جديد الموقع
تراثنا الشعبي

سعيد بلال (1349-1426هـ، 1930-2005م)

25-8-2007 3:57 AM

حسني أدهم جرار

تقديم:

الشيخ سعيد بلال .. داعية مجاهد .. وأديب شاعر .. ومرب فاضل .. من نشطاء الحركة الإسلامية في فلسطين .. كان له دور كبير في تربية الشباب على الإسلام، وإعدادهم للدفاع عن وطنهم، والعمل على استرداد ما اغتصب منه ..

وقد عرف الشيخ سعيد بمواقفه الوطنية وعمله الدؤوب على وأد الفتنة بين الفلسطينيين، التي يخطط لها الاحتلال وعملاؤه.

حياته:

ولد الشيخ سعيد أحمد بلال، في قرية طلوزة /نابلس عام 1930م. وتلقى تعليمه في مدرسة طوباس حتى الصف السابع الابتدائي، وهو خاتمة صفوفها في ذلك الوقت .. ثم التحق بالمعهد الثقافي في مدينة نابلس وحصل على شهادة المحاسبة والعلوم المصرفية .. وعمل مدرساً في مدرسة ياصيد / نابلس .. وبعد عامين ترك الوظيفة وارتحل إلى بغداد، وعمل موظفاً في الشركات العاملة فيهان واستقر به المقام في مدينة سامراء شمال بغداد مع شركة ألمانية .. وفي سامراء تعرف على دعوة الحركة الإسلامية، حيث وجد بها رجالاً لم يكن يتصور أن في هذه الدنيا نماذج بشرية بهذا المستوى من الخلق والوعي والإخلاص .. ووجد نفسه واحداً منهم .. ومن هنا كان اهتمامه بالعلوم الشرعية .. فتتلمذ على أيدي كرام الأساتذة في سامراء وبغداد حيث العالم الجليل محمد محمود الصواف، والأستاذ المربي الدكتور عبد الكريم زيدان، والشيخ نعمان السامرائي وغيرهم .. ومكث هناك حتى عام 1956م، ثم عاد إلى وطنه فلسطين والتحق بالحركة الإسلامية في الأردن. وأقام فترة في مدينة جنين أنشأ فيها مكتباً للتدريب على الآلة الكاتبة (الطباعة). ثم انتقل إلى مدينة نابلس، وأنشأ مكتبة صغيرة في خان التجار لبيع الكتاب الإسلامي .. وعمل موظفاً، إماماً وخطيباً لمسجد التينة في البلدة القديمة، ثم عمل في وزارة الأوقاف الإسلامية مفتشاً عاماً للمساجد في منطقة نابلس .. وتدرج في عمله حتى أصبح مديراً عاماً لوزارة الأوقاف في الضفة الغربية .. وفي عام 1999م أحيل إلى التقاعد ..

لقد عرفت الشيخ سعيد منذ جاء إلى جنين عام 1956م .. ومع أنني ذهبت إلى الطائف في أواخر عام 1957 للعمل فيها مدرساً، إلا أنني كنت أزوره في نابلس كلما ذهبت إليها في إجازاتي الصيفية. وبعد عودتي من الدوحة إلى عمان، كنت كلما ذهبت إلى لزيارة الأهل في جنين، أقوم بزيارته في نابلس .. وكانت آخر زيارة لي في صيف عام 1995، حيث زرته في مكتبه في وزارة الأوقاف عندما مديراً عاماً .. وكانت لفتة كريمة منه عندما اتصل بإخوة كرام لم أشاهدهم منذ سنوات طوال، وأخبرهم الحبيب صبحي العنبتاوي .. وفي مساء ذلك اليوم وقبل عودتي إلى جنين زرته في بيته، وأخبرني أن السلطات الإسرائيلية أنذرته بهدم البيت .. وقد استمر التواصل بيني وبينه إلى آخر زيارة قام بها إلى عمان.

صفاته ونشاطه:

كان الشيخ سعيد يتمتع بصفات كريمة محببة إلى الشباب، لما لها من تأثير كبير في نفوسهم، وخاصة الذين تعاملوا معه تأثروا به، فقد كان في حديثه معهم رشيق الأسلوب، مؤثراً وجذاباً .. كان يدعو الشباب إلى الإسلام، وإلى الدفاع عن الوطن .. ويربي أسرته على الإسلام، ويغرس حب الوطن في قلوب أبنائه، ويحضهم بأقواله وأفعاله .. ومن المفيد هنا أن ندون قصته مع أحد الشباب الذين تأثروا به .. ففي مقابلة مع الشيخ حامد البيتاوي روى لي مجموعة من صفات الشيخ سعيد، ومدى تأثره بهذه الصفات فقال[1]:

"الشيخ سعيد داعية عنده بعد نظر وقدرة على حسن التخطيط للمستقبل .. كان يقوم بجولات دعوية في قرى نابلس، يلقي خلالها مواعد في المساجد، ويتعرف على الناس وبخاصة الشباب منهم .. وكان أول لقاء لي به في أوائل الستينات، عندما كنت في الصف الثالث الإعدادي .. وفي ذات يوم ألقى موعظة في مسجد "بيتا"، وبعد الموعظة بادر بالتعرف علي، وطرح فكرة التواصل في نابلس في دار الحركة الإسلامية، ولم أكن سابقاً أسمع بهذا الاسم فلم أذهب إليهم ..

وفي بداية العام الدراسي الجديد انتقلت إلى نابلس للبدء بالدراسة الثانوية .. وأبدى الشيخ سعيد اهتماماً بالاتصال بي، فاعتذرت عن زيارته في بيته أو في دار الحركة الإسلامية،ولم أذهب لزيارته .. وبعد سنة- أي في سنة 62/1963م- عاود الشيخ سعيد الاتصال بي، والتقيت به في دار الحركة الإسلامية.. ومع الأيام توثقت صلتي به وبالحركة الإسلامية..

ولما أنهيت الدراسة الثانوية، أشار الشيخ سعيد علي بدراسة الشريعة، فدرستها في الجامعة الأردنية، وتخرجت فيها عام 1968م، وعدت إلى نابلس .. وتواصل اللقاء، وحرص الشيخ سعيد على توجيهي للعمل في المحاكم الشرعية، من خلال الشيخ جمعة السلوادي قاضي نابلس الشرعي.. وبتوفيق الله تعالى عملت في المحاكم الشرعية الفلسطينية إلى أو وصلت إلى أعلى مراتب القضاء الشرعي في فلسطين .. وهذه ثمرة من ثمار الشيخ سعيد ومؤشر من مؤشرات بعد النظر والتخطيط للمستقبل عنده ..

كان يرحمه الله يحرص على صناعة قادة للمستقبل .. فكان يصطحبني ويصطحب غيري في جولاته في فلسطين، ويعرفنا بأهم رجالات فلسطين من شتى الاتجاهات .. وهذا كان له أثر اجتماعي فيما بعد.

