جديد الموقع
تراثنا الشعبي

يوسف ضياء باشا الخالدي أول من فاوض تيوثودر هرتزل!.. وأول من مثّل فلسطين في البرلمان العثماني..

21-2-2008 1:57 AM

1842- 1906

أحمد مروات*

رئيس بلدية القدس ونائبها في مجلس المبعوثان الأول 1877. سياسي قدير وخطيب جريء ناصر الإصلاح والدستور وعارض السياسة الحميدية. كاتبا مثقفا منفتحا على الحضارة الأوروبية، تنبه إلى أخطار الحركة الصهيونية، وكتب في ذلك إلى زعمائها وعلى رأسهم هرتسل. وبالجملة فهو أحد أبرز الأعلام الفلسطينية الأفذاذ في تاريخ فلسطين في العهد العثماني.

هو يوسف ضياء الدين بن محمد علي قاضي مرعش وأرضروم ، وحفيد موسى الخالدي قاضي الأناضول من ناحية الأم. طلب العلم صغيرا في جوار الأقصى وأراد إتمامه في الأزهر ولكن والده رتب له عن طريق مطران الكنيسة الإنجيلية في القدس أن يدرس في الكلية البروتستانتية في مالطا، فبقي مدة سنتين حتى تدخل أخوه الأكبر ياسين ونقله إلى الأستانة لدراسة الطب. ولكنها لم تستهوه فتركها بعد سنة واحدة والتحق بكلية روبرت كوليديج الأمريكية للهندسة وقد تأسست سنة 1863، وبقي بها سنة ونصفا ترك الدراسة بعدها بسبب وفاة والده وعاد إلى القدس. وقد شاهد في الأستانة افتتاح المدارس الحديثة ونمو حركة الإصلاح فحاول تطبيق ذلك في القدس. ونجح سنة 1867 - 1868 بمساعدة راشد باشا والي سوريا بإنشاء أول مدرسة رشيدية في القدس بعد جهود كبيرة، ولكن خاب أمله لأنه لم يتعين مديرا للمدرسة التي تسلم زمامها تركي جيء به من اسطنبول.

 وعرض عليه منصب رئيس بلدية القدس فقبله وتقلده مدة ست سنوات، فنفذت في عهده مشاريع عديدة لتطوير المدينة مثل إنشاء الشوارع وإصلاحها وصيانتها، ومد شبكة المجاري وتعبيد طريق صالحة لسير العربات بين القدس ويافا بالتعاون مع متصرف القدس. ولكنه اختلف مع كامل باشا متصرف القدس الجديد، وبتدخُّل من والي سوريا عزل عن منصبه.

في بداية سنة 1874 تعين صديقه راشد باشا من حزب الإصلاح وزيرا للخارجية، فدعاه إلى الأستانة كي يعمل ترجمانا في الباب العالي. وعمل في وظيفته تلك ستة شهور تعين بعدها نائبا للقنصل العثماني في بوتي  الميناء الروسي على البحر الأسود، وعندما أقصي راشد باشا عن وزارة الخارجية خسر الخالدي منصبه ، فأراد أن يتعرف على البلاد الروسية وقام بزيارة طويلة إلى تلك البلاد مرّ خلالها باوديسا وكييف وموسكو ثم بطرسبورغ ومنها في نهاية كانون الثاني 1875م، إلى فيينا حيث كان راشد باشا سفيرا لبلاده، وهناك بمساعدته حصل على وظيفة مدرس اللغة العربية بمدرسة اللغات الشرقية .

وفي تلك الفترة من شبابه أظهر اهتماما بالأمور السياسية وشؤون الطوائف الدينية في القدس، وعلى رأسها الطائفة اليهودية. ففي شهر آب سنة 1875 كتب من فيينا رسالتين عن أوضاع اليهود في القدس نشرتها جريدة الجويش كرونيكال البريطانية يعقب في الأولى على تقارير مراسل الصحيفة عن أوضاع اليهود الصعبة في القدس وكان عددهم آنذاك 15 ألفا ، أما رسالته الثانية فبمناسبة زيارة الصهيوني الثري موزس مونتفيوري إلى فلسطين وفيها ينصحه بمساعدة طائفته عن طريق بناء المدارس، ليتعلموا صنعة مثمرة ولا سيما الزراعة فيعيلون عائلاتهم بشرف بدل انتظار أموال الجباية السنوية وتوزيعها عليهــم "حلوكاه".

في آب 1875 عاد الخالدي إلى القدس لترتيب بعض الأمور العائلية، ولكن إقامته امتدت فتأجلت عودته إلى فيينا واختير مرة أخرى لرئاسة البلدية. وفي بداية سنة 1877 اختاره مجلس إدارة القدس نائبا عن المتصرفية في مجلس المبعوثان العثماني، ونافسه على المنصب عمر فهمي الحسيني ولكنه فاز عليه بنسبة ثمانية إلى أربعة.

عضويته في البرلمان

كان الخالدي النائب الوحيد عن فلسطين في أول برلمان عثماني، وواحدا من أربعة عشر عضوا عربيا من بين أعضائه المائة والعشرين وخلال الدورتين القصيرتين لذلك المجلس في 1877 - 1878 ثبت أنه نشيط ومتحمس لفكرة الدستور والإصلاح، وقد برز في مقاومته ونقده سياسة السلطان عبد الحميد وازدراؤه الدستور. وقد تنبه إلى مواقفه الجريئة مراسلو الصحف فنشروا تصريحاته ونبذا من أقواله في البرلمان، وفي 13 أيار وصفه يوجين شيلر القنصل الأمريكي في العاصمة العثمانية بقوله "أثار يوسف باشا زوبعة في البرلمان بجراءته وفصاحته ولدهشتي أنه يتكلم الانجليزية والفرنسية بطلاقة. يوسف ضياء ليبرالي مثل جمهوري فرنسي في السياسة والدين. ورغم كونه مسلما فإنه اختار العيش داخل دير يوناني. إنه ينتقد السلطان والموظفين الفاسدين والأتراك بشكل عام بألفاظ فظة وليس هذا بغريب فهو عربي والعرب لا يحبون الأتراك !!.


مرسوم تعيين يوسف ضيا الخالدي رئيسا لبلدية القدس 1877

ولكن السلطان عبد الحميد الذي ضاق ذرعا بالبرلمان والدستور ونقد المعارضة لسياسته حل البرلمان في 13 شباط 1878 وبعد يومين في 15 شباط تقرر نفي عشرة أعضاء بارزين من المعارضة على رأسهم يوسف الخالدي وركب أعضاء البرلمان السفينة فارس النمساوية التي غادرت استانبول في  20 شباط.

وصل الخالدي ميناء يافا في 14 آذار ومنها إلى القدس فتسلم رئاسة البلدية مرة أخرى وفي تشرين الأول سنة 1878 أرسله رؤوف باشا على رأس أربعين فارسا لإحلال النظام في الكرك، وكان المتصرف يخطط لإقصائه، وفي خريف سنة 1879 واتته الفرصة لذلك حيث جرت انتخابات لمجالس الإدارة والمحاكم المحلية . فأبعد عن رئاسة البلدية وعين مكانه عمر فهمي الحسيني، فسافر مرة أخرى إلى فيينا حيث صدر له في السنة التالية ديوان لبيد العامري الشاعر المخضرم الذي عمل على جمعه حين درس العربية في مدرسة اللغات الشرقية، وقد اعتمد المستشرق الألماني هوبر تلك الطبعة في نقل شعر لبيد إلى الألمانية سنة 1891.

في سنة 1881 عاد إلى فلسطين وتعين قائمقاما في يافا، ثم بمرجعيون في السنة التالية، وبعدها تعين حاكما عاما على مقاطعة مولطكي في الشمال الغربي من تبليس الواقعة في الشمال الشرقي من تركيا، وهناك أتقن الكردية فوضع قاموسا أسماه التحف الحميدية في اللغة الكردية صدر في الأستانة سنة 1893. ويظهر أنه كان تصالح مع الباب العالي والسلطان عبد الحميد فعاد للعيش في الأستانة. وقد ذكره السياسي والكاتب البريطاني أمري في مذكراته "حياتي السياسية" ص 69 حيث يقول: إن يوسف ضياء شاب متحمس، تمتع في الماضي بحرية واسعة في البرلمان في نقد الدولة وسياستها وذلك يعود إلى أنه بدأ حياته في بيت عزت باشا سكرتير السلطان عبد الحميد وحتى في قصر السلطان وبحضوري كان يوسف ضياء الصريح يردد على مسامع الباشا الحديث عن شرور نظام عبد الحميد وهذا يسمعه بخنوع ويطلب منه فقط ألا يرفع صوته عاليا . كما قال عنه السياسي البريطاني المذكور في كتابه أن هذا الباشا العجوز ( سنة 1896م ) كان لطفه وكرمه يغمران حتى الجواسيس الذين يترقبون خطواته خارج بوابة داره.

وقد تردد يوسف ضياء على مجلس الشيخ جمال الدين الأفغاني في تلك السنوات حتى توثقت بينهما عرى الصداقة.

يوسف ضياء والصهيونية:

أظهر يوسف ضياء اهتماما بالغا في أمور السياسة والحكم، وأيد الإصلاح والتطوير خاصة في موطنه القدس، وبعد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية ومحاولاتها المنظمة تطبيق المشروع الصهيوني على أرض فلسطين تنبه الخالدي إلى هذا الخطر، وكتب في الأول من آذار سنة 1889 رسالة إلى تيودور هرتسل بواسطة حاخام الطائفة اليهودية في فرنسا وأحد زعماء الحركة الصهيونية " صدوق كاهن " وجاء في رسالته :" لا يمكن التغاضي عن حقائق الواقع التي يجب أخذها بالحسبان. ففلسطين تكون جزءا لايتجزأ من الإمبراطورية العثمانية وهي مأهولة اليوم بغير اليهود . ويقدس هذه أكثر من 390 مليون مسيحي وثلاثماية مليون مسلم، فبأي حق يطالب بها اليهود لأنفسهم ؟ إن الأموال اليهودية لن تستطيع شراء فلسطين، ولذا فإن امتلاكها لن يكون إلا بقوة المدافع والسفن الحربية ؛ إن الأتراك والعرب يعطفون على اليهود بشكل عام. ولكن هناك منهم من أصيبوا بحمى الكراهية لليهود مثلما حدث في أرقى الشعوب المتحضرة، كما أن المسيحيين العرب لا سيما الكاثوليك والأرثوذكس يكرهون اليهود بشدة. لذا حتى لو حصل هرتسل على موافقة السلطان عبد الحميد على المخطط الصهيوني فإن عليه ألا يفكر أنه سيأتي يوم يصبح فيه الصهيونيون أسياد هذه البلاد؛ ومن الضروري من أجل سلامة اليهود في الدولة العثمانية أن يتوقف تنفيذ المخطط الصهيوني عمليا. إن العالم واسع الأرجاء وفيه كثير من البلاد غير المأهولة التي يمكن إسكان ملايين اليهود المساكين فيها، ولعلهم  يجدون فيها السعادة والحياة الآمنة كشعب. وقد يكون هذا الحل الأمثل للمشكلة اليهودية ، فبحق الله اتركوا فلسطين بسلام".

ورد هرتسل على رسالة الخالدي في 19 آذار سنة 1899. فاقترح في رسالته أن يعيش اليهود بسلام في الدولة العثمانية مقللا من الصعاب والمشكلات التي قد تثور مع العرب. ثم أضاف: "إن الصهيونيين لا ينوون تجريد العرب من أملاكهم بل العكس سوف يثرون من جراء إدخال الأموال اليهودية للبلاد " ويظهر أن هرتسل حاول أن يوسط الخالدي عند السلطان عبد الحميد على الخطة الصهيونية ولذا فقد أنهى رسالته بقوله" إذا لم يوافق السلطان عبد الحميد على الخطة الصهيونية لتمويل ديون الإمبراطورية العثمانية، فإن الصهيونيين سيذهبون إلى بقعة أخرى من العالم"

توفي يوسف ضياء الخالدي سنة 1906م في العاصمة العثمانية اسطنبول، وقد ظل حتى آخر أيامه مثل صديقه الأفغاني مراقبا تحت عيون السلطان عبد الحميد، وقضى يندب حركة الدستور والإصلاح التي نشأت معه وآمن بها حتى آخر أيامه....

ـــــــــــــــ
*أرشيف الناصرة الفلسطيني..

*مصادر....

1. الموقع الرسمي لعائلة الخالدي..

2. أعلام فلسطين في العهد العثماني ..

3. ألأرشيف العثماني باسطنبول .
 
 
لمعرفة المزيد عن يوسف الخالدي اضغط هنا

21-2-2008 1:57 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
4/9/2010 1:01:06 AM
شعبان صوان
أعيدوا لنا هذا "الإستبداد"
العجيب أن هذا المنفي بسبب معارضته لمن وصف بالسلطان الأحمر،يتم تعيينه بعد هذا"النفي" إلى وطنه، في عدة مناصب رفيعة ويتجول أثناء ذلك في طول الدولة العثمانية وعرضها وخارجها بكل حرية ورفاه ويؤلف ما شاء له من الكتب ثم يعود ليعارض"المستبد"في قصره ولايوقفه أحد إلا لصوته المرتفع!!ألا يدل كل هذا على مدى الاستغفال الإستشراقي الذي أقنعنا بفكرة "الإستبداد" العثماني!!!!؟
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013