جديد الموقع
رؤى ومتابعات

محمد حشمت

المطرودون.. محنة فلسطين في عيون جليمور

2-5-2017 11:18 AM
موقع ساسة بوست

صورة لأمّـة تعيش في المنفى..وصورة شعب يدرك أنه لا ينتمي لغير البلد الذي أُغلِقت حدوده في وجهـه!

يصف الكتاب المحنة التي عاشها الفلسطينيون في القرن التاسع عشر وما أعقب ذلك، من استيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين، وما تبعها من طردٍ لسكانها العرب، وسني البؤس التي أمضاها الفلسطينيون تحت حكم الاحتلال العسكري الإسرائيلي، أو في بلاد أخرى.

كما يحاول أيضًا وصف ما بذلوه من محاولات في سبيل استرداد وطنهم الذي لا يشعرون بالانتماء لغيره مهما مرت عليهم السنون وبعدت بينهم وبينه المسافات.

ينقل جليمور، الذي زار عددًا من الدول التي يسكنها الفلسطينيون وتحدّث معهم حول ذكرياتهم عن فسلطين وعن حياتهم في المنفى وآمالهم في المستقبل، تلك الصورة، بعدما تحدّث إلى أطفال المخيمات اللاجئين، وإلى أعيان القدس الطاعنين في السن، وإلى رجال الأعمال وقادة الفدائيين، ومن هذا كله؛ استطاع أن ينسج من روايات هؤلاء كلهم ذلك الكتاب: المطـرودون: محنة فلسطين.

قسّم الكاتب كتابه لثلاثة أجزاء رئيسة تحت كل جزء عدة فصول، لينتظم كتابه أحد عشر فصلًا ومقدمة يؤرخ فيها للفترة (1917- 1980م).

يعرض جليمور في مقدمته، التي وسمها بـتخيلات وخرافات، تلك الصورة المشينة التي ظلت الصهيونية تسعى إلى غرسها في الأذهان عن العربي الفلسطيني، حتى باتت كلمة «فلسطيني» في تلك الحقبة ترسم في ذهن الملايين في الغرب صورة الإرهابي، ذلك الشخص الفظ المراوغ الذي يحمل مِدفعًا ويستعد لأن يقتل البشر في أي سن ومن أي جنس ومن أي لون.

وصارت الكتابات والمقالات والأعمال الفنية تلصق كل قبيح ومقزز بتلك الشخصية العربية، حتى في الأفعال التي تأباها الفطر السليمة وتتناقض كليا مع التقاليد العربية الأصيلة، فضلًا عن منافاتها للدين.

وفي فلسطين العربية يعرض الكاتب للفصل الأول تحت هذا العنوان تاريخ البلد السليب، والذي كان أكثر ما تأثر به هو الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، والذي صبغ الشعب الفلسطيني، وأصبح معه عربيًا يتعذر معه أن يُصبغ بأي شيء آخر؛ لأنه – بحسب تعبير البروفسور رودنسون- شعب «ذاب في الفاتحين».

ويذكر كيف أن فلسطين قبل عام (1948م) كانت تضم أكثر من (600) قرية في شكل مجتمعات زراعية، وكيف كانت حياة القرية والنفوذ فيها لشيخ البلد، ثم انتقل ذلك النفوذ بعد استحداث وظيفة المختار، وكيف ظلت العائلات متماسكة تعيش في نفس الأماكن التي عاش فيها أجدادهم؛ مما يدل على الاستمرارية التاريخية، وكيف عاشت مختلف الأطياف والأديان طوال هذه السنين الطويلة، وكيف بدأت التحولات السريعة في أسلوب الحياة بفعل التعليم الغربي، والمدارس التي تواجدت آنذاك.

وفي الفصل الثاني يناقش ظهور الشخصية القومية، وأنها في الأساس كانت دعوة فكرية أكثر منها سياسية في أواخر العهد العثماني، ازدادت في مواجهة الموجة التغريبية بعدما فرضت بريطانيا وفرنسا سيطرتهما على الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية، وبلغت ذروتها بعد بروز الحركة الصهيونية التي نشطت في فلسطين في السنوات الأخيرة للإمبراطورية العثمانية.

ويعرض في هذا الفصل كيف دأب الصهاينة على نشر فكرة أنه ليس للفلسطينيين أهمية، بل بلغ الأمر بـجولدا مائير الزعم بأنه لا وجود للفلسطينيين في واقع الأمر! وعلى مذهب «رمتني بدائها وانسلت» راح الصهاينة يعلنون أن فلسطين كيان اصطناعي، وأن الفلسطينيين ابتدعوا على يد البريطانيين عام 1925 عند إعادة تسمية سكان الإمبراطورية العثمانية!

وأهم ما يميز هذا الفصل ما عرضه جليمور من سياسة الغرب في التحريش بين العائلات الفلسطينية نفسها وزرع روح التباغض بين أبناء الوطن الواحد لاختراقهم جميعًا، واستخدامهم في خدمة المخطط الغربي الصهيوني.

وينتقل الكاتب ليعرض خروج 1947-1948، والذي جاء بعد، قرر البريطانيون التخلي عن حق الانتداب بعد تسع سنوات من الاحتفاظ به، وترك المشكلة في أيدي الأمم المتحدة، والتي كانت بدورها استأسدت عليها وانحازت بشكل سافر للصهيونية، والتي بدورها قامت بعمليات إرهابية ضد القوات البريطانية في فلسطين، بل اغتالوا اللورد موين في القاهرة على يد عصابات صهيونية، فتركت بريطانيا الأمر للولايات المتحدة التي أيدت التقسيم وخلق دولة يهودية.