ومن أبرز صفات الشيخ سعيد التي ذكرها الشيخ حامد، ووافقه فيها كثيرون منهم الدكتور حسام عبد الهادي والشيخ نظمي حجة، وأثنوا عليها جميعاً، وقالوا إنها كان لها أثراً واضح

في نشاطه:

امتاز الشيخ سعيد بالحلم، وبعد النظر، وحصافة الرأي، والقدرة على التحمل، والذكاء، والحنكة السياسية، فكان حريصاً على مد الجسور مع المخالفين للإخوان .. ومن أمثلة ذلك حفل المولد النبوي الذي أقامه المجلس البلدي في نابلس في السبعينات .. والذي تم بمشاركة جماهيرية من الضفة الغربية والقطاع، وتحول على حفل للحركة الإسلامية ..

وكان الشيخ سعيد على علاقة مميزة مع الرئيس ياسر عرفات منذ بدايات الثورة الفلسطينية، واستمرت حتى وفاته رغم ما شاب العلاقات من توترات.

وكان يمتاز بالبساطة والكرم، رغم ضيق الحال، فكان بيته مأوى للضيوف من شباب الحركة الإسلامية وغيرهم، وكان شعاره: (لا تبخل بالموجود، ولا نتكلف المفقود).. ويكاد الشيخ حامد يجزم بأنه غالباً ما كان يشاركه ضيف أو أكثر في وجبة غدائه .. ويقول الشيخ نظمي حجة: كنا شباباً في دعوة الإخوان، فلقينا من أهلنا العنت والحرمان من المال .. فكنت إذا احتجت إلى النقود اذهب إليه في مكتبته وأطلب منه مصروفاً، فيفتح محفظته ويقسم ما فيها مناصفة بيني وبينه .. وهذا مع قلة راتبه الشهري.

وكان رحمه الله رجل إصلاح، يعمل على حقن الدماء على مستوى الأفراد والعشائر والتنظيمات .. فعندما كانت تحدث مشاجرات طلابية بين الحركة الإسلامية والتنظيمات الأخرى، كنا نذهب إلى الجامعات وإلى غزة للقاء وجوه الحركة الإسلامية، ونعمل على إطفاء نار الفتنة وإصلاح ذات البين مع هذه التنظيمات.

والشيخ سعيد داعية ومجاهد، كان له دور في نشر الدعوة في فلسطين، وبخاصة في منطقة نابلس وجنين، وكان أحد القلائل البارزين الذين جهروا بدعوة الحركة الإسلامية.. وهو أحد أركان الصحوة الإسلامية في فلسطين، وذلك من خلال مركزه كمسؤول في الحركة الإسلامية، ومن خلال خطبه ودروسه، ونشاطه في الندوات والأعراس الإسلامية التي كان يحضرها الآلاف.

رغم تحصيله العلمي المتواضع، كان له دور في نشر الثقافة الإسلامية، والكتب الإسلامية وبخاصة الحركية منها، والأشرطة والمحاضرات، والأناشيد الإسلامية، والجلباب الإسلامي، وقد كانت زوجته (أم بكر) من أوائل من لبس الجلباب في نابلس- وكان كل ذلك من خلال مكتبته في خان التجار. وقد سببت له المكتبة خسارة مالية، ومشكلات أمنية في كثير من الأحيان. فكثيراً ما كان يستدعى من قبل الحكام العسكريين والمخابرات ويتعرض للتهديد .. وأحياناً للاعتقال كما حدث في عام 1985م، فقد اعتقل مدة (68يوماً) تعرض خلالها للتحقيق عشر ساعات يومياً. وحكم عليه بالإقامة الجبرية لأكثر من مرة.

ولما كانت الحركة الإسلامية في المنطقة المحتلة عام 1948م، نتاج مجموعة من الدعاة .. كان الشيخ سعيد من أوائل الذين سارعوا بالاتصال بأبناء هذه المنطقة، هو والشيخ محمد فؤاد أبو زيد، والشيخ حامد البيتاوي، والأستاذ ناجي صبحة، والشيخ أحمد الحاج علي، فكان لهم دور كبير في نشر فكر الحركة الإسلامية فيها.

وكان إلى جانبهم عدد آخر من الدعاة الكرام يقومون بواجب الدعوة في تلك المنطقة وفي غيرها ، في مقدمتهم الشيخ محمد أبو سردانة، والشيخ مشهور الضامن، والحاج صبحي العنبتاوي، والأستاذ نبيل بشتاوي ومجموعة من أبناء قطاع غزة وغيرهم من المناطق الأخرى.

وأخيراً فقد كان الشيخ سعيد رمزاً من رموز الصمود في أرض فلسطين .. وكان له دور كبير في تربية جيل من الشباب، الذين غرس في قلوبهم حب الوطن ..

ولما فكر شباب الحركة الإسلامية بالجهاد في فلسطين في أوج انطلاق الحركات الوطنية .. كان له رأي آخر فيه الكثير من بعد النظر .. ملخصه أن الإعداد العسكري يجب أن يسبقه طول إعداد تربوي.

ومن النشاط المبرر الذي يسجل للشيخ سعيد اهتمامه بتربية أسرته، ومن ذلك انعكاس فكره على أبنائه الخمسة الذين التحقوا جميعاً بالعمل الجهادي .. وسوف نتحدث عن جهادهم وثباتهم واعتقالهم، وعن صبر والدهم والسماح له بزيارتهم في السجن مرة واحدة فقط .. وما كان لتلك الزيارة من أثر على صحته بعد عودته إلى نابلس، فهناك شبهة بأنه تعرض للتسمم بطريقة ما .. وسيكون هذا الحديث في نهاية البحث إن شاء الله.

وفاته وتشييعه:

كان الشيخ سعيد يأتي أحياناً إلى عمان للعلاج، وكنت أزوره كلما علمت بوجوده .. وكانت آخر زيارة له في أوائل شهر رمضان المبارك عام 1926هـ، وقد اتصل بي وأخبرني أنه قدم من نابلس لحضور العزاء بمناسبة وفاة ابن عمه، ولإجراء بعض الفحوصات .. وذهبت إليهم معزياً في الزرقاء، وكنت على نية سفر إلى الدوحة في تلك الأيام .. ووجدتها فرصة لدعوته عندي مع بعض الإخوة والأصحاب في تلك الليلة المباركة .. فأصر على التأجيل إلى ما بعد عودتي من السفر .. وفي ليلة سفري اتصل بي هاتفياً وأخبرني أنه دخل المستشفى وأجريت له عملية وهو بخير والحمد لله .. فقمت بزيارته في المستشفى فوجدته بحالة حسنة وبعد زيارة قصيرة، ودعته في حجرته، فأصر على الخروج معي إلى المصعد، وقال: بعد عودتك من السفر سنجلس جلسة طويلة إن شاء الله .. وواصل الحديث طويلاً، وأحسست بأنه كان يشعر بأن هذا اللقاء ربما يكون اللقاء الأخير ..

وسافرت مدة أسبوع، ثم عدت إلى عمان لأجد أمامي خبر وفاة الشيخ سعيد .. يرحمه الله .. ففي يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان المبارك 1426هـ الموافق 19/10/2005م، أعيد الشيخ إلى المستشفى وانتقل إلى رحمة الله ..

