جديد الموقع
شعراء وقصائد

قراءة: د. أماني حاتم بسيسو

قصيدة: أهواك أم؟! للدكتور: سمير العمري

8-3-2017 12:29 AM


يميل د.سمير العمري إلى وصف نفسه بالمُفكِّر، أكثر من صفته شاعراً، غير أنَّ حكمَ العاطفة كثيراً ما يسبق حكمَ العقل، وقد يَفضُلُه.
هذه القصيدة جلبت نظري مِراراً، فطفقتُ أتأمَّلها، هذا ليس شعراً حُرَّاً! ، بل هو شعرٌ موزونٌ مُقفّى، وإن اختلفت قافيته، لماذا يَتَعمَّد الشاعر كتابته كما الشّعر الحُرّ!، وقفتُ أتأمّل..
شاعرنا حاذِق، يقف حيث يكون الوقوف ذا أثرٍ أجدى، حتّى استعماله النّقاط (...) دلالة الكلام المحذوف، أو المسافة بين الأسطر إشارة للوقف، جاءت في حاقِّ موقِعِها، لِتُتيحَ لِخيال القارئ أن يُوغِل ويُمْعِن في أعماقِ المعنى وما إليه يُفضي.
أهواكِ أَمْ؟!
سؤالُ المُتعجِب المُنكْرِ للخَيار المُضادّ لِكونه يهواها، لم يَجْسُر على مُجرّد النُّطْقِ به -بادئَ الأمْر- فتوقَّف (...)، وصَمَت، وتَلجلج:
أهواكِ أم
.
.
أهواكِ أم أنساكِ
أم أمضي بلا زادٍ وماءْ
الشاعر يَرسمُ انفعالات وجدانه بعلامات الترقيم التي يَسْطُرُها.
وما هو زادُ الشاعر، إلا مَشاعِرُه التي يَضطرب بها وجدانُه، فتتفجَّرُ عنه شعراً، وتَخَلّيه عن حبيبته ونسيانِها مُؤذِنٌ بِزوالِ موهبته، وتلاشي إبداعه.
أمشي على الأشواك
لا قدمٌ تَئِنُّ
ولا دماءْ
هذا ما رثاه سيد قطب في مشاعره، حين قال:
وحُرِمْتُ الحِسَّ حتَّى بالألمْ          والنّدى حتى بتسكابِ الدّموع
إيه ما أقفرَ إحســاسَ العدَم         والأماني راكدات في الضلوع
فافتقارُ الشاعر الحِسَّ بالمُصاب من أفدح الخسائر والبلايا، لأنّه –بذلك- لا يُسمّى (شاعراً).
القلبُ يخفقُ بالحنينِ
ويرتجي قٌرْبَ اللقاء
ما زالَ قلبي يخفق، وهو خفّاقٌ بالحنين إلى ماضي أيّامه وسالِفها، لكن ما الذي يَصُدُّه؟
ثلاثُ عواطفَ تجتاحُ قلبَ الشاعر: الكبرياءوالغربة والاضطراب
والكبرياءُ محرِّمٌ حتّى على العين 
البكاء
عِزّةُ النَّفْسِ -هذه- خِصْلةٌ أصيلةٌ في نفس شاعرنا، إنّها تقف في وجه دموعه، وطريقه مُظلِمةٌ، دليلُه فيها وحاديه وقائد رحلته هو (الأسى)، ووجهتُه صوب (الشقاء) يعرف أنّه يَقصِد إليه قصداً، ويختارُ المسير في دَرْبه!
لولاكِ ما ذُقْتُ الأسى يوماً
ولا اضطربَ الوفاء
كالذي يحتسي شراباً من إناء، فهو يذوقُ طعمَ ما فيه، لكنّ شرابَ ليس غير الأسى، وإزاءَه يبدو كأسُ الوفاء (مضطرباً) يتلجلج، ولفظة (اضطرب) تُعطي من الموسيقى التّصويريّة ما يكادُ يُجسِّدُ المأساة، فحتّى القِيَمُ -التي استقرّت في ضمير الأُمّة- صارت تضطرب!
فإلى متى صمْتٌ يسير بنا لدنيا من سقر
والشاعرُ مؤمنٌ بِدَورِه في التّغيير والتطوير وإيقاظ الأُمّة النائمة، إنَّ هذا الصَّمْتَ مَوْرِدُنا إلى الهلاك، ولفظةُ (سقر) تستدعي إلى وجداننا قوله تعالى: "ما سلككم في سقر" (المدثر 42)، إنّ الشاعر يُلقي المسؤولية الأساسيّة على مثقّفي الأُمّة، وأصحاب الكلمة فيها.
لا شاعرٌ فيها يُغنّي للغرام
ولا وَتَرْ
ماذا يجلِبُ تَغنّي الشاعرِ بِحُبِّ محبوبته، إنّه يورِثُ شعورَ الحُبِّ  في قلوب مَنْ إليه أصغى، وينشرُ اللحْنَ في عواطفِ أُمَّتِه، وللحْن سِمَةُ الخلود والبقاء والأصالة، والغرامُ ليس للمحبوبة وحدَها، إنّه يَمْتَدُّ لِيَشملَ الأرضَ والوطن والأُمّةَ كُلَّها.
أو ساعةً تصفو
لِمَنْ قد مَلَّ مِن طولِ السَّفَرْ
في رحلةٍ لا اليأسُ يَفهم ما تكون 