ولا عجب أن يرفض الفلسطينيون مشروع التقسيم، لكن العجيب أن الصهاينة أيضًا رفضوا مشروع التقسيم واعتبروه تقسيمًا باطلًا! والسبب: أنه لا بد أن ترد إسرائيل كلها إلى شعب إسرائيل!

يتعيّن على كل إنسان أن يعي حقيقة أنه لم يمكنهم قط قبول التقسيم بادئ ذي بدء؛ إذ كيف يمكن أن ينتظر من أي شعب أيا كان اعتداله وواقعيته أن يتخلى مختارًا عن الجزء الأعظم من بلاده [المطرودون – جليمور ص:70]
ثم يعرض الفصل للأحداث المأساوية التي تعرض لهم الفلسطينيون من خلال المجازر الوحشية والعمليات الإسرائيلية لتهجير الأهالي من أماكنهم وبيوتهم ونهبها، والتي أدت في نهاية الكارثة لتهجير ما يقارب (900.000) لاجئ بحسب مكتب اللاجئين التابع للأمم المتحدة.

وتحت عنوان: المنفيين، يعرض الكاتب لصورة مؤلمة تتشكل من طوابير طويلة من الرجال والنساء من كل الأعمال تشق طريقها إلى أقرب ملاذ، يحملون في أيديهم مفاتيح بيوتهم!

ويشعر القارئ في هذا الفصل، وكأنه يشاهد تسلسل الأحداث بأحاسيسها وآلامها وكيف انتقل المُهَجّرون في أطوار المنفى من جوار حدود فلسطين حيث كانوا ينتظرون انتهاء الحرب للعودة حتى طالت عليهم الأيام والشدائد فساحوا في الأرض يواجهون المصاعب.

كانوا يحملون أطفالهم الصغار والقليل من المؤن وربما حزمة من الفراش ومفاتيح بيوتهم، فقد كانوا جميعا يعتقدون أنهم سوف يعودون بعد القتال، سواء كسب جانبهم أم خسر . ولا تزال أسر عديدة تحتفظ بتلك المفاتيح. [المطرودون – جليمور ص:88]
وينتقل بعدها الكتاب في: العرب في إسرائيل، لينقل صورة الفلسطينيين الذين كانوا لا يزالون داخل حدود دولتهم السليبة يعاملون كأجانب في الدولة الجديدة! والذين كانوا قرابة 150 ألف عربي كان معظمهم في الشمال حيث الجليل ومنطقة المثلث، ويعرض هذا الفصل لمعاناتهم في شتى المجالات، في الزراعة والتعليم والتمليك وحتى حق استئجار مسكن! ونبه جليمور أن هناك من العرب من قبل إسرائيل وتعانوا معها، وهما إحدى فئتين: فئة اشتراها النظام فعلًا، وفئة يشعرون أنه ليس هناك بديل معقول! ويشير إلى أن أكثر المتعاونين أيضًا من الدروز الذين نالوا وضعية خاصة، حيث لا تعتبرهم الدولة عربًا، وتربطهم علاقات تاريخية بالصهاينة.

وينقل بعدها جليمور للحديث عن: القدس والأراضي المحتلة، يعرض فيها لمدينة القدس التي ظلت مقصدًا لأصحاب الديانات الثلاثة، والتي عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود طوال تاريخها باستثناء الفترة التي كانت أيام الحروب الصليبية.

ومن الحديث عن القدس إلى: تنظيم المقاومة، وينقل هنا أن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964م كان هدفها الحقيقي تضامنيًا، واحتواء القومية الفلسطينية، وليس التعبير عنها، بحيث تكون بمثابة متنفس للإحباط الفلسطيني، وليست منظمة عسكرية تهدف للقيام بما من شأنه تحرير فلسطين أو إجبار الدول العربية لخوض الحرب ضد إسرائيل، وهذا ما حدا بالبعض إلى تشكيل جماعات فدائية وإعداد أنفسهم لخوض حرب العصابات، ومن الحديث عن منظمة التحرير إلى: لبنان، والتي كانت في وقت من الأوقات الدولة الوحيدة التي يمكن للفدائيين مهاجمة إسرائيل منها، وتتوالي الأحداث ليصل إلى الحرب الأهلية، والتي بدأت إرهاصاتها بسبب الموارنة من 1969 مرورًا بـ 1973، وحتى اشتعالها 1975 م.

ويختم جليمور كتابه بفصل: فلسطين والمجتمع الدولي، بأهمية الجهود التي يبذلها الفلسطينيون في الغرب وفي مختلف أماكنهم، والتي خولت لهم الوقوف أمام إسرائيل وإحراجها في المحافل الدولية، وأن تلك الجهود كان من ثمرتها تصحيح الصورة الكاذبة التي عملت الصهيونية العالمية على بثها طيلة العقود الماضية، وبينوا للعالم عدالة قضيتهم التي يعيشون من أجلها.

(*) المطرودون .. محنة فلسطين،  المؤلف: ديفيد جليمور ، الناشـر : دار مدبولي – القاهرة ، الطبعة: الأولى: 1993م،الصفحات : 274 صفحة
2-5-2017 11:18 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013