وقامت الحركة الإسلامية في الأردن بنعيه، ومما قالته عنه:

"الشيخ سعيد هو أحد رجالات الحركة الإسلامية في فلسطين .. وكان من الأوائل الذين تولوا نشر فكر الجماعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م".

وأقامت جماعة الحركة الإسلامية في مقرها العام في عمان مأدبة إفطار لأسرة وأقارب الشيخ الداعية سعيد بلال .. وفي صباح يوم الجمعة 18 رمضان 1426هـ شارك عدد كبير من قادة الحركة الإسلامية إلى جانب عدد كبير من المواطنين في الموكب الذي أوصل جثمان الشيخ إلى الجسر في طريق عودته إلى فلسطين[2].

وفي مقابلة مع السيد / حكم الكيلاني- الذي رافق جثمان الشيخ سعيد من الجسر إلى نابلس – ذكر لي مشاهداته فقال[3]: بعد الانتهاء من إجراءات الحدود- التي استغرقت فترة زمنية ليست قليلة – انطلقت بنا السيارة نحو مدينة نابلس .. وفي الطريق وجدنا أعداداً كبيرة من أهالي المنطقة في انتظارنا، وما أن وصلنا مشارف المدينة حتى وجدنا جماهير غفيرة تملأ الشوارع والساحات المحيطة بها .. ولما توقفت السيارة قام الشباب بحمل نعش الفقيد على الأكتاف، وطافوا به شوارع المدينة، وهم يهللون ويكبرون ويدعون للشهيد بالرحمة والقبول، وعلو المنزلة في الجنة .. ثم توجهوا إلى الجامع الكبير في شرق نابلس، وكانت جماهير المصلين تملأ المسجد والشوارع والساحات المحيطة به .. وكانت خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ حامد البيتاوي، الذي استعرض فيها سيرة الشيخ سعيد، ونشاطه وجهاده ..

وبعد الصلاة كانت فصائل الحركات الإسلامية تملأ الشوارع، فحملت النعش واتجهت به إلى المقبرة الشرقية التي تقع شرق جامع الحاج نمر، ودفن الفقيد بجوار قبر الشهيد جمال منصور .. وبعد إلقاء كلمات التأبين من الحضور، وبالهاتف من عدة بلدان، توجهت الجماهير إلى بيت العزاء وشارك في العزاء أهالي مدينة نابلس، ووفود كثيرة من المدن والقرى، ومؤسسات السلطة وجميع الفصائل والجامعات.

شعره:

سعيد بلال شاعر إسلامي، بدأ يقرض الشعر في الخمسينات من القرن الماضي، ويلقيه في مناسبات دينية ووطنية، وفي الاحتفالات والمهرجانات التي تقيمها الحركة الإسلامية في نابلس ومنطقتها ..

نظم شعره في عدد من المجالات .. نظمه في المناسبات الإسلامية، وفي تربية أسرته على الإسلام، ونظمه في الدفاع عن أرض فلسطين التي اغتصبها العدو الصهيوني، ونظمه في الحض على الجهاد والثبات في أرض الوطن .. ورسم في شعره صورة صادقة لحياة أبناء فلسطين الذي وقفوا في وجه المحتل الغاصب، وتحملوا الأذى والاعتقال والسجن والتعذيب .. وفيما يلي مقتطفات من قصائده:

هذا الشاعر المعتز بإسلامه المحب لوطنه، وحب الوطن من الإيمان، نظم قصيدة بعنوان "أنا مسلم"، وألقاها في جامعة النجاح بنابلس في أيلول 2002م ..

نظم قصيدة حبك أبياتها من الواقع اليومي لحياة شعب فلسطين في ظل الاحتلال، الذي يعتقل الشباب، ويهدم البيوت، ويصادر الأرض، ويخلع الأشجار، ويجرف التربة، ويتلف المزروعات ..

وشاعرنا في هذه القصيدة يحض أبناء شعبه على الصبر، والمرابطة في أرض الآباء والأجداد .. ويدعو إلى القوة والإعداد، والتربية في المساجد، والانطلاق بعزم وثبات لتحرير الديار، فما أحلى النصر بعد الهزيمة .. يقول فيها[4]:

أنا مسلم متمسك بكتابي

وأنا الذي نهب العدو ترابي

لم لا يحقّ بأن أقول كفاكم

نهباً لأرضي واعتقال شبابي

لم لا أقاوم ظالمي بضراوة

حتى وإن زاد اللئيم عذابي

حقلاً ورثت وعشت فيه طفولتي

وضعوا عليه يداً فطار صوابي

خلعوا شجيراتي أمام نواظري

لم يكفهم قهري عن استجوابي

قد أرهبونا .. قتّلوا أطفالنا

من غير ما سبب من الأسباب

قد جرموني في قضاء جائر

بل قرروا قبل السؤال عقابي

قالوا لمن هذه الديار .. فقلت لي

قالوا .. فأنت المسلم الإرهابي

أنعِمْ بأشرف تهمة نسبت لنا

هي آية مكنونة بكتاب

فلترهب الأعداء شدة عزمنا

من عسكر الطاغوت والأذناب

في سورة الأنفال أوضح آية

لنعد قوتنا وكل ركاب

فيها سلام حافظ لحقوقنا

إذ كل شيء عندنا بحساب

إن يسأل الباغي متى يوم اللقا

في سورة الإسراء خير جواب

وبآل عمران العظيمة آية

هي مرجع للمسلم الأواب

اصبر وصابر ثم رابط واتق

يكن الفلاح مريناً بثواب

وبعد أن يتحدث شاعرنا عن المزيفين المتاجرين بالقضية، الذين انحرفوا بها عن النهج الرباني .. يدعو أبناء أمته إلى عدم اليأس، فالنصر قادم إن شاء الله، فيقول:

لا تيأسوا إن جاء فجر كاذب

فالماء يسبق تارة بسراب

والنصر يحلو بعد مر هزيمة

فلننطلق من جانب المحراب

ولشاعرنا قصيدة بعنوان "مذبحة الحرم الإبراهيمي" كان قد نظمها عندما حدثت المذبحة في مدينة الخليل، وذبح فيها 41 شهيداً من المصلين في ليلة الجمعة ليلة النصف من رمضان في صلاة الفجر .. وألقاها في ذكرى هذه الكارثة في رمضان سنة 1995م، وقال فيها[5]:

قالوا لجين الدمع وهو عقيق

وعليّ يُغمى تارة وأفيق

كل الأنام تضيق في أحزانها

إلا أنا فالحزن فيّ يضيق

كل الطيور تبيت في أكنانها

أما أنا فنصيبي التعليق

ودماؤنا مهدورة في موطني

وبمركبي وسط البحور غريق

يا أمة الإسلام أين سلاحكم

قد قطعت أوتارنا وعروق

هل بعتم مسرى النبي صراحة

إن كان نوم مخدّرين أفيقوا

وله قصيدة نظمها في ذكرى حرب حزيران واجتياح القدس، قال فيها:

هذا حزيران المآسي قد دنا

ليعيد ذكرى نكبة حلّت بنا

ذكرى سقوط القدس أقدس بيعة

معراج أحمد للأعالي من هنا

من ساحة الأقصى الأسير براقة

بلغ السماوات العلى بلغ المنى

الله بارك قدسنا بكتابه

وتباركت من حوله أرض لنا

أشهدت يا شهر المآسي نكبة

أو نكسة حلت بفعل حروبنا

ولما قام الجيش الإسرائيلي في الشهر التاسع والعاشر من عام 2004 باجتياح قطاع غزة نظم الشيخ سعيد قصيدة بعنوان "اجتياح غاشم لغزة هاشم" حيا فيها آساد غزة وأشبالها الذين ثبتوا في الدفاع عن بلدهم، ووثبوا على الغزاة وردوهم على أعقابهم .. وقال في قصيدته:

هذا لعمرك عام فيه تنكيد

سبع عجاف مضت قتلٌ وتشريد

في كل عام لنا في القدس مجزرة

يراد للناس إذلالٌ وتعبيد

أما الجهاد ففرض نحن نعرفه

والحرب نتقنه طعن وتشريد

كالصوم يعقبه عيد بلا فرح

والنصر نرقبه أنعم به عيد

آساد غزة والأشبال قد وثبوا

نحو الجنود وللجولات تجديد

أما (الأباتشي) أذل الله قائدها

طارت صواريخه في الجو تبديد

فهو الجبان بما يلقيه من حمم

فوق الصغار وأشياخ مقاعيد

قتل الطفولة من وحش بطائرة

هو ابن أفعى وقل إن شئت عربيد

إن راعه الشبل في الميدان فر إلى

دبابة يختفي فيها الرعاديد

جيش الدفاع عرفنا سر قوته

أن لا يواجه في الساحات صنديد

شعب البطولة يا شعبي بني وطني

أنتم حماة الحمى بل أنتم الصيد

ولما أقيم حفل تأبين للداعية الإسلامي المجاهد الأستاذ ناجي صبحة في حرم جامعة النجاح الوطنية بنابلس في 27/7/2004م، شارك الشيخ سعيد بقصيدة رثاء لصديقه ورفيق دربه الأستاذ المربي (أبو أسامة) بعنوان في رثاء الداعية المربي ناجي صبحة، قال فيها:

بكيتك يا أخي ورفيق دربي

لنصف القرن في ود وحب

فهل يرضيك أن أبقى وحيداً

ولا أجد الحبيب أخي لجنبي

إذا اشتد البلاء دعوت ناجي

ليسعفنا برأي دون عيب

بحكمة شيخنا الناجي نجونا

وأشواك أزلناها وربي

وآمال لأمتنا صنعنا

سلكنا للمكارم كل درب

صحبتك داعياً تدعو لحكم

بشرع الله مبتهلاً لربي

لتبقى راية الإسلام تعلو

على الرايات من عجم وعرب

وفي أيلول من عام 2002م سأله أحد الوزراء الفلسطينيين فقال:

لماذا لا تشاركون في الوزارة وتأخذون حقكم في الاستمتاع بالمال والجاه وخدمة أنفسكم وإخوانكم؟ فكتب قصيدة بعنوان السعادة الحقيقية وضح له فيها معنى السعادة .. وقال فيها:

سئلت هل المنام على الوثير

وشرب الراح مع جمع غفير

ولعب النرد في حمر الليالي

أيسعد في قليل أو كثير

فقلت علام هذا يا صديقي

وما قدمت لليوم الأخير

فما تلك المفاتن لي طريقاً

ولا يرضى بها أبداً ضميري

رغبت العيش في جمع شريف

مع الأبطال في الحي الفقير

مع الشبان آمال كبار

لهم هدف يحقق في النفير

حياتهم جهاد الكفر دوماً

وتضحية الشهيد أو الأسير

وربك ما السعادة في طعام

ولا بالثوب ينسج من حرير

ولا بفنادق لنجوم خمس

ولا بمسابح الماء الوفير

ولا أرضى ثراء من حرام

وما فكرت في عمل حقير

وأقنع في لقيمات حلال

وأرضى بالمنام على الحصير

فإن لعب الهوى يوماً بنفسي

سأزجرها .. ألا يا نفس سيري

فإن رمت السعادة يا رفيقي

عليك بمنهج الله القدير

وللشيخ سعيد ديوان شعر مخطوط جمع فيه عدداً من قصائده، منها قصيدة في رثاء الشيخ أحمد ياسين بعنوان "ما زال فيك بقية"، وقصيدة في رثاء شهداء الحرم الإبراهيمي، وقصيدة في ذكرى غزوة بدر الكبرى، وقصيدة بعنوان "عبر الأثير".

قصائد مختارة من شعره:

القصيدة الأولى: معاناة .. وأمل (1).

القصيدة الثانية: معاناة .. وأمل (2).

القصيدة الثالثة: رسالة .. وجواب.

تقديم:

الشيخ سعيد بلال .. داعية مجاهد، وأب فاضل .. أمضى سنوات عمره في تربية جيل من المجاهدين .. كان يزرع أشجاراً شامخة كقلعة تربض وسط بحر من المحن والآلام .. وينسج مع زوجته الفاضلة "أم بكر" فصول حكاية عائلته الصغيرة بصبرهما وثباتهما على الدرب .. فكانا رمزاً من رموز الصمود في أرض الوطن ..

وهذه القصائد الثلاث التي نقدمها تحكي قصة أسرة فلسطينية مجاهدة معطاءة .. دفعت فاتورة العزة والكرامة عن شعب أعزل لا يملك إلا الإيمان بقضيته العادلة .. أبت هذه الأسرى إلا أن تقدم أبناءها الخمسة أسرى في سبيل الله .. وأهدت الوطن أغلى ما تملك .. صقوراً أبية لا تعرف الانحناء إلا لله .. تلك هي عائلة الشيخ سعيد بلال .. التي رسمت أروع لوحة .. تخايلت في جنباتها ألوان التضحية والكفاح ..

وليس بغريب أن يقدم الشيخ سعيد أبناءه الخمسة .. فهو نفسه تعرض للسجن عام 1980م، وتعرض للعقوبات الصهيونية الحاقدة، كالإقامة الجبرية لفترات طويلة لأنه يربي الأجيال على المقاومة والفداء .. كما تعرضت مكتبة الشيخ للحرق والتدمير، وهذا ليس غريباً على من حرق المسجد الأقصى ومصاحف القرآن الكريم في المساجد.

