جديد الموقع
فنون نثرية

الزيارة..!!

22-12-2012 12:19 AM

  محمد أبو عزة

أمس سافر المخيم في العتمة، خرج بأطفاله ونسائه ورجاله كما قبل نيّف وستين عاماً..

في واحدة من المدارس التي لجأ إليها اللاجئون رأيت (اليافاوي) السبعيني، كان يستند بظهره إلى الحائط ، يسربله الصمت الأخرس، الصمت الذي يتحول إلى مكعب صخري تنزلق فوق سطوحه إيماضات راعشة من وهج النور.

اليافاوي أعطاني ورقة صغيرة مطوية بعناية، ورقة منتزعة من مذكراته، جاء فيها: "منذ عام 1948 وأبوك ينتظر تحت أنقاض سرايا الحكومة في شارع اسكندر عوض في يافا.. أمك سافرت مع والديها إلى أحد البلدان العربية، ثم تزوجت هناك، وأنت ذهبت مع بعض أعمامك إلى بلد عربي آخر وحين ضاق بهم العيش وضعوك في ميتم، وبعد سنوات أخرجوك منه لأنك صرت في سن اليفاع، ونزلت إلى سوق العمل، صرت تبيع شراب الليمون والأمشاط وأطواق الزينة، وتغسل سيارات الموسرين، واستأجرت غرفة صغيرة في المخيم، وتابعت الدراسة ليلاً، وحصلت على شهادة البكالوريا وانتسبت إلى الجامعة، وحصلت على وظيفة في أحد الدوائر الحكومية..

ولم تستطع أن تزور أمك في البلد العربي المجاور، فالسفر يحتاج إلى جواز سفر ونفقات وسمة دخول، والأخيرة كانت كطائر العنقاء، فأنت فلسطيني غير مرغوب فيه.

وذات يوم جاءك شقيقك الذي تعرّفت إليه قبل سنتين وقال: جاءت أمك.. وكان للكلمة وقعاً غريباً في أذنيك بعد أربعة عشر عاماً من الفراق.. فركضت إلى الشارع، وبالمصادفة العجيبة كان هناك ثلاث نساء يسرن في الشارع، كنّ يرتدين ملاءات سوداء، وشعرت بالحيرة: أيهنّ أمي؟

هكذا قلت لشقيقك، قلتها بعينيك، وأشار هو إلى إحداهن، فركضت إلى الذراعين المفتوحتين، وألقيت بنفسك بينهما.. كانت أمك تبكي، وكانت الجارات يبكين.. وكنت تقول لنفسك: ماذا كان سيحدث لو أنني عانقت سيدة أخرى..؟!".

اليافاوي كان يتهيّأ للعودة إلى المكان الذي استقبل فيه أمه قبل سنوات، لأنه لا يريد أن يفقدها مرة ثانية.

فاتني أن أقول أن أمه ترقد منذ نيف وعشرين عاماً في مقبرة اليرموك الجديدة!!

 

22-12-2012 12:19 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013