جديد الموقع
فنون نثرية

مَغارةُ الشَيطان الأبيَض

18-4-2013 12:15 AM

عدنان كنفاني

ـ مات أبو النار..!

وكأنه نثر حفنة من تراب فوق رؤوس القوم.

تغيب الصحراء تحت غلالة الطيف، وتتدلى فوانيس الرهبة من سقوف كنائس صمتت أجراسها، ومحاريب مساجد ما عادت تتقن شدو الدعاء.

كانت منتصبة كسيف أشرع نصله ليحزّ رقبة زنديق، خضراء وارفة، جذعها جناح حصان أسطوري أسقط رعب جزيرة سكنتها أرواح الآتين من بلادٍ لا شمس فيها ولا قمر، وفرعها جديلة امرأة تتقن فنّ الحب، وأغصانها تحتضن أعشاش العصافير.. تتمايل على نغمات مزامير تفلّتت من أصابع نبيّ سجدت له قمم التلال، وبسطت السهول بين يديه قرابينها، تتراقص على شفتيها فراشات البنفسج محمّلة بنسائم الحب.

بسط "سومر" ذلك الفتى النوراني قميصه الأبيض فراشاً، ونعليه الخفيفين وسادة، وأطلق من قصبته الحزينة، مطالع مواويل.

شيء يشبه الكلب، ويشبه الذئب.. لكنّه ليس كلباً وليس ذئباً بل حيوان بحجمهما، ظهرٌ مقوّس ورأس كبير وأنياب مدببة، وقائمتان أماميتان طويلتان ومثلهما خلفيتان قصيرتان، وأذنان منتصبتان.. ولونه أبيض.

يدور حول الجذع بجنون، ألف دورة، وشرار نار يقدح من تحت قوائمه، والفتى سومر يترقّب برعب لحظة الانقضاض، عيناه جمرتان متوقّدتان، والقصبة المبحوحة تشدّ ترانيمها لتصيّرها سلاحاً قد يبعد عنهما غائلة الغدر.

تبدد المشهد سريعاً عندما رشقت شعيرات بارزة من ذيل الوحش الأبيض بعضاً من بوله لتنتشر رائحة عفنة على مساحة الدائرة.

فجأة يقف الوحش، يدير ظهره، ويبدأ خطوة بطيئة ينتظر بارقة الاستسلام المهين.

لم تكن المغارة بعيدة، ولم تكن بوابتها منخفضة لتشجّ رأس الفتى فيصحو من سوءة القرار، لكنهما عندما أصبحا في جوف المغارة تشكّلت الحكاية.

يركض عبر الزواريب الضيقة، يشد ثوبه المخطط لفوق، ويقفز كطير أصابت جناحه رشقة بارود طائشة، ويصرخ:

ـ مات أبو النار..

ـ اصمت أيها المعتوه، لو يسمعك سيقتلع حنجرتك..

في ذلك الأفق الأبعد، عند حدود الشمس كانت هي الأخرى منتصبة باستعلاء، جذعها حراشف حيوان داسته عجلات الزمن، حطبٌ يابس، فرعها حربة مقاتل هزمته الأنواء فتثلّمت، وأغصانها مهابط الغربان والخفافيش، مفتوحة عن آخرها كأكفّ عارية تطلب غيث السماء، تركه تحت ظلّها الباهت رحم مجهول، أسقطه هكذا من فراغ الأزل، وقال له كن شيطانَ الشرّ.. أو كن "مملوكاً"..! ومضى الرحم إلى بريق عوالم صاخبة.

وقف ذلك الأبيض يرمقه بنظرات كأنها مطالع الشرر، وسرعان ما التقطت السنابل الفقيرة رشقة البول العفن، ودائرة من نار تزداد أواراً كلما دار حولها..

في المغارة نفسها التقيا وجهاً لوجه، "مملوك" والوحش الأبيض، بينهما دائرة نار شرهة تقدح في عيونهما، وتفاصيل ذاكرة ما تعدّت رسم قواسم جوعهما المنهك، تقاسما اجترار بقايا جيفة أرنب. وعندما غادرا المغارة لم يصدّق أحد بأنهما تعارفا، وتصادقا، وأصبحا فريقاً يضرب بلا رحمة، ويحتلّ دون كثير جهد، ويشبع حتى التخمة.

ـ مات أبو النار..!

ويسقط القوم في متاهة الذهول.. هل يعقل أن ينتهي ذلك الكابوس الرهيب إثر جملة قصيرة.؟

هل يمكن أن يغادر الرعب دروب القرية، وفيء أشجارها، ورقّة جداولها هكذا بعد جملة لو صدق راويها لفتحت ثانية ذلك الأفق الجميل الذي كان..؟

من يصدّق بأن "أبا النار" مات.؟ وهو الطويل العريض، الممسك بأقدار الناس وأرزاقهم وأحلامهم، تلك الصورة المرعبة التي ما فارقت خيالات الصبايا، ولا خطوات الأطفال..؟

الخدر الأرعن يتخلل خلايا سومر وهو قعيد المغارة ينتظر شيئاً قدرياً لا يدرك متى يبدأ، وكيف ينتهي.

شبقٌ رغويّ كريه يتدفق من بين فكيّ الوحش الأبيض، وأنيابٌ كلما غافلتها فسحة الضوء المتسرّب من باب المغارة تلتمع بضراوة العارف رسم الخطوة التالية..

وريقات الزعتر البريّ النابتة على مدّ المنحدر الأخضر تطوي شموخها بين أصابع "مريم"، وهي تنقّل خطواتها بين هنا وهناك تفتّش عن زهرة صفراء تزيّن ضفيرتها استعداداً لعرس المساء..