ولقد تشابكت قصة حياة هذه الأسرة الأدبية، ما بين اعتقال وآخر لأبنائها .. يخرج أحدهم ليدخل الآخر .. وكان الفصل الأول باعتقال الابن عثمان في عام 1993م. وكانت بداية المشوار له ولإخوانه .. وبعد خروجه من السجن تعرض لمحاولة اغتيال في منطقة دوار نابلس، نجا منها بأعجوبة، فكان القدر يخبئ له محنة أعظم .. الحياة خلف قضبان السجون .. وهو يمكث اليوم في سجن عسقلان بعد حكم عليه بالسجين المؤبد، وما زال مثالاً للبذل والعطاء .. وهو الابن البار بأمه الحنون "صانعة الرجال" .. يسطر بأنين قلبه رسائل الشوق والمحبة .. فقد كتب عثمان رسالة إلى والدته بعد أن استمع إلى صوتها الحنون في برنامج "رسائل الأهل إلى المعتقلين" والذي يبث عبر الإذاعة الفلسطينية، فكتب لها بتاريخ 17/10/1998م كلمات يقول فيها:

"إن حقك علي أكبر من كبير .. ولأني أصغر من أوفيك حقك .. أداري عجزي بالكلمات .. وأستر تقصيري بعبارات تمتزج آهات الشوق فتخرج حرى ... من قلب مكلوم .. أعيته آلام البعد وصلته نيران الحنين .. أذكتها دموعك وعبراتك الطاهرة التي طالما ترقرقت على شبك الزيارة البغيض فانسكبت على جراح القلب فأثارتها .. لتستجيش مشاعر ما كان لها أن تهدأ يوماً ..

أمي .. لا أجد أجمل من هذا الاسم أناديك به، ولا أعلم .. ولأنه من المستحيل حقاً أن تترجم كلماتي بعض مشاعري .. أترك قلمي يائساً!! غير أن صوتك الذي سمعته قبل قليل من المذياع .. كان في نبرته ما فضح دمعاً حاولت إخفاءه ..

فاستحثت تلك النبرة قلمي أخط هذه الكلمات علها تسكن وجع القلب .. وما كان ذلك.

أمي .. هذه ضريبة العشق المقدس الذي أرضعتني إياه منذ لحظات عمري الأولى ... هي فاتورة الحب الأبدي الذي غرستيه على طول سنوات عمري .. أن ندفعها بلا دموع .. رائع أن نسمو فوق الجراح نضغط عليها ونبتسم .. عيوننا ترنو إلى الأفق .. ترقب الفجر .. وكلها أمل .. مع خالص الحب .. عثمان.

أما معاذ فهو معتقل في سجن نفحه الصحراوي ومحكوم عليه 26 مرة مؤبد بالإضافة إلى 25 عاماً و24 شهراً، كما جاء في حيثيات الحكم الجائر الذي أصدرته المحكمة العسكرية الصهيونية، وذلك لزرع اليأس في نفس كل من يقاوم المحتل .. ولكن أنى لمن انتهج الإيمان درباً وأنار قلبه أن ييأس .. فرغم الألم والمعاناة يبقى الصمود والثبات ..

وفي رسالة بعثها معاذ لوالدته بعد خروجه من زنازين الجلمة يزين التحري والإصرار كلماته فيقول فيها:

أما إني عائد فترقبي

فالفجر آت لا محالة كالقدر

سيزول ليل الظالمين بأرضنا

ويحل سلم البوادي والحضر

هذا بيان للأنام جميعهم

من عند خالقهم فهل من مدكر

آيات ربي في الكتاب صريحة

النصر وعد والجنان لم صبر

من وحي إيماني أخط رسالتي

فاعقل أخي رسالتي ثم اصطبر

روحي تتوق إليكم أهل الوفا

والروح تأبى أن تذل وتنحصر

إن اللقاء مؤكد لا تيأسوا

واليأس مرتعه وخيم مستطر

كم قد سعدت بذكركم في خلوتي

يا شطر قلبي إنكم أحلى قدر

وأما اعتقال علي الابن الأصغر للشيخ، فقد كان له الأثر الأكبر في زيادة معاناة الأسرة .. إذ لم يشفع له فقدانه للبصر وكونه كفيفاً عند الصهاينة الذين اعتقلوه وأصدروا عليه حكماً بالسجن مدة عشر سنوات .. والتهمة الموجهة إليه أنه أحد صانعي المتفجرات !! وكيف للكفيف أن يصنع المتفجرات ..

اعتقل علي بعد شهر واحد من زواجه .. حيث سعت الأسرة لتزويجه مبكراً عله يجد من يساعده في قضاء حوائجه .. ويزيل عنه هموم الوحدة مع فقدان البصر وغياب الإخوة في السجون .. وهو الآن يصارع الجلاد والمرض في سجن عسقلان حيث يعاني من مرض في المعدة ..

ورابع هؤلاء الصقور هو عمر الذي تعرض للاعتقال في عام 1995م .. وأعيد اعتقاله في عام 2003م .. ليكمل الطريق مع إخوانه خلف القضبان ..

ورغم المعاناة التي فرضها الاحتلال لتضاف إلى مرض الشيخ سعيد بالسرطان، والأم بأمراض القلب .. ووقوع بكر الابن الأكبر للشيخ في الأسر بتاريخ 15/10/2003م بعد أن ذاق عذابات السجون في سنوات سابقة .. وانتظاره حكماً كبيراً ظالماً .. لا يرى الشيخ سعيد في أسرته أمراً غريباً عن شأن الأسر الفلسطينية التي تدفع ضريبة المقاومة ورفض الاحتلال ..

وتبقى عائلة بلال صامدة رغم الأيام العاتية، والليالي الحالكة .. تمتهن فن العطاء .. وتنتظر أن يحين الميعاد لتلاقي الأرواح من جديد .. ويأتي أوان تجتمع فيه القلوب[6]..

ومنذ اعتقال أبناء الشيخ سعيد حرصت سلطات الاحتلال على حرمان والدهم ووالدتهم من رؤيتهم، وأصدرت المحكمة الصهيونية قراراً بمنع والديهم من زيارتهم جميعاً، ولم يسمح لهم بلقاء واحد طوال سنوات اعتقالهم ..

وخلال جلسات محاكمتهم، أظهر الأب والأم رباطة جأش أذهلت الحاضرين في قاعة المحكمة، وقابلت "أم بكر" التي باتت معروفة بـ "أم الأسرى" القاضي الصهيوني عندما قال لها: يجب أن أحرق دمك على أبنائك فهم "مخربون" .. فردت بابتسامة ساخرة وقالت: "هم فداء الوطن". ولم تظهر ضعفاً أمام قاض آخر قال لها عندما نطق بالحكم على الابن الأصغر عبادة: "لا يحق لأم مثلك أن يكون لديها أبناء مثلك يُكفّنونها عند الموت لأنك أنجبت خمسة "إرهابيين"، ودولة إسرائيل ستحرص على حرمانك من رؤيتهم لآخر لحظة في حياتك.

وقد صدرت على أبناء الشيخ سعيد "القساميين الأربعة" معاذ، وعثمان، وبكر، وعبادة، أحكام زادت على (700) عام بتهم تتراوح بين عضوية حركة حماس، وحيازة أسلحة، والتخطيط لعمليات استشهادية، وتنفيذ هجمات مسلحة ضد وقوات الاحتلال .. وكانت سلطات الاحتلال قد أفرجت عن شقيقهم الخامس عمر ..

