جديد الموقع
ملفات خاصة

كما تكونوا .. يُغنى لكم

5-7-2011 2:36 AM

 

كانت الأغنية السياسية في تلك الأيام، تولد من صلب الإحساس العميق بالألم والوجع، ذلك لأنها أغنية ـ رغم مرارتها ـ وقفت خلفها فكرة وحلم ومشروع، وارتبطت دوماً ببصيص أمل، مهما كان خافتاً، ذلك لأنها لا تنبعث من العدم ولا اليأس، بل بدأت كصوت سري، أطلقه فنانون حقيقيون، ثابتو العزم، أصيلو الموهبة، قادرون على ازدراء التفاهة والزيف والابتذال، متشبثون بإنسانيتهم.

وعلى إيقاع "الغضب الساطع آت" ومسرح الأخوين رحباني، وأغنيات عبد الحليم حافظ، وأناشيد محمد عبد الوهاب الوطنية الناعمة، انطلقت كل الحروب العربية، وماتت بعد سلسلة مـن الهزائـم العربية المتلاحقة، التي شملت كافة الميادين، الجغرافية، السياسية والثقافية والاقتصادية والمعنوية، وقد ترافقت هذه الهزائم، مع بحر هائج من الأناشيد التعبوية الهادفة إلى زلزلة الأرض تحت أقدام الغزاة، إلا أن أغنيات من وزن "يا بلدنا لا تنامي" و"شام يا ذا السيف" و"خللي السلاح صاحي" و"فدائي يا أهل العروبة فدائي" لم تنجح في حفظ ماء الوجه، ولا في وقف انهيار الحلم العربي، لكن رغم هذه السوداوية في التعاطي مع (الأغنية السياسية) لا يمكن تجاهل بعض التجارب الناضجة كتجربة الشيخ إمام عيسى وتجربة زياد الرحباني وكذلك التجربة الأكثر تميزاً جماهيريا وفنيا تلك التي خاضها الفنان اللبناني (مارسيل خليفة) التي تعرضت لعثرات عدة، اعتبرها بعض النقاد بأنها تمثل خرابا للبنية الموسيقية والغنائية العربية، بإنفلاتها من القواعد الموسيقية الرزينة التي عرفتها الموسيقى العربية الكلاسيكية وتقديمها القصائد بقالب يلامس الروح الغربية بإسلوب تقديمها للكلمات المغناة، و في أكثر من مناسبة أكد خليفة أنه متمسك بهذا (الخراب) الذي يسميه "الخراب الجميل"، باعتباره الامتداد الوحيد والجسر الواصل للبذرة التي أودعها سيد درويش المؤسس الوحيد لأغنية عربية حقيقية بالمفهوم الاصطلاحي للأغنية انفلتت من نسق القصيدة وتواصلت مع واقع ونبض الكادحين.

ودون ثنائية مارسيل خليفة والشاعر محمود درويش لما كانت لتكتمل تجربة خليفة الابداعية التي كان للكلمة سطوتها عليها، وسطوة الكلمة كانت في بعض الأعمال على حساب الموسيقى وحرمت خليفة في بداية تجربته وبأوج شعبيتها من إعطاء الحيز المناسب للإبداع الموسيقي، الأمر الذي تداركه خليفة، ربما متأخرا بتجسيد للنقد الذاتي بعمله الموسيقي المهم (جدل) حيث قال حينها خليفة (اندثر زمن الكلمة) وكان هذا الموقف ناتجا من تبعيات الانهيارات السياسية التي شهدها العالم، وصمتت الكلمة وجف لسان خليفة ليطلق العنان عبر (جدل) لأحاسيس وهواجس الموسيقى المجردة وحدها القادرة على استنطاقها. ومع التحولات الجذرية في مسار الحياة العربية خلت الساحة الغنائية من التجارب المعنية بالحدث السياسي او القضايا المصيرية ورغم تحسس الأعلام العربي الرسمي من هذا المصطلح تبقى الأغنية التي يفرزها اي مجتمع هي حياة قائمة تشكل طقوسنا ووعينا وقدرتنا في الانخراط بالركب الحضاري الإنساني الذي سيحمله التاريخ الذي لن ينصف سوى المنتصرين، وبإطلالة على الطرف الأخر ترى تفاوتا ملحوظا لدى الغرب بين انهماك تلك المجتمعات مؤسسات وأفراد في خوض غمار مرحلة العولمة وما بعد الحداثة، ترى نخبة من الأعمال الغنائية تبشر بالأفكار الليبرالية والراديكالية وتمجد الرموز الثورية في زمن يفترض به فناء هذه التوجهات.