الصمت الأليف يغريها بالإنصات إلى صوت همهمة مكتومة تطلع من تحت قدميها، انحنت قليلاً لتبدو لها من جوف المغارة الوطيئة خشبة المسرح رهيبة القسوة بين جزّار يوشك الفتك بضحيته مسلوبة الإرادة.

ـ يمّا سومر..

يداها الراجفتان تبحث عن سلاح.. أيّ سلاح يبعد شبح الافتراس عن سومر، لم تجد غير باقة الزعتر البريّ بين يديها، كفّنت حجراً مدبباً بين وريقاتها المعطّرة وقذفتها في وجه الوحش، وأخرجت من مطاوي ثوبها الزاهي بألوان محببة صرخة فزع مجبولة بروح الرجاء ارتقت إلى معارج السماء، سرعان ما أغرت غيمتين ربيعيتين عظيمتين على العناق الحميم، وشعاع برق يكاد يخطف الأبصار، وصرخة رعد مدوّية.. كلّها نسجت فصلاً من فصول الحكاية.

يرتدّ الوحش إلى الوراء بفزع، وينهض سومر من خدره ليصدم رأسه سقف المغارة الوطيء، يسيل الدم دافئاً على صدره، قصبته تمسك باللحن الرتيب، ومطالع مواويل مسحت مع لحظة الفزع المرعبة بروج عقله، وما تركت في ذاكرته غير صورة مرعبة لوحش أبيض يقود خطواته المخدّرة بمهانة إلى مغارة تشبه مقصلة يكاد كلما بسطت تلك الشجرة الوارفة دفأها في خلاياه يحسب فروعها أنياباً ستعمل على تقطيعه إربا..

وكان مملوك ذلك الحاضر أبداً بجبروته وصلفه يقوم بهذا الدور، يحمل في تفاصيل وجهه القاسي ملامح ذلك الوحش، ويضرب ويغتصب دون رحمة حتى أصبح في ذلك الحيّ من القرية الجميلة كابوساً مرعباً دفع بأثريائه وموسريه والقادرين على دفع نفقات السفر والاغتراب للرحيل، وما بقي مقيماً غير الفقراء والبسطاء يحافظون على نكهة التراب، وريح الذاكرة، وينسجون من خيوط المكان تعاويذ تشدّهم للبقاء.

فريق مرعب، الوحش الأبيض وسلوكه الفطريّ وقد أتقن مملوك ترويضه ليستهدف في رفقته المدمّرة ما يشبع معدته، وينصّبه ملكاً على فصيلته، وما يجعل من مملوك السيد المطلق على الناس والبشر والحجر.. ومملوك بقامته الضخمة، وكتفيه العريضين، وعينيه القاسيتين، وكفّيه اللذين ما أتقنا غير البطش ورسم خرائط الخراب، وكلّ يرعى صاحبه، ويقيم معه معاهدة ملعونة، صلب الحقيقة فيها إشباع شراهتهما للدماء، وممارسة أقسى صنوف السطوة على كل ما يربط الناس بأرضهم وحواسّهم وسبل عيشهم.

عندما فاق الظلم حدّ التصوّر، وفقد الناس حتى فسحة الأمان، وتسلقت الأطفال أسوار الغياب، اجتمع القوم لأول مرة على الخلاص منهما مهما بلغت التضحيات.

تربصا بهما حتى دخلا المغارة، كان الوقت مساء، والشمس تغيب وراء الأكمة عندما تسلّق الرجال المنحدر يحملون الحطب والقش، ومن ورائهم النساء يحملن الخروق وسوائل قابلة للاشتعال، أقاموا منها محرقة هائلة دفعوا بها إلى المغارة.

لكن العجيب أن "مملوك" استطاع أن يخرج سالماً يجر معه الوحش الأبيض.

من يومها أطلقوا عليه اسم "أبو النار..!"

وكان العقاب الذي نزل بالقرية وأهلها أكبر من دائرة النار.

ـ مات أبو النار..

الوحش الأبيض يقف بعيداً بانكسار، عيناه تنظران إلى أفق ما عاد يزخر بذلك البريق، وأنياب فقدت لمعانها، وقوائم بدت أقصر مما كانت، يبحث عن مملوك جديد يتقاسم معه موائد الجيف.

خيط من الدماء ينتهي عند بالوعة الشارع ويرتدّ بعيداً على خط صاعدٍ مستقيم ليبدو أوله ينزف من نصل سكين قصيرة مغروسة في شريان عنق أبو النار.

حوله ناس القرية، ينظرون بدهشة مشوبة بفرح غامر إلى رجفاته الأخيرة، ومحاولاته البائسة للصراخ.

أحدهم يلكزه بقدمه لكن عينه الكسيرة لم ترجف.

سومر يحمل قصبته وهي تشدو بلحن أليف، نغمات مزامير تفلّتت من أصابع نبيّ سجدت له قمم التلال، وبسطت السهول بين يديه قرابينها، في فيء شجرة الحياة، خضراء وارفة، جذعها جناح حصان أسطوري أسقط رعب جزيرة سكنتها أرواح الآتين من بلاد لا شمس فيها ولا قمر، وفرعها جديلة امرأة تتقن فنّ الحب، وأغصانها تحتضن أعشاش العصافير.. تتراقص على شفتيها فراشات البنفسج محمّلة بنسائم الحب.

مريم تنظر إلى باب المغارة البعيد المزيّن بباقاتٍ من وريقات الزعتر البريّ، وكومة من الحجارة المدببة..

سرعان ما هدأ كلّ شيء.. كلّ شيء..

لكن السؤال ما زال ينبض على شفاه الناس:

ـ تُرى.. من قتل أبو النار..؟

18-4-2013 12:15 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013