وقبل وفاة الشيخ سعيد بأشهر قليلة سمحوا له بزيارة أبنائه ورؤيتهم لعدة دقائق .. وفي أجواء مؤثرة، ضم الشيخ أبناءه الأربعة المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى صدره لأول مرة منذ عشر سنوات كان خلالها ممنوعاً هو ووالدتهم من زيارتهم بقرار من سلطات الاحتلال، لتحقق الأمل الذي عاش سنين طويلة ينتظر تحقيقه.

وقد وافقت سلطات الاحتلال على طلب محامي الشيخ، التقاط صورة له مع اثنين من أولاده وهم داخل المعتقل، فيما لم يسمح لوالدتهم بالاقتراب منهم واكتفت برؤيتهم من خلف الشبك والقضبان حيث رد مسؤولوا السجن على طلب المحامي السماح للأم بتقبيل أولادها الذين لم تراهم منذ عشر سنين بالقول:

" إن أمامها أربعة شهور أخرى حتى تبلغ الستين وبعدها ربما يسمح لها بذلك"[7].

ونختِمُ هذه المقدمة بأبيات شعر صادقة تنبض من قلب مفعم بالإيمان يحملها الوالد إلى فلذات كبده .. أبنائه الخمسة، فيقول:

نجم خماسي أضاء بلادي

بسهولها وجبالها والوادي

هذا علي أو عبادة إنه

من أكرم الأشبال والآساد

رغب الرجولة مركباً يعلو به

آماله تسمو إلى استشهاد

عثمان قدوته وقدوة غيره

لا ينحني من سطوة الجلاد

ومعاذ لا يخشى لقاء عدوّه

بل مغرم بالطعن في الأكباد

عمر لعمري قائد لرفاقه

قد ساسهم في حكمة وسداد

ومثابر لا ينثني عن عزمه

وعن الطريق وكثرة الإجهاد

سل في مُجدٍّ وكيف كان صموده

تعرفه من خصم ومن أنداد

لا تعجبوا فأخوهم بكر الذي

جعلوه مسؤولاً عن الإعداد

فأعد جيلاً من شباب محمد

سيواجه الأعداء يوم جهاد

وفي عام 1995 توجه الشيخ سعيد وزوجته "أم بكر" إلى عمان في رحلة علاج .. وكان اثنان من أبنائهما في المعتقل .. وفي فترة العلاج التي قضياها في عمان قامت السلطات الإسرائيلية باقتحام بيتهم في نابلس واعتقلت اثنين آخرين، فصار في المعتقل أربعة من الأبناء .. وبقي الخامس "الضرير" لوحده في البيت .. وكان اليهود قد قرروا هدم البيت ..

ولما عاد الشيخ وزوجته إلى نابلس نظم قصيدة بعنوان: "معاناة .. وأمل (1)"، يخاطب فيها زوجته في بيتهم، ويذكر فيها أحوالهم في الفترة الماضية، والأحوال التي صاروا إليها فيما تبعها من أيام .. ثم قصيدة ثانية بنفس العنوان .. فإلى القصيدتين:

أبيات القصيدة الأولى

معاناة وأمل

 -1-

يا شعر أنت عصارة الوجدان

ورسالة التاريخ للأزمان

وهدية الإنسان من إبداعه

وجمال حكمته إلى الإنسان

يا شعر هل أرخت عن أخبارنا

هلا رسمت بريشة الفنان

صوراً عن الأجرام في حاراتنا

وممارسات الظلم والطغيان

فأجابني الشعر الحزين بلهفة

يا صاح اسمع منطق الخرسان

قد أنطقتهم شدة الظلم الذي

قد جاوز الجلمود بالصوان

ملئت جبال القدس باستيطانهم

لم تنتفع من كثرة التيجان

قد كان فوج واحد يكفي لها

لو كان فوج كتائب الإيمان

ووقفت مشدوهاً وقلبي فارغ

ومشتت الأفكار والأذهان

فالبيت كان يضاء من أبنائه

نعم الشباب الغض كالريحان

ضاقت بهم جنباته في بهجة

والبيت كان كحبة الرمان

والأم تفخر إذ ترى أنجالها

هم خمسة من خيرة الشبان

قل أربع ولهم أُخيٌّ خامس

قد زاد بلوى ضعفه عينان

عالجتها حتى يئست من الشفا

قال الطبيب دعوه للمنان

هو طالب متفوق بذكائه

نال الرضى ومحبة الأقران

قال الفتى دعني أعيش مسالماً

في أسرتي وتلاوة القرآن

حمداً لربي إذ أصبت بناظري

لكن تعويض الإله أتاني

هم قوتي هم عزوتي هم ناظري

هم كل شيء إنهم إخواني

فارقتهم بل أبعدوا في قسوة

والدمع من عيني أحمر قاني

من لي سواهم غير شيخ صابر

والأم عانق حزنها أحزاني

يا لائماً ضعفي وقلة حيلتي

وتدفقاً للدمع من أجفاني

أتلومني بعد الذي عانيته

بمرارة ما كان بالحسبان

رباه خذني فالحياة مريرة

رباه عفوك هدمت أركاني

لا (بكر) يأخذ في يدي إن أظلمت

سبل الحياة ولا (معاذ) رعاني

(عمر) يساق مكبل يا حسرتي

لا أرتجي الإسعاف من (عثمان)

أبتاه هل إن مت أحظى باللقا

من إخوتي في جنة الرضوان

مهلاً بني فهذه أوهامكم

ووساوس توحى من الشيطان

لا تنس أن الله عدل دائم

واهدأ بني فيسرنا رباني

إن ضاقت الدنيا فقل يا خالقي

رحماك يا ذا الجود والإحسان

رزق الإله مقدر لعباده

سبحانك اللهم من نقصان

حاولت عيني أن تجود بدمعة

لكن دمعي في الخطوب عصاني

يا شعر إنك دمعتي في محنتي

وذخيرتي المثلى لدى الأشجان

فلجأت للشعر المرير أصوغه

ألم الشجيّ يصاغ من ألحاني

يا شعر تلك بداية لحكايتي

هلا شهدت بداية الطوفان

قد ضاق بحر الشعر في أحزاننا

فافتح إلى الطوفان بحراً ثان

أبيات القصيدة الثانية

معاناة ... وأمل

-2-

يا أم غفران سوء الحال أعياني

هاتي القراطيس أطليها بأشجان

يمناك تحضن بدراً دونه سحب

سوداء تخفي جمالاً فيك رباني

لا تطرقي هكذا والرأس مسدلة

كفاك صمتاً فقد هيجت أحزاني

يا أخت علان هل أرضعتم لبناً

أم أرضعوا معه آيات قرآن

يا أم أربعة كنا نداعبهم

كانت لنا معهم ساعات رضوان

في كل أمسية كانت سعادتهم

إذ كان مطلبهم ألعاب صبيان

كنا نوفرها إذ كان قيمتها

في سوق حارتنا قرش وقرشان

قد زادني الله من خير ومن نعم

فضل الإله لعمري دائم داني

لكن مهبط وحي الله محتجز

مسرى النبي وأيم الله أبكاني

هذا المكان له قدسية فرضت

فكان من حقدهم حرق بنيران

قد أشعلوا النار في الأقصى وما فتئوا

تخطيطهم دائماً تتبير بنياني

هدم البيوت وقتل في مرابعنا

مستوطن غاصب في أرضنا راني

هذي حقوقي في أرضي قد اغتصبت

يراد مني فوق الأرض فداني

وإن تألمت من أفعالهم غضبت

كل العواصم كل الكفر عاداني

هذي الحقيقة قولي لست مفترياً

هلا يليق بنا أن نكرم الجاني؟!

قال الشباب ألا أماه يا أبتي

لا أرتضي ترفاً فالله ناداني

هيا اتركوني فمر العيش أطيب لي

هل تألمون وعين الله ترعاني ؟!

ومن أراد لقاء الله يتبعني

فقد عرفت طريقي نحو رحمان

هذي الحياة بذلك لا تليق بنا

فالموت أكرم في ساحات ميدان

ربيتماني على حب الجهاد فتى

لما بلغت أشدّي لا تلوماني

وكفكفوا الدمع فالدنيا مطلقتي

وجنة الخلد بعد اليوم عنواني

أنا الشهيد وإن لم ينتهي أجلي

فالسجن والقبر يا أماه صنوان

لست الوحيد فعندي ناصر وكفى

عندي الرجال أسود خلف قضبان

نحن انتصرنا على الدنيا وزينتها

فلا مجال لذل أو لخذلان

كلا بني فلا يأس ولا جزع

فالله يحفظكم يا خير ولدان

لئن تغيب يا أبناء واحدكم

هابين أظهرنا آلاف عثمان

قد غاب يوسف عن يعقوب فانتبهوا

كي لا يكرر مكر القوم من ثان

بئر معطلة ألقوا الغلام بها

وليبك والدهم، تبيض عينان

فالذئب متهم في سوء فعلتهم

دم الأكاذيب مخلوط بقمصان

دار الزمان فصاروا ركعاً لأخ

قالوا تفتت في أمعاء ذؤبان

الغدر طبعهم والذل ديدنهم

سوء تآمرهم في كل أحيان

غيابت الجب ضجت من مكائدهم

وقال يوسف لا تثريب إخواني

يا صبر يعقوب ما زلنا نلوذ به

وصبر يوسف ممزوج بإحسان

مليار عبد ولا ترجى شفاعتهم

قد فرقوهم لغسان وعدنان

عاد التتار وهولاكو يقودهم

أين الجحافل من نجد لعمّان

يا مصر يا شام يا أتراك يا عرب

ندعو لوحدة نيجيري وأفغاني

الغرب فرقنا والحق وحدنا

فالقدس موعدنا في ظل إيمان

أين الخليفة يحيي مجد أمتنا

فيحزم الأمر طاجيك وسوداني

هذي مواعظ إيمان توحدنا

فجددوا العهد يا أبناء قرآن

هذي مواعظ إيمان تثبتنا

فجددوا العزم يا إخوان عثمان

أبيات القصيدة الثالثة:

-3-

معاذ .. ابن الشيخ سعيد بلال، خريج كلية الشريعة من جامعة النجاح الوطنية بنابلس .. محكوم عليه في سجون الاحتلال الصهيوني بالسجن 26 مؤبد + 25 سنة + 24 شهر. هذا الحكم كما صدر من المحكمة العسكرية الصهيونية ..

كتب إلى والده رسالة من سجن عسقلان في ثلاثة أبيات من الشعر، فأجابه شعراً بنفس الوزن والقافية- وذلك بعد الحرمان من زيارته لأربع سنوات- وأرسل القصيدة إلى السجن في الشهر السابع من سنة 2000 ميلادية.

الرسالة

أبتاه نهجك في الحياة حياتي

نهجي بدين الله بالآيات

أبتاه عهدك لا يزال مقدساً

سأظل حراً أو يكون مماتي

القلب يا أبتاه حي نابض

رغم الدموع وشدة الزفرات

وقال بعد الأبيات الثلاثة: وبعد .. فهذه كلمات حرى خرجت من فؤاد اشتعل شوقاً لك والدي وأخي وشيخي وقدوتي .. فحق لمن كان له أب مثلك أن يفخر بأبيه .. فوالله إني لأحبك حباً لا أخال أحداً يحبه إياك قدري ..

ليست مجاملة ابن لأبيه .. ولكنها همسات صدق من شفتي قلبي .. آه يا أبتي الحبيب لكم أتحرق شوقاً للحديث إليك والسماع منك فكم أنا بحاجة إليك أكثر من أي وقت مضى .. وقد أكون أبتاه قد زدت إيلامكم ألماً على ألم عثمان ولكنها ضريبة الجهاد وقدر الله في التمحيص .. والله إني أرى يوم العودة بدت تباشيره تبدو خلف الأفق .. ولتعلمن نبأه بعد حين، مع تحيات ابنكم وتلميذكم البار .. معاذ.

الجواب

نهجي عظيم مثل فرض صلاتي

نهجي بدين الله بالآيات

نهجي على درب النبي وصحبه

سأصونه حتى تذوب وفاتي

عهدي مع الحسنين[8] أقدس بيعة

طوبى لها من دعوة ودعاة

سأظل أعطي ما حييت لدعوتي

روحي وعقلي أطلب الحسنات

عاهدت ماء الرافدين بأنني

مثليهما المعطاء للخيرات

نرجو الثواب من الإله وغيرنا

أموالهم تربو من السرقات

حوباً كبيراً يملؤون بطونهم

لا يتقون الله في الشهوات

تلك المكاسب زائلات كلها

مال اليتامى مفسد الغايات

يا أهل سامراء[9] أين صفاؤكم

بل أين دمع العين في الصلوات

غسلوا قلوبهم بفيض دموعهم

زلفى إلى الرحمن في الظلمات

كانت دموع الساجدين لربهم

تحيي القلوب وتمسح الزلات

كان التراحم والمودة بيننا

وكأننا جسد وحيد الذات

إن شيك منه خلية مرضت لها

كل الخلايا تصدر الآهات

وتهب مسرعة لنجدة أختها

لا تخش من ظلم وجيش عداة

غادرت بغداد الأحبة راغباً

لأعيش في بلدي وفي حاراتي

وسألت في عمان أين أحبتي

فوجدت ينبوعاً بأرض فلاة

فجماعة الإخوان هذي دارهم

هذي بيارقهم على الشرفات

كانوا رجالاً كنت فرداً منهم

كنا نحس الحب في النظرات

رحماء فيما بيننا لكننا

كنا شداداً للكفور العاتي

الرعب مقذوف بقلب عدونا

مع قلة التعداد والآلات

لكن إخلاصاً تجرد أهله

وتجملوا بأخوة وثبات

المؤمنون الصابرون على الأذى

والقائمون بأكرم الدعوات

هي دعوة الإخوان قد نادى بها

(حسن البناء) بجمعه اللبنات

كتبوا رسائله بدمع عيونهم

أقلامهم عزت على الكلمات

الله غايتنا وهل من قدوة

غير الرسول الرحمة المهداة ؟!

دستورنا القرآن يحكم أمة

بالعدل لا ظلماً ووأد بنات

أما الجهاد سبيلنا للفوز في

عدل يفند شرعة الغابات

هدف لحسنى آملين بلوغه

أو بالشهادة نبلغ الجنات

هذي مبادئنا عليها عهدنا

والناس بين تثاؤب وسبات

طول الطريق أكل بعض شبابنا

فتوزعت أهدافهم لشتات

قلنا لهم مهلاً ولا تتعجلوا

وترقبوا إشعاع فجر آت

لسنا فصيلاً مثلما رغبوا لنا

أو هيئة تدعى مع الهيئات

ما نحن إلا نبتة شرعية

نرضي الإله ونرفع الهامات

والنبت يسمو للعلا بفروعه

بلغ السماء ورتل الآيات

كلا ورب البيت لا نرضى سوى

نهج الجماعة مصدر الرحمات

نهج الأئمة واضح ومدوّن

قد سطروه بأوضح الصفحات

هي صبغة الرحمن عدل كامل

وردت مع الإنجيل والتوراة

عاش النصارى واليهود بأرضنا

براً وقسطاً دونما ثغرات

حكموا فساد ... فسادهم في موطني

فتخيروا التقتيل والثروات

وتغطرسوا وتآمروا كي يطمسوا

اسماً وأعلاماً لخير هداة

واسم الجماعة قائم لا يختفي

وبحفظه فيض من البركات

واعلم بأن الله بالغ أمره

لا بد للفرسان من كبوات

لكن صبر العارفين بربهم

يسعفهم بعد الأذى بنجاة

فاصبر لعل الله يجعل مخرجاً

وادعو الإله يفرج الكربات

والصبر مرٌّ يا بني مذاقه

لكنه من أعظم القربات

عند الإله ثوابه يجزى به

وفوق الذي يجزى على الطاعات

وارجع لسورة يوسف الصديق

في آيات سورته كثير عظات

فالسجن كان طريقه لكرامة

ما كان يبلغها بلا عقبات

يا فلذة من كبد شيخ صابر

وأميمة صنو الصحابيات

هذا أبوك مصابه مثل الذي

لاقاه يعقوب من المحنات

لله يشكو ما اعتراه من النوى

ومع الأحبة دائم البسمات

ولداه غابا فاستدار لربه

يشكو يبث الحزن في الخلوات

يعقوب كان بصبره متفائلاً

فاستبدل المحنات بالمنحات

أعظم بها من محنة يعلو بها

الصبار عند الله في الدرجات

وأرى بعين بصيرتي قرب اللقا

لا أدعي علماً لغيبيات

لا تعجبوا إن قلت أقسم أنني

أشتم ريحكما مع النسمات

فأقول يا رباه عجل في اللقا

نصفي سجين يصدر الأنات

أما بقاياي التي هي حرة

فالأمن يمنعها من الحركات

ولنا التجول في حدود مدينة

وعلى حواجزها نرى الويلات

نصف وراء الشمس يجتر الأسى

ونظيره يتجرع الحسرات

وشعارنا القرآن فاستمسك به

نستبدل الحسرات بالفرحات

المصادر والمراجع

1- جريدة السبيل- العدد 614، في 18/10/2005م.

2- جريدة السبيل- العدد 615، في 25/10/2005م.

3- مجلة نفحة- العدد الثاني، إصدار جمعية أنصار السجين في فلسطين.

4- مقابلة مع الشيخ حامد البيتاوي في عمان بتاريخ 20/2/2007م.

5- مقابلة مع السيد حكم الكيلاني في عمان في أوائل الشهر الثاني 2007م.

6- الشيخ نظمي حجة: كلمة بعنوان "دمعة وداع" في 21/10/2005م.

7- ديوان للشاعر مخطوط. 

ــــــــــــــ
* من كتاب أدباء من جبل النار

[1] ) مقابلة مع الشيخ حامد البتاوي في عمان بتاريخ 20/2/2007.

[2] ) السبيل- العدد 615 في 25/10/2005م.

[3] ) مقابلة مع السيد / حكم الكيلاني في عمان في أوائل الشهر الثاني 2007م.

[4] ) ديوان للشاعر مخطوط.

[5] ) ديوان للشاعر مخطوط.

[6] ) مجلة نفحة- جمعية أنصار السجين- العدد الثاني، ص 70-72.

[7] ) السبيل- العدد 614، في 18 تشرين أول 2005.

[8] ) الإمام الشهيد حسن البنا والإمام حسن الهضيبي.

[9] ) تعرفت على دعوة الإخوان في سامراء وعشت معهم ثلاث سنوات هي أجمل أيام عمري.

25-8-2007 3:57 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
9/18/2007 6:25:41 AM
براق الثنايا
رحمك الل يا أبا بكر
لقد كنت لي كل شيء أسئل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا سويا في جنات النعيم

9/12/2007 12:13:13 PM
رضا الكيلاني
رحمك الله يا شيخ سعيد
لقد عرفت الشيخ رحمه الله عن فرب عرفت منه معنى الاخلاص لله وللدين وللوطن عرفت منه الثبات على المواقف وعدم التنازل عن المبادىء لذلك كان له الفضل بعد الله عزوجل واخوانه في عودة الاسلام الى فلسطين رحمك الله رحمة واسعة فهكذا الرجال عاش ومات من اجل الله نسال اللهه ان يجمهنا به في عليين امين

8/27/2007 9:01:30 AM
abeer
بهم نحرر الأقصى
رحمك الله أيها الشيخ البطل يا أبو الأبطال .. صنعت رجالا سيملؤون الارض حبا وحرية وسلاما ونصرا حقيقيا .. سيحررون الارض من يد الاغتصاب .. كل فلسطين من بحرها إلى نهرها .. هم الابطال الحقيقيون مع إخوانهم الأسرى الأخرين والمجاهدين الماسكين ببندقيتهم ، المتمسكون بالجهاد والرافضين للخنوع والاستسلام .. وبارك الله في أم بكر مجاهدة صابرة بكل عزيمة وإصرار .. وفرج الله قادم

8/27/2007 8:37:12 AM
أبو الوليد
المغرب
هو بطل من ابطال فلسطين هو وزوجته المجاهدة الصابرة واولاده العمالقة ، بمثل هؤلاء وهؤلاء فقط تتحرر فلسطين وتعود الكرامة ، ونهزم اعداء الله في الأرض ، رحم الله الشيخ المجاهد وحماس لا تنسى رجالها في المعتقلات ستخرجهم جميعا رغم الصهاينة وعملائهم من ابناء شعبنا ، والمتصهينين الحاكمين للضفة الغربية ، وسيأتي اليوم الذي يحكم فيه أبطالنا المعتقلين والمجاهدين كل فلسطين ، والصبر مفتاح الفرج ، رحم الله الشيخ سعيد وصبر زوجته وفرج عن أولاده الأبطال .
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013