وإلى مصر، وتجربة الشيخ إمام عيسى، ذلك  الذي عاش قابضاً على إنسانيته ووطنيته، وتحمل ـ طائعاً مختاراً ـ ضريبة هذا العشق طوال حياته، وقد لا يعرف الكثير من أبناء هذا الجيل الشيخ إمام عيسى، المغني والملحن الضرير الذي عاش ومات في إحدى حواري القاهرة، ولم يكن من نجوم التليفزيون أو مقاعد الأمراء، لكنه بعوده المليء بالشجن وبكلمات شاعر ضال ويتيم في أحد شوارع القاهرة استطاع أن يحرض الجميع، فمن هو إمام عيسى، الذي أصبح أهم مغنٍ تحريضي في تاريخ مصر؟

في قرية (أبوالنمرس) التابعة لمحافظة الجيزة ولد إمام محمد أحمد عيسى لأبوين فقيرين، كان أبوه بائع زجاج مصابيح بلدية التي يطلق عليها في مصر "اللمبة السهاري"، كان يجوب القرى والنجوع والكفور حاملاً على رأسه هذه البضائع الرقيقة، التي كانت منتشرة قبل دخول الكهرباء، وفي العام الأول أصيب إمام (بالرمد الحبيبي) ولجأت أمه كالعادة الى (الداية) التي عالجته بحشو عينه بروث البهائم عدة مرات حتى فقد البصر تماماً، وفي الخامسة من عمره ذهب إمام لحفظ القرآن في كتاب القرية وبعد أن أتمه أخذه أبوه الذي كانت صحته قد تدهورت ولم يعد قادراً على الكسب بالمرة، وتوجه به إلى الى القاهرة، حيث أودعه في ملجأ تابع للجمعية الشرعية الإسلامية، حيث أكمل الصبي تجويد القرآن، فغادر الملجأ ليعمل مقرئا للقرآن ومؤذنا في المساجد.

ويروي الشيخ إمام ذكرياته عن تلك الأيام قائلاً : " ظللت في الجمعية الشرعية 4 سنوات، وكان الراديو في ذلك الوقت حديثا وكان الشيخ محمد رفعت العلم الوحيد للإذاعة يقرأ مرتين كل أسبوع وكنت أحرص على سماعه بانتظام، أما في الجمعية فكان سماع القرآن في الراديو حرام، وحدث أن ضبطني أحدهم وأنا افعل ذلك ففصلوني، وعندما علم أبوه بخبر فصله لم يمنحه سوى الضرب والكراهية والتأنيب، فأصبح شريداً بلا مأوى، يجلس نهارا في جامع الحسين وينام ليلا في الأزهر".

أيام وشهور كثيرة مرت على الصبي الأعمى، حتى قادته الصدفة وحدها إلى حارة (حوش قدم) التي يسكنها شخص من نفس قريته، وبدأ في قراءة القرآن وسكن غرفة في أحد البيوت القديمة بثمانية قروش في الشهر، وذات يوم وهو يقرأ القرآن عند حلاق يدعى محمد بيومي، إذا بالشيخ درويش الحريري يدخل للحلاقة ويستمع إلى صوته ويعجب به، وكان الرجل أستاذا يدرس الموشحات في معهد الموسيقى العربية ويعلم القرآن أيضا في معهد فؤاد الأول وغيره.

يقول امام: قال لي الأسطى: هذا هو الشيخ درويش الحريري الذي علم محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد.. فقمت وقبلت يديه، وعندما أوصاه الأسطى بي، قال الشيخ: نحن نتعلم منهم (ومنذ تلك اللحظة، لازمت الشيخ مثل ظله، وقلت له أنا قتيلك وأريد أن أتعلم)، ومع الشيخ درويش تعلم كل شيء في حضرة صالح عبد الحي ومحمد عبد الوهاب وأمين المهدي وغيرهم.

وهكذا استطاع إمام أن يتعلم العود بعد فترة من صديق له كفيف أيضا أخذ معه خمس حصص وبدأ يمرن نفسه بعدها على العود الذي اشتراه بخمسين قرشا.. يضيف: سكنت مجانا في بيت (علي الشعبيني) وبدأت أغني (محمد عثمان) والشيخ زكريا أحمد، حتى بدأت أمارس الغناء كمحترف وتركت احتراف قراءة القرآن.. وظللت هكذا حتى سنة 1962 حين تعرفت على الشاعر أحمد فؤاد نجم، كان لابد لسماء القاهرة أن تشتعل في هذه الليلة, حيث صرخت صاعقة وطار طائر بمفرده في اتجاه اليقين، ليلة غير عادية تلك التي جمعت الشيخ إمام بالشاعر أحمد فؤاد نجم.. وكأنهما توأم إفترق وعادت الأيام لتجمع كلا منهما تلخيصا لحياة الفقر والجوع والتشرد تلك التي تولد رهافة لايدركها إلا من ذاقها، هم وحدهم يملكون الإحساس والعذوبة والقسوة أيضا.

