جديد الموقع
فنون نثرية

رواية بِدّو.. الجزء التاسع والأخير

14-8-2012 6:05 AM

عدنان كنفاني

البــداية

بدأت حياتي تأخذ منحىً جديداً بعد لقائي الخاطف مع سليمان، أنتظر بشوق رسائله، وأعيش معه خطوة خطوة، تطوي عجلات سيارتنا الزرقاء الطريق الدولي ( E5 ) من شرق الأردن إلى سورية، فتركيا، نقفز من قارّة آسيا إلى أوروبا، نستقبل بلغاريا ويوغسلافيا والنمسا منطلقين إلى ألمانيا، لتنتهي رحلتنا في مدينة ميونيخ التي تقع في جنوب ألمانيا الغربية قبل توحيد الألمانيتين، لنبدأ من جديد رحلة عودة..

أفرح للحظات فرحه، أتفرّج معه على العالم المترامي، سهول خضراء وراء سهول، وقصور خارجة من القرون الوسطى تحتلّ قمم التلال، شوارع فسيحة تحيط بها الحدائق الغنّاء، تقوم على جانبيها صفوف من الأشجار الباسقة، تتخللها أحواض مزروعة بالزهور البديعة، ومدن صاخبة، سيارات وأضواء وضجيج ناس يتحركون في كل الاتّجاهات، حوانيت زاخرة بشتى ألوان البضائع، واستراحات وفنادق منتشرة في كل مكان..

تأتيني رسالته الأولى، فتنتزعني من تصوّراتي.. أقرأ:

- هل تذكر فتاة الفندق.؟ عندما تعارفنا أوشَكَت تطير من السعادة وهي تحسب أنها وقعت على صيد سمين، لكنها سرعان ما تركتني بهدوء وانسلّت من السرير والغرفة، تطوي جسدها تحت ثوب بارد، وتودّعني بنظرات ساكنة، فيها خليط من إشفاق وخيبة..

وكأنني أراه يستلّ العرق النافر من جبهته، ويدلّني كيف الطريق لبناء بيت، يمسح عرقه، ويبسط ابتسامة شوق إلى حلمه الآتي.. يقول:

- كنت أشتغل منذ الفجر وحتى المساء على سيارة النقل التي اشتراها والدي من ثمن الكرم، أجمع القرش فوق القرش، وأرفع جدران البيت الذي سأعيش فيه مع إنعام، أبنيه بيديّ على المساحة المتبقّية من السطح الذي تقوم عليه الغرفة التي كنا ننام فيها.. هل تذكر.؟ كنت على وشك الانتهاء من استعداداتي عندما قامت الحرب..

يحمل تعبه، وذلك الحبل المربّع، ويقيم صفّاً جديداً من الأشجار.. ترى هل يجعل من الصف الشامي بداية انطلاقته الثانية.؟

يحضن الحجارة البيضاء، ويرصّها فوق بعضها فترتفع وتشتدّ، يطليها بطين جبله من التراب الأحمر، غرفة أخرى تفتح نوافذها لاستقبال ضوء الشمس أول كل صباح..

 كلمات مختصرة أضافها في ذيل الرسالة، أزاحت عن لساني سيلاً من الأسئلة:

- نسيت أن أقول لك إن الرصاصة التي اخترقت خاصرتي في معركة الكرامة، استقرّت في الحوض.

ثم تسألني عن إنعام.!

وأراه يعود إلى عالمنا الدافئ، تختلط كلماته المكتوبة مع رصيد ثري من الماضي، ما زال يعشّش في ذاكرتي، أحرّكه كل لحظة، فأجده حياً ينبض كما كان، بدمه وحرارته وصفائه، يتحرك أمامي، يحدثني كأننا لم نفترق يوماً، يوقظني ويهمس:

- أفرغوا المدينة حتى من شرطة المرور، وفي ليلة مظلمة من شهر أيلول، كان القمر في رحم السماء لم يولد بعد، انصبّت الحمم وقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة على بيوت المخيم، خرجنا إلى العراء، وراءنا الحرائق، وأمامنا رجال وراء متاريس حصينة يتصيّدون الناجين.. كنت أحمل جراحي المعلّبة في جحيم ثلاث سنوات مريرة من الأسر، أركض ولا أعرف إلى أين، بدّو بعيدة، هل أستطيع أن أختصر المسافات إليها.؟ أخوض فضاءات طرقات تنزل تارة، وتعلو تارة أخرى، مليئة بالحفر والكمائن والأشواك..