ولا الضَّجَرْ
هذان البيتان يطرحان في ذهني معنىً أعمق.. الحبيبةُ ليست إنسانةً حَسْب، إنّ دلالتها أوسع وأرحب، والسَفَر لا يكون "إلا في جماعات، وكذا الرّحلة، وهو يقول: (في رحلة لا اليأس يفهم ما تكون ولا الضّجر)، يستثمرُ الشاعر التشبيه المقلوب لِزيادة سطوع المعنى وتأثيره، فقد حَوّلَ اليأس إلى كائنٍ حَيٍّ، مستعدٍّ لأن يُدرِك ويفهم، لكنّه –حيال هذه الرّحلة- غير مُستعدٍّ ولا مُتقبِّل.
إنّها رحلةٌ في سبيلِ مَبدأٍ، يؤمن الشاعر بحَتميةِ تحقيقه، وينفي عنه اليأس، أو حتّى احتماليّةَ الضّجر، لأنها تترفَّع وتسمو حتّى عن الخواطر السّلبيّة التي تُراوِدُ أيَّ إنسان، أو تتسلّل إلى خاطره بشئٍ من الدِّقَّةِ والخفاء،  فهذا هو (أوانُ الشدّ).
أسعى إليكِ حبيبتي دوماً
ولكن لا أثَرْ
الشاعر كان ممتلئاً بالأمل في تحقيق ما يسعى إليه، لكنّه صُدم، لم يفقد حبيبتَه حَسْب، بل حتّى أثارَها، وما بقي من ذكرياتها.
هل يا تُرى يصفو الغمامُ 
وينجلي وجْهُ القمرْ؟!
..الشاعرُ مَسكونٌ بها حتّى الفناء، لم يَعُد يرى من حولِه إلا الظلام، صار مُترقّباُ للنور.
.
.
ومضيتُ
والقلبُ الرّقيق يكادُ يفطُرُه الألمْ
قلبي شَفّه الوجع، فكادَ يُخَلِّفُه مُتفطِّراً، وهنا نوعٌ من المفارقة في التشبيه، كان المتوقّع –ما دامت الرِّقَّة سِمَةَ قلبه- ألا يحتاجَ القضاءُ عليه إلا لِقليلٍ من الجهد، بيد أنّه (يفطره) ، كما تتفطَّر الجبال .,.يلقاه باقسى أنواع العذاب.
ألقى بكِ منكِ الغرور  بِحُفرةٍ
في قاعِ يَمْ
  ما أصبحتُ ألقى باتَ (منكِ) مُقيماً (بِكِ)، وأنا الذي أبذَل حياتي (لكِ)! .. وَجْهٌ من المُفارقة، يُمليه ما واجهه المُبْعَدُ عن وطنه، حين (اغترَّ) أصحابُ النُّفوذ بجبروتهم، فأصبحوا أعداءً للمقاومة نفسِها، وعُملاءَ للاحتلال ذاتِه! لذا نعتَهم بأنّهم يمكثون في (قاع)..كنايةً عن الدُّونيّة والانحدار، وهم ليسوا في قاع بحيرة او حتّى نهر، بل في قاع (يَمّ)!..يصعب على الإنسان الوصول إلى قاع بحرٍ عظيم، لكنّهم وصلوا إلى الانحدار إلى قاعٍ سحيقٍ في الذِّلّة.
قد عِشتُ عمري كلَّه
ما بين آلامٍ وهَمْ
(عمري كلَّه).. يُعَبِّرُ عن توالي الأجيال –ما دام عمرَه كله- الآباء والأبناء والأحفاد، ..إنّها مُعاناةٌ جماعيّة.
فمتى أرى دنيا الهناء تَضُمُّني
 من بعد غَمْ؟!
أنا مؤمنٌ بوعد النّصْر، لكنّني أتحرَّقُ شوقاً لِأن أشهَدَه.
لا زِلْتُ أحلُم بالهوى
لم يَقُل (ما زِلْتُ)، بل (لا زلت)، لأنّها صيغةُ دعاءٍ مَن يرجو ويأمل ويَحلم، ويؤكِّد أنّه رغْمَ الصُّدود لا بُدَّ من الصُّمود، فأنا عليَّ أن أكون مَشحوذاً بالتّحدّي رغْم كلِّ ما يُثني همَّتي وعَزيمتي.
وليس ثَمْ
أعلمُ أن طريقي صَعْب، وأحياناً مُستحيل، لكنّني أتحدّى.
وأعودُ أسألُكِ السُؤالَ بِحُرْقةٍ
أهواكِ أمْ؟!
المقطعُ الختامي عودةٌ إلى تساؤلات القصيدة من البداية، والقارئُ وحدَه هو مَنْ يملكُ الإجابة عنها، بحَسْبِ إرادته وهِمَّتِه وعَزْمِه وتحدّيه.                                                                                                                                                                               ...هل أنا أَهْلٌ لِأن أهواكِ، ..ام!!!
                                                                     2/ 2/ 2017م
8-3-2017 12:29 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013