جديد الموقع
تراثنا الشعبي

الشهيد سرور برهم..

19-11-2012 6:26 PM

  علي بدوان




ما إن انتهت الحلقة الأخيرة من المسلسل التلفزيوني (بوابة القدس) على محطة قناة الشارقة الفضائية مساء يوم الأول من نوفمبر 2012 الجاري، والذي جسد في حلقته الأخيرة بطولة الفدائي الاستشهادي الحيفاوي الفلسطيني الأول (سرور برهم) وزميله الأردني الملازم (محمد حمد الحنيطي) حتى فوجئنا في صباح اليوم التالي بنعوة ملصقة على جدران مخيم اليرموك بدمشق، فقد توفيت (نعمات سرور برهم) آخر من كان قد بقي على قيد الحياة من أبناء وبنات الشهيد سرور برهم الذي استشهد على أرض فلسطين، وبالتحديد بالقرب من مدينة حيفا عام في السابع عشر من مارس 1948 بعملية فدائية كانت بمثابة العملية الاستشهادية الأولى في تاريخ العمل الفدائي الفلسطيني المقاوم.

نجح المسلسل المذكور بإيصال الفكرة والموضوع، وفي استعادة صفحات مطوية من الكفاح العربي والفلسطيني على أرض فلسطين، صفحات سَطَّرها جنود مجهولين في وقت لم يكن فيه للإعلام حضور أو سطوة أو فعل أو تأثير يُذكر، ولم يكن بالإمكان تسجيل تلك اللحظات الكفاحية إلا بعد حين وعلى لسان المرويات الشفهية لأناس عاشوا تلك الفترة في فلسطين والشتات وقد بات الكثير الكثير منهم في هزيع العمر. المسلسل إياه من إنتاج أردني، فبطله هو الملازم في الجيش الأردني محمد حمد الحنيطي قائد حامية مدينة حيفا في فلسطين قبل سقوطها بيد العصابات الصهيونية في إبريل عام 1948.

وقد ترافق الملازم الحنيطي مع المناضل الفلسطيني سرور برهم، الذي نال حضوره المؤثر في الحلقة الختامية والأخيرة من مسلسل (بوابة القدس) إياه.

فمن هو الشهيد سرور برهم، وما هي أبرز المحطات الكفاحية الفلسطينية في حياته..؟

الشهيد سرور برهم نجمة ساطعة في مسار العمل الفلسطيني الكفاحي قبل نكبة العام 1948، من مواليد مدينة حيفا عام 1903, وقد انضم للفصائل الفدائية الفلسطينية المسلحة التي أقامها الشهيد الشيخ عز الدين القسام, في مطلع الثلاثينيات في منطقة حيفا والشمال. ومن الرعيل الذي ترافق مع الشهيد القسام قائد الثورة العامة في فلسطين بين أعوام (1922-1936).

لقد كتب عن الشهيد سرور برهم العديد من المؤرخين والكتاب، وذكره المؤرخ الفلسطيني المعروف عارف العارف في مجلداته (بلادنا فلسطين)، فيما أنجز وكتب عنه أيضًا الشيخ نمر الخطيب في كتاب حمل عنوان (من أثر النكبة) والصادر بدمشق عام 1951، كذلك على متن كتاب الشيخ عبد الرحمن مراد قاضي حيفا الشرعي قبل النكبة والمعنون بـ (صفحات عن حيفا ومعركتها الأخيرة) والصادر بدمشق عام 1991. كما تطرق لسيرته المؤرخ الفلسطيني المعروف أكرم زعيتر ابن مدينة نابلس في مجلداته (يوميات فلسطينية).

سرور برهم، وفي لحظات حرجة من لحظات صمود فلسطين ومدينة حيفا، سافر وبمرافقة قائد حامية حيفا العربية المجاهد الأردني الملازم محمد حمد الحنيطي إلى بيروت ودمشق للاجتماع بالمسؤولين في الهيئة العربية العليا لفلسطين وباللجنة العسكرية العليا التابعة لجامعة الدول العربية، فاستطاعوا الحصول على شاحنتين كبيرتين مجموع حمولتهما اثنا عشر طنًا من العتاد والسلاح لثوار فلسطين ولحامية حيفا، وسارت السيارتان من لبنان إلى فلسطين عبر بوابة رأس الناقورة جنوب مدينة صور اللبنانية، فعبرا بهما نحو فلسطين وصولاً لمدينة عكا، ومن ثم نحو مدينة حيفا، إلا أن وقعت بينهما مواجهة مباشرة مع كمين يعود للعصابات الصهيونية من قوات الهاجناه والبالماخ فوقع اشتباك كبير حَسَمَهُ في نهاية المطاف الشهيد سرور برهم الذي فجر نفسه في إحدى سيارتي العتاد وسط الجنود الصهاينة من أعضاء الهاجناه والبالماخ.

لقد عاش الشهيد سرور برهم سنوات عمره القصيرة نسبيًّا على أرض فلسطين، فقد اُستشهد وعمره لا يتجاوز (42) عامًا، لكنه دخل سجل الكفاح الفلسطيني بقوة، ومن أوسع الأبواب، تاركًا خلفه عائلة مؤلفة من ذكرين (محمود ويحيى) وست بنات هن (ظريفة وفاطمة ونعمات ومنيفة وكوثر ونصرة)، أسرة باتت لاجئة في سورية منذ عام النكبة، وقد تفرعت وأنبتت من غراسها الطيبة في مخيم اليرموك شبانًا وصبايا وفتيانًا لم تكتحل أعينهم برؤية الوطن الفلسطيني ومدينتهم حيفا وشارع الناصرة فيها، لكنهم كانوا وما زالوا ملتصقين بفلسطين أكثر من التصاق الآباء والأجداد بها رغم الغياب القسري عن أرض الوطن في دياسبورا المنافي والشتات.

لقد قَدم فلسطينيو سوريا بعض الإنصاف للشهيد سرور برهم الشهيد الفلسطيني، الفدائي الاستشهادي الأول في مسيرة الكفاح الفلسطيني المعاصر، كما قدموا بعضًا من الإنصاف لذكرى من سقط من الشهداء قبل وأثناء نكبة العام 1948، فخلدوا ذكراهم بالوفاء لهم وبتسمية حاراتهم وشوارعهم بأسمائهم، كشارع الشهيد سرور برهم في مخيم اليرموك، الذي امتلأ قبل أيام بعبارات وطنية كان منها العبارات التالية: "القدس عندي مثل دمشق، شمس واحدة للشرق والغرب، لا هانت عندي فلسطين في الأقصى، ولا هانت عليَّ سوريا كي أنسى، كلاهما نبض في القلب لا فرق". وعلى جدران آخر: "لو علمتم أن الحرية تبكي.. فاعلموا أن الفلسطيني غادر المكان".

أخيرًا، المسلسل الأردني (بوابة القدس) عملٌ درامي حقيقي، جريء، ويحمل نفحات وطنية عالية، وقد أسس حبكته الروائية على وقائع حية، فاستعار التجربة التاريخية القريبة، فنجح في إعادة إحيائها ليس كترف، وليس كنوع من العودة للماضي والتغني به، إنما أعاد إحياءها في سياقات لها علاقة بمشروع وطني وكفاحي ما زالت نيرانه مشتعلة ومتقدة في الصراع مع المشروع التوسعي الكولونيالي الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين العربية.

19-11-2012 6:26 PM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013