وجه سركيس أمامي يبتسم، في قبضة يده حفنة من تراب، وحلم ترعرع وكبر يوماً بعد يوم في منافي سخيفة، كان أقرب إليه من وريده، وأمسى في لحظات الجفاء أبعد من ميادين شاسعة سدّت السبل أمامه، شيئاً مقيتاً كان يعربد بين أضلاعه يعصره عجزاً وخوفاً، استجمع شجاعته، وألقاه بعيداً.. لحظتها فقط أمسك طريق خلاصه.. ويوم ضيّعوا خطواتي عن الطريق، أدركت لماذا أودى بنفسه إلى ذلك المصير، واستكانت روحه..

هل تذكر.؟

وكيف أنسى.!

صورة سليمان مطبوعة في ذاكرتي، يومها أغراني ركوب الباص من بدّو إلى القدس، وقبل أن يتحرك بلحظة واحدة، مرّت من جانبنا سيارة عسكرية مكتظة بالجنود، وأخذت طريقها إلى قرية القبيبة.. نزل، خلع حذاءه، وأطلق ساقيه للريح..

كنت أركض وراءه على غير هدى، يأخذنا طريق زراعي ضيّق عبر مسالك صعبة، نتسلق تلال ونعبر سهول وأنا أركض وراءه أناديه ولا يسمعني..

فجأة وجدتني على مشارف قرية أخواله.. يلوّح بيديه ولا يجرؤ على الصراخ حتى وصلنا إلى بيت الحاج يحيى.. كان يونس يجلس بين القوم عندما دخل عليهم، توجّه إليه مباشرة وهمس في أذنه كلمات مقتضبة قام الرجل على إثرها وغادر المكان على عجل..

بعد لحظات وصلت الدورية، واقتحموا البيت.. كان يونس قد ابتعد إلى مكان لا يستطيع أحد أن يطاله فيه لتبدأ جولة من التحقيقات..

سليمان في زاوية الغرفة يلتقط أنفاسه، وجهه أصفر، وصدره يعلو ويهبط، وأطرافه ترتجف، أمسكه رجل جهم يبدو أعلى الجنود رتبة، شدّه بعنف وهو يردد:

- أنت من حذّره، أليس كذلك.؟

لكنه لم يجب وكأن طيراً وقف على رأسه..

ضربوه كثيراً حتى أدموا وجهه، لكنه لم ينطق بحرف واحد..

في المساء قضينا أكثر من ساعة ننزع الأشواك من قدميه..

كأنه أمامي، يسألني:

- ماذا تفعلون في اجتماعاتكم.؟

يفاجئني السؤال، ماذا كنا نفعل في اجتماعاتنا حقاً.؟

رجل وقور يتحدث كثيراً عن التاريخ، يقول إننا أمّة واحدة، يتحدّث عن الحريّة والمساواة، وقبل أن ينهي محاضرته يتحدث عن فلسطين..

نخرج من الجلسة الخصبة، كأن قامتنا ارتفعت أكثر، وكل ما حولنا بات أصغر..

وحين يجمعنا مقام جديد ندخل في جدليّات أخرى تختصر موضوعاً واحداً، يرسّخ في عقولنا النظيفة إحساساً لا يخطئ يقول، إننا الأفضل فكراً وعقيدة، وإننا قاب قوسين من التحرير، وحتى نصل إلى ذلك الهدف السامي علينا أن نزيح المعارضين، كل المعارضين..

قال لنا الرجل الوقور إنهم إمّا خونة أو كفّار.. بعد حرب 1967 سقط كل شيء.!