ويروي الشاعر أحمد فؤاد نجم عن بداية علاقته مع الشيخ إمام فيقول في عام 1962 دعاني صديق اسمه سعد الموجي كان يعمل بوزارة السياحة.. ودعوته كانت لزيارته في بيته في الغورية كذلك لأتعرف على فنان أصيل لايريد أحد أن يعترف به بحجة أنه دقة قديمة "، وفي المكان والزمان المحددين كنت أجلس أمام شيخ ضرير يحتضن عودا قديماً يشبهه، وغنى الشيخ إمام لمشايخ الملحنين وجهابذة الطرب والنغم وأدهشني أنه يعطي الألحان القديمة إضافات لا تقل غنى وأصالة عن الألحان نفسها وهكذا تأكد لي أنني أمام فنان مبدع وسألته: لماذا لا تلحن يا مولانا؟، قال: مش لاقي الكلام الكويس قلت له أنا عندي الكلام.. وأعطيته ما أكتب واجتمع إمام ونجم كثيرا في ليالي الشتاء القاسية ،وفي ليلة من تلك الليالي تكسرت أحلام الجميع بنكسة يونيو دفعة واحدة، لم يكن يعرف إمام ونجم الفقيرين بحياتهما، والأغنياء بمشاعرهما أنها سيغيران تاريخاً كاملاً، يجلس الشيخ إمام وعوده المليء بالأصداف والمشاعر، وجواره أحد الأيتام الضالين في القاهرة، اسمه أحمد فؤاد نجم (يقول أشعاره الصادمة والكاشفة لهذا الزيف المتسرب في هواء مصر كلها) وربما لم يكونا يعرفان أنهما سيغيران الأحوال ويعيدان للهزيمة اسمها الصحيح، الذي زوره كتبة السلطة ودجالوها، أعادا الأمر إلى نصابه، ووضعا الشعب أمام حقائق صادمة بغنائهما المشحون بتحقق أحلام لم يكن أحد يجرؤ على الصراخ بها، وهذه البداية كانت تحتم عليهما درجة أعلى من الصدق مع النفس، فالكل وقتها كان لا يملك القدرة على الاعتراف بالخطأ، واكتفى الجميع بتعليق الخطأ على "رجال عبد الناصر"، رغم انه اعلن مسئوليته عنها، لذا كان للشيخ إمام ولنجم رأي آخر فيما يدور، حيث ظهرت لديهما ولأول مرة هذه النغمة القاسية التي تستمد قوة أكبر على التحريض والفعل والتأثير، عن طريق فضح الصوت الرسمي وكلامه.

ولم تقتصر أغنيات الثنائي إمام ونجم على التوبيخ والنقد الجارح، بل تجاوزت ذلك إلى التحريض المباشر على فعل ما، كان وقتها لا بديل عنه وهو الحرب، حرضا شعباً وجيلاً .. فعلها إمام ونجم بعود ممتلئ شجناً، وكلمات حادة مستوحيان قصة (عم حمزة) الذي كان يبيع الشاي أمام "سجن الاستئناف" في ميدان "باب الخلق" بالقاهرة، وكان كلما رأى سيارة السجن محملة بالتلاميذ القادمين، ضرب كفاً بكف قائلاً بحسرة : "رجعوا التلامذة تاني"، مشفقاً على أعمارهم الصغيرة، ومكابدة ذويهم خلفهم في السجون، ويقرر أن يمنحهم الشاي مجاناً حتى يفرج عنهم جميعاً ، ليبقى اسم "عم حمزة" في ذاكرة كل أبناء الحركة الوطنية المصرية في تلك الحقبة، ويخلد اسمه نجم في أغنيته الشهيرة التي صارت ـ كغيرها ـ أنشودة تقول :

رجعوا التلامذة ياعم حمزة للجد تاني

يا مصر إنتي اللي باقية وانتي أصل الأماني

لا كورة نفعت ولا أونطه

ولا مناقشة وجدل بيزنطة

كان هذا زمن السادات الذي شهد المجتمع المصري خلاله تحولات عنيفة وحادة، من أقصى اليسار إلى الانفتاح، ومن أدبيات العدو "الإمبريالي والصهيوني" إلى "صديقي كارتر وبيغن"، ومن هنا التمس إمام وهجه الإنساني في مواجهة دجل لا يمكن احتماله أو التعايش معه بسلام، وانطلق الأعمى الذي بصرته المحن ولم تكسره، ليغني بسخرية حادة من السادات شخصياً:

قوقة المجنون أبو برقوقة

بزبيبة غش وملزوقة

كداب ومنافق وحرامي

ودماغه مناطق موبؤة

وبسبب هذه الأغنية تم اعتقال إمام ونجم وقبلها في تحقيق النيابة كان المحقق يسأله "بمن تقصد هذا الكلام؟"، فأجابه أن الكلام واضح، فرد عليه المحقق، هل تقصد به رئيس الجمهورية؟

فكانت اجابة إمام بصوت مرتفع وواثق لا يعرف تخاذلاً : بالتأكيد أنا أقصد رئيس الجمهورية محمد أنور السادات.

