جديد الموقع
رؤى ومتابعات

حوار مع المترجم الفلسطيني صالح علماني

28-2-2011 1:55 AM

أجرى اللقاء: وحيد تاجا

تين وزيتون.. وحنظلة يقبع في إحدى الزوايا، تطل عليك القهوة الصباحية لترتشفها مع بضع تمرات تلقفَتْها أيدي صحون تونسية، منزله هو جزء منه، ذاكرته، روحه المرحة، تواضعه الجم.. كلماته الحيية، صنعت منه إنسانا هائما في سطور الخيال، يقبع وزوجه تحوم حولنا، تارة بالقهوة التركية .. وأخرى بالشاي المعطر، تلك هي اللحظات التي سرقناها من مترجم سرق اللغة من الأصل وأتى بها إلينا لنرسم وإياه معالم الإسبانية بحروفها المنقاة... ويطل علينا بسبعة وتسعين كتابا ورواية.. هي محصلة جهده الدؤوب خلال أكثر من ثلاثين عاماً في ترجمة أدب أمريكا اللاتينية، والأدب الإسباني عموماً .

هو ذاك المترجم الفلسطيني صالح علماني الذي اقترضنا من هدوئه لحظة....

* الإسبانية... تلك اللغة البعيدة عن العقول العربية، حتى وقت مضى. كيف جُذبت إليها وتعايشت فيها؟

** ذهبت إلى إسبانيا لدراسة الطب، حيث تعلمت اللغة في معهد تعليم اللغات، وأتقنت اللغة بشكل أكاديمي، ولكني لم أستطع متابعة دراستي بسبب وضعي المادي لأنني من أسرة فقيرة ولم أحتمل أن تمدني عائلتي بالمال، فتحولت إلى دراسة الصحافة..والتي تركتها أيضا بعد عام واحد لأنني اكتشفت أن دراستها صعبة للغاية، وربما كانت أصعب من دراسة الطب نفسه، إذ يجب أن تقرأ عن كل شيء لأنك بحاجة لثقافة واسعة وفي كل الميادين، وقد تعارض هذا مع انشغالي بالعمل لذلك لم أكمل دراستي واتجهت كليًّا إلى العمل.. اشتغلت في الكثير من المهن ابتداء من عامل بناء إلى عامل في الميناء إلى عامل في مزارع الفواكه، وقد أتاحت لي هذه الأعمال فرصة التعرف على قاع المجتمع الإسباني عن كثب.. الأمر الذي أعطى لترجماتي الكثير من الحيوية، وفي نفس الوقت كنت أذهب باستمرار إلى برشلونة ألتقي مع المثقفين والفنانين والأدباء، وقد ساهمت قراءاتي عن تاريخ الأدب الأمريكي ومن ثم سفري إلى كوبا ودراستي فيها تاريخ أمريكا اللاتينية لمدة ستة أشهر في درجة معرفتي وإتقاني للغة الإسبانية بشكل جيد سواء على الصعيد الأكاديمي أو لغة الشارع.. وعندما عدت إلى دمشق جلبت معي شحنة هائلة من الكتب من كوبا لأن أسعارها هناك كانت رخيصة جدا.

* وكيف بدأ مشوارك مع الترجمة.. وما هي أول رواية قمت بترجمتها؟

** من الجميل الذكر بأن الروايات لم تكن باكورة ترجماتي. فقد بدأت الترجمة في برشلونة حيث كان بعض الأصدقاء المهتمين بالقضية الفلسطينية يطلبون مني ترجمات عن فلسطين مثل مقررات المجلس الوطني الفلسطيني فكنت أقوم بترجمتها وهم ينشرونها في مجلة يصدرها الحزب الشيوعي الإسباني ، وهنا كانت بداياتي مع طريق الترجمة الطويل، فالأساس في وظيفة الترجمة برأيي هو التواصل وإحالتها إلى أداة وسيطة بين اللغات،.. و في مرة بينما كنت أتسكع في إحدى مقاهي برشلونة التقيت صديقا وتحدثنا عن الأدب وحدثته عن الروائي الفلسطيني غسان كنفاني، وكان يحمل الطبعة الأولى من رواية ماركيز "مئة عام من العزلة" فقدمها لي ونصحني بقراءتها، عندما بدأت قراءتها، شدتني واقعيتها السحرية ولغتها العجائبية، وقررت أن أترجمها إلى العربية. وبالفعل ترجمت فصلين ثم أهملتها، لكن ماركيز ظل يشدني، فترجمت قصصاً قصيرة له، ونشرتها في الصحف المحلية ، وكانت باكورة ترجماتي الروائية هي روايته (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه)، وقد صدرت الرواية في بيروت ولاقت رواجا كبيرا وكتبت عنها كل الصحف، وأذكر أن الناقد حسام الخطيب، كتب في حينها أن شاباً فلسطينياً يترجم أدباً مجهولاً لقراء العربية”. هذه الملاحظة لعبت دورا كبيرا في حسم أمري لصالح الترجمة إلى درجة أنني مزقت مخطوط رواية كنت قد بدأت بكتابتها وقلت لنفسي: أن تكون مترجماً مهماً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً.

