جديد الموقع
أسماء في الذاكرة

وصية الشهيد نوح أفندي إلى أهل البحرين

12-9-2020 8:54 PM

وصية الشهيد نوح أفندي إلى أهل البحرين

 د. أسامة الأشقر


لم يبلغ نوح إبراهيم العشرين من عمره عندما التحق بجماعة الشيخ عز الدين القسام مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وأصبح عضواً فاعلاً في ملف التثقيف والتوعية والإعلام ، فقد كان شاعراً ومسرحياً موهوباً، وقد أسند إليه الشيخ ملف التثقيف في جمعية شبابية تسمى "عصبة فتيان محمد الأُباة" يثير حماستهم ويلقّنهم الأناشيد الثورية والهتافات، ويعلمهم الرماية واستعمال السلاح.
هذه الجمعية ستتحول إلى تنظيم ثوري يحمل اسم "عصبة محمد الأباة"، ثم ستتحول إلى تنظيم عسكري باسم "عشيرة خالد" عندما عاد نوح إبراهيم من مغترَبه في البحرين .
كان نوح إبراهيم يتيماً عندما تعلم صنعة الطباعة، وتركيب الآلات، وتنضيد الحروف، بل تعلم تجليد الكتب وصناعة الكرتون؛ وتطورت موهبته ليعمل في تحرير عدد من الصحف الفلسطينية في يافا وهو الشاب الصغير .
كانت أحواله المادية شديدة القسوة وليس له إلا أمه وأخته، فهاجر إلى العراق عام 1934 وهو حزين على مفارقة شيخه القسام ورفاقه الذين يعدّون للثورة على الاحتلال الانجليزي ومجموعات اليهود المتعاونة معه، وهناك اشتهر أمره بوصفه واحداً من أشهر الفنيين في مجال الطباعة؛ وأثناء وجوده هناك تدرّب على يده شاب بحريني اسمه راشد بن صباح الجلاهمة لمدة سبعة أشهر؛ وفوجئ نوح إبراهيم أن تلميذه راشد يعرض عليه عملاً في مطبعة بحرينية يريد رجل الأعمال الشاب البحريني وتاجر اللؤلؤ الشهير عبد الله بن علي الزايد أن يصدر صحيفة من خلالها تحت اسم "البحرين" إضافة إلى احتياجات الطباعة الأخرى، وقد جلب الزايد معداتها من الهند وألمانيا، وكان الزايد من الشخصيات الوطنية الرائدة، وكان يتبنى الدعوة إلى وحدة إمارات الخليج، وهو الأمر الذي تعارضه بريطانيا بشدة.
وبالفعل فقد حسم نوح أمره بالسفر بعد تفكير دام أياماً، وهاجر عبر ميناء البصرة إلى المنامة مطلع عام 1936م ، وأسس فيها المطبعة حيث كان الفني الوحيد فيها، فبادر إلى تدريب شباب البحرين وبعض الشباب الهنود على أشغال الطباعة كاملة، وأسس نظام الطباعة هناك؛ وخرّج مهنيين مهرة من أبناء البحرين: أحمد فليفل، عبد الرحمن عاشر، محمد الجود، مصطفى بوعلاي، عبد الله المناعي ... .
كان نوح عظيم المنزلة في البحرين، فكان يلبس ثوبه العربي الفلسطيني الأبيض وحطّته الشهيرة، ويزور أصحابه في مجالسهم ومنتدياتهم في المنامة والمحرق ومدن أخرى، وأشعل المجالس بأشعاره الثورية ضد الإنجليز الذين كانوا موجودين في البحرين أيضاً.
أحب نوح أفندي البحرين وأهلها، وكتب لهم الأهازيج الشعبية وغنّاها، وأحب البحارنة فلسطين من خلال شخصية نوح إبراهيم الجميلة والثائرة.
كانت أخبار ثورة 1936 بعد وفاة شيخه القسام الذي بكاه بحرقة ، وندم على مفارقته له في ظروفه الصعبة، تتوالى على مسامع نوح وهو الإعلامي المتابِع، ورأى أن مبرراته للغياب عن وطنه وثورته قد انتفت، فأسرّ لصديقه راشد الجلاهمة بنيته العودة إلى فلسطين والاشتراك في الثورة وقال له: ( ما عاد ينفع الكلام مع هؤلاء الجلادين) !
وبدأ نوح يحزم أمتعته الخفيفة وهو الشاب الذي بلغ الرابعة والعشرين من عمره وقرر السفر إلى البصرة بحراً، ومنها إلى فلسطين برأً، فأحاط به زملاؤه وبكوه بحرقة، وقد لمحوا في عينيه شهيداً مقبلاً على ربه.
وصل نوح أفندي إلى فلسطين وأحيا جماعته الأولى، وأسهم في توحيد فصائل الثورة تحت مسمى الجهادية، واستطاع الإنجليز الوصول إليه بعد انتشار أشعاره الشعبية الثائرة وخاصة قصيدته الساخرة " دبّرْها يا مستر دِلْ"، فسجنوه في فبراير 1937 لمدة خمسة أشهر في معتقل المزرعة ثم في سجن عكا السيئ السمعة.
بعد خروجه من السجن استمر نوح أفندي في إنشاد أشعاره التحريضية على الاحتلال ، وصار الكبار والصغار، والشباب والصبايا ينشدونها في المدن والريف، وانتشرت أكثر من انتشار الصحف والإذاعة، حتى صدر قرار طوارئ بمنع طباعة قصائده وتداولها ، وضبط "مجموعة أناشيد نوح إبراهيم" ومصادرتها حيث وجدت.
في 28/10/1938 تعرض نوح إبراهيم وثلاثة من رفاقه الثوار إلى نيران قوة عسكرية بريطانية راجلة، مسنودة بغارة جوية قرب بلدة طمرة الجليل قرب عكا وحيفا، وألقى هؤلاء الوحوش جثث الشهداء في بئر، فانتشلهم الأهالي ودفنوهم في مقبرة البلدة القديمة.
وترك الشاعر الثائر الشهيد نوح أفندي وصيته لدى أهل البحرين: إن الكلام لا يجدي مع المحتل . فأنشأ أهل البحرين هيئة سميت بلجنة إعانة فلسطين عام 1939، التي تطورت عن لجنة إعانة أيتام فلسطين التي تشكلت دعماً للثورة الفلسطينية 1936-1939 والتي كان نوح إبراهيم من أبرز ضيوفها والمتحدثين فيها؛ وكانت هذه اللجنة برئاسة الشيخ عبد الله بن عيسى آل خليفة؛ والتي كان يوم إعلانها فرحة عارمة عمّت أهل البحرين؛ ولطالما كان المقاتلون البحرينيون هم أكثر ثوار الخليج اشتراكاً في الثورة الفلسطينية منذ ذلك الحين، لا يكادون يغيبون عن معركة كبيرة فيها، ويستذكرون كيف أن بلادهم كانت ضمن مشاريع توطين اليهود وإنشاء كيانهم القومي فيها قبل أن يستقر القرار البريطاني على فلسطين.

12-9-2020 8:54 PM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013