كانت اجابته صدمة حقيقية للمحقق الذي تمنى ساعتها أن ينكرها، كما قال بعد ذلك بربع قرن، واضطر أن يكتب في التحقيق أنه لا يقصد رئيس الجمهورية خوفا على هذا الشيخ الضرير من مصيره المؤلم، وبعد نهاية التحقيق أعاد قراءته على الشيخ إمام الذي فوجئ بأن المحقق لم يكتب كلامه كما قال, فبكى الرجل بعنف وهو يقول للمحقق : لماذا تريد أن تلحق بي العار، هل تستغل كوني أعمى لتسجل أنني جبان في محضر رسمي، وتجعل ذلك وثيقة تاريخية ضدي ؟

ولم يكن الشيخ إمام ونجم على محليتهما المفرطة، في الكلمة واللحن والذائقة، بل امتدت بصيرتهما الى العالم المتسع، ليغنيا لثوار العالم جميعاً، في زمن الثورات والتمرد، ويقفز تحريضهما عابراً المحيطات والقارات بعد موت "جيفارا" بكلمات صارت:

جيفارا مات .. جيفارا مات

آخر خبر في الراديوهات

مافيش خلاص غير القنابل والرصاص

ياتجهزوا جيش الخلاص

يانقول ع العالم خلاص

كان إمام يواصل الغناء وسط التجمعات الطلابية والعمالية فكان ضيفا دائما على كل جامعات مصر، من جامعة الإسكندرية حتى جامعة أسيوط، وفي إحدى حفلاته بكلية الزراعة في جامعة القاهرة 1976 تحول الغناء داخل المدرج إلى مظاهرة وخرج المدرج بكامله خلف الشيخ مرددا معه المقطع الأخير من أغنية "جيفارا":

يا تجهزوا جيش الخلاص، يا تقولوا ع العالم خلاص.

وكان إمام يفضل إنهاء حفلاته بهذه الأغنية، واستمر الطلاب معه أو بتعبير أدق خلفه، بهذه الحالة حتى شارع الجامعة القريب من بيت السادات، وكانت هذه الواقعة هي بداية الحصار الحكومي

وكان طبيعياً أن تضرب السلطات المصرية حينئذ حصاراً حديدياً على الشيخ إمام، ويقول أحد قيادات الطلاب في السبعينيات "إمام ظل طوال السبعينيات ممنوعا من السفر بينما تمكن الكثيرون من السفر والاسترزاق مـن النظـم

العربية الثورية والنفطية على حد سواء، وكانت الدعوات تصل الى امام من الدول العربية، ومن الجاليات العربية في أوروبا، خاصة باريس، وكان المنع مستمرا.. فكان رده بأغنيته الرائعة ذائعة الصيت التي يقول فيها:

ممنوع من السفر

ممنوع من الكلام

ممنوع من الغنا

ممنوع من الابتسام

وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات

وكل يوم باحبك أكتر من إللي فات

وفي منتصف الثمانينيات تمكن إمام ونجم من السفر بعد أن تغيرت الظروف السياسية، وامتدت الرحلة من بيروت إلى باريس إلى الجزائر وتونس إلى بلدان أخرى وفيها حدثت القطيعة بين الرفيقين (إمام ونجم) واستمر إمام في عزلته ويقال أن الخلاف بسبب أمور مالية، ولم يعد معه إلا بعض الطلبة في (حوش قدم) حيث واصل تلاوة القرآن والتواشيح بمسجد صغير، وكان يغني أحيانا حتى فاضت روحه الطيبة، وللمفارقة الغريبة كان ذلك في حزيران (يونيو) 1995، وتموت برحيله مرحلة بالغة الأهمية والسطوع لعصر الأغنية السياسية أو التحريضية، أو تتدنى إلى حضيض "شعبولا"، الذي تنحصر كل مؤهلاته في أنه"بيكره الكيان الصهيوني، ويحب عمرو موسى"، وحقاً كما تكونوا .. يُغنى لكم .. أو عليكم، أو حتى عليكو!.

5-7-2011 2:36 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013