واكتشفنا كما قال الرجل الوقور أن الهزيمة لم تكن بسبب عقم الأفكار، والاستسلام إلى النظريات.. بل كانت بسبب خلل في موازين القوى، والمفاجأة، وهؤلاء الخونة الذين يطعنون من الظهر..

ورغم ذلك بقي سؤال يضجّ في رأسي:

- هل كانت تلك هي الأسباب الحقيقية للهزيمة.؟

يرفع الغطاء فوق رأسه، وأسمع نبض ضحكته الساخرة تطفو فوق سيل كلماته:

- الالتحام هو السبيل..

يكشف وجهه مرّة أخرى فأرى شبح الابتسامة ما زال يتعلّق على طرف شفتيه:

- كان يونس ينبت فجأة وسطهم، يخلق تلك اللحظة التي تفقد فيها الرصاصة قدرتها على التفوّق، وتبرز بالمقابل قدرة القبضات، والحجارة والسكاكين..

كنّا نصدر البيانات الناريّة، بينما مدافعهم تقذف حممها على البعد، وتطال أهدافها، طائراتهم تلاحق حتى الجندي الهارب وتنسفه من فوق، تدخل إلى العمق وتدّمر المدارس والبيوت، وتقشّ الناس إلى الشرق، ثم تجتاح أراضيهم الخاوية..

اليوم لا يسمعني، ولا يسمع إجاباتي، كأنه يريدني أن أسمعه فقط، يكتب لي، ولا أستطيع أن أكتب له، لا أعرف عنوانه..

تحمله المسافات إلى عوالم أعرف أنه يمقتها، يمزّق في تجواله فيها حبّه الأثير، يدفنه تحت مسميات عبثية، حتى هذه تلجمه عنها رصاصة قتلت رمز ذكورته..

في رسالة أخرى يقول:

- سياّرة النقل التي أصبحت قدري، علمتّني أشياء كثيرة لم أكن أدركها من قبل.. صرت أعرف خريطة بلادي أكثر، القرى والمدن والمزارع، حقول القمح وكروم الزيتون ومواعيد المواسم.. الجبال والتلال والسهول.. صدقني، لقد تعرفّت على كروم كثيرة مثل كرمنا القديم، هل تذكر.؟

وكيف أنسى.؟

هل ما زال الشجر قائماً فيه.؟ وهل يطرح الصف الشامي درّاقه.؟ أم أنه ارتفع فوق السور المنيع، وأصبح عرضة لسطو العابرين..

آه يا سليمان..!

لماذا يأخذنا الحلم إلى سبل مستحيلة، ثم يلقي بنا في الفراغ.؟

في رسالة أخرى يقول:

- أنت تعرف ناجي ابن عمي، قابلته في عمّان، سألته عن بيتنا في بدّو، عن أهلنا، عن الكروم والطرقات.. أتدري ماذا أجابني.؟ قال ضاعت بدّو.. جملة واحدة قذفها كما يلفظ فتيل ضوء الكاز آخر ومضاته قبل أن يخبو، وأشاح بوجهه عنّي..

هدموا بيتنا، وجرفوا الكروم، وأقاموا مكانها حدائق جديدة، وبيوتاً حصينة، ومدارس، ثم رفعوا حولها أسواراً إسمنتية، وأسلاكاً مكهّربة، ومناظير ودشم وطرقات عريضة.. واستخدموا من بقي من السكان في أعمال الزراعة والسقاية ونقل المحاصيل..

رسائله تصلني بانتظام، يتحدّث ولا يتوقف عن الحديث.. يذكّرني بأدقّ التفاصيل، يفردها أمامي، كأنني أعيشها دقيقة بدقيقة، ولحظة بلحظة..

عندما اندلعت شرارة انتفاضة 1987.. توقّفت رسائله..

لأول مرّة لا أحسّ بطعم الفراق، ولأول مرّة يجتاحني إيمان حقيقي، بلقاء قريب..

سؤال واحد ما زال يلاحقني وأنا أتابع أخبار الانتفاضة..

ترى هل استطاع أن يعبر النهر، وينصهر في ساحة الالتحام.؟
 
انتهـــت

14-8-2012 6:05 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013