 * ما الذي شدك إلى الواقعية السحرية ومن ثم أدب إيزابيل الليندي؟

** ربما الذي شدني إلى الواقعية السحرية هو تلك البساطة في الحروف وتماهي الخيال وانخراطه بالواقع بتفصيلات صغيرة، وهو ما يظهر بوضوح في قصص ماركيز وفارغاس وغيرهما... إضافة إلى تصورات المجتمع عن ذاته خاصة التصورات التي تقوم على الأوهام والغرائبية وتفسير الظواهر المادية تفسيراً خرافياً، وهذه حالة تنتشر في المجتمعات التي لم تزل بين بين، حيث يكون فيها بعض المظاهر الحداثية المادية والاقتصادية وبجانبها نجد بقايا من ثقافات بدائية ويتجاور النموذجان حيث يشكلان صورة فعلية للواقع الاجتماعي كما في أمريكا اللاتينية، وكما يؤكد ماركيز أن النص السحري هو أكثر واقعية وإن كان يتناقض ظاهريا مع النص الواقعي. إن هذه الواقعية ليست واقعية يتم تغيير شكلها بإضافة منظور سحري، وإنما هي واقع سحري بحد ذاته. وقد تستغرب إذا قلت لك إنني أجد تطابقا كبيرا بين مجتمعاتنا العربية وبين المجتمعات في أمريكا اللاتينية.. هذا كله شدني إلى ذلك السحر في أدب ماركيز وفارغاس وغيرهم من الذين أذهلوا العالم بأعمالهم، وللأسف فأنا لم أترجم كل من ينتمون إلى جيل الواقعية السحرية،  بل ترجمت لكُتَّاب آخريين متميزين جدا سابقين لهم، واللافت أن ظهور جيل الواقعية السحرية تسبب بالانتباه إلى الكتاب الذين سبقوهم.

أما بالنسبة لروايات إيزابيل الليندي، والتي كانت تخط خطا مختلفا عن هذا الجيل، فقد لعب رواج كتبها وإلحاح الناشرين دورا كبيرا في ترجمتي لأعمالها.

* إلى أي مدى يكون المترجم أمينا على النص الذي يترجمه؟
 
** الأمانة شيء نسبي في العمل المترجم.. لأن الأمانة وحدها لا تبرر تخريب النص الأصلي، فالرواية المترجمة لا يمكن أن تكون مثل الرواية الأصلية بحال من الأحوال، فالنص ليس هو اللغة أو الكلمات فقط.. وإنما هو الإيحاءات الموجودة وراء هذه الكلمات.. هناك الروح التي تملي عليك صف الكلمات بهذا الشكل أو ذاك.. ومن هنا نجد العديد من المترجمين الذين يرتكبون آثاماً لا تغتفر باسم الترجمة الحرفية. فالأمر بوضع كلمة بدل أخرى، بل بتشكيل جغرافية النص جمالياً ومعرفة أسرار اللغتين، اللغة الأم واللغة المترجم عنها.

