!!"
8-3-2017 10:51 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013