  * ولكن الواقعية السحرية حالة صعبة، فإلى أي درجة يمكن أن تعيش هذه الحالة حتى تستطيع أن تترجم النص؟

** هذا صحيح، الواقعية السحرية صعبة جدا....أنا عندما أترجم رواية ما أحاول أن أعيش حالة الكاتب وأقرأ الرواية أكثر من مرة حتى أستوعبها بشكل جيد وأعيش حالة كاتبها وأبطالها وتفاصيلها الدقيقة، وأذكر أن مدير معهد ثربانتس اتصل بي مرة بينما كنت أترجم رواية ماريو فارغاس يوسا "ليتوما في جبال الانديز"وسألني أين أنت لم أرك منذ أكثر من شهر فأجبته بشكل عفوي أنني في الأنديز، وكان هذا صحيحا لأنني كنت أعيش تماما حالة الرواية. والشيء الطريف أنني ومن خلال علاقتي مع الواقعية السحرية ومع أدب أمريكا اللاتينية أصبحت أشعر بقرب شعوب هذه المنطقة من شعوبنا، فعلى الرغم من البعد الجغرافي والاختلاف الظاهري في الثقافتين هناك تشابه كبير في أنماط الحياة وفي الكثير من الأمور، بل لأنني أشعر بقربهم أكثر مما أشعر بقرب أو بتشابه بيننا وبين إسبانيا والتي بقي العرب فيها ثمانية قرون.

* تتميز الواقعية السحرية بغزارة صورها الجميلة.. والسؤال كيف تعمل لنقل هذه الصورة إلى المتلقي؟

** بصراحة إن هذا الأمر ليس بالسهل أبدا، ولهذا قلت إن الرواية المترجمة لا يمكن أن تكون مثل الرواية الأصلية بحال من الأحوال، وهناك بعض من القراء يقولون لي، ربما من باب المحبة، إن ترجمتك أجمل من الرواية الأصلية، لكنني أرفض هذا الكلام لأن رواية ماركيز بلغتها الأصلية أجمل بمرات عديدة منها بعد الترجمة، فأنا نفسي أحس أن هناك شيئا مفقودا بعد الترجمة رغم كل محاولاتي إيصال أكبر شحنة ممكنة من روح ماركيز.. لكنني أحس أنني لم أعط كل ما هو موجود في الرواية.. ومن المستحيل أن تعطي وتوصل كل شيء.. هناك أشياء صغيرة ليس من السهل ترجمتها أو نقل ما تحمل من إحساس.. الكلمات كيفما حورتها لا تعطي نفس الدلالة ونفس الإحساس ونفس الحالة في سياق الرواية مع أن الكلام نفسه واللغة لغة، بينما في السياسة مثلا الكلمة تقابلها كلمة في لغة أخرى، أما في الأدب الموضوع مختلف، فعندما تضع الكلمة في هذا المكان تصبح دلالتها أكبر وأعمق مما لو وضعتها في مكان آخر.. وبالتالي قد لا تجد لها أحيانا المعادل التام والكامل عند ترجمتها. والقارئ لرواية مترجمة يستمتع بها لأنه لم يقرأ النص الأصلي.. هناك دائما شيء مهم ضاع من المعنى، وبلا شك فإن الترجمة تفقد النص أشياء كثيرة.

* هل من الضروري على من يترجم الروايات أن يكون روائيا ومن يترجم الشعر أن يكون شاعرًا؟

** قد لا يكون ضروريا على من يترجم الروايات أن يكون روائيا.. ولكن ترجمة الشعر مهمة خطيرة جدا وصعبة جدا وفيها خيانة كبيرة للنص الشعري، وبرأيي إن من يترجم الشعر لا بد أن يكون شاعرا مبدعا بقدر ما يجب أن يكون ملما باللغتين...

* ما الصعوبات التي يلاقيها المترجم خلال عمله؟

** في الغالب هي مشكلات مادية مثل مشكلات مع الناشر . فضلا عن افتقاد اللغة الإسبانية لمعاجم متخصصة وغنية (إسباني ـ عربي، أو عربي ـ إسباني)، إلى درجة أنه خطر ببالي مرة أن أعمل معجما اسبانيًّا ـ عربيًّا ولكني صرفت النظر عن الأمر لاحقا، أيضا يستطيع القارئ أن يشعر ببساطة بعدم وجود قدر كاف من الحيوية في الكثير من الترجمات، وقد ساعدني على تجاوز هذا الضعف عند العديد من الآخرين أنني تعايشت مع القاع الإسباني وعرفته بشكل جيد. أضف إلى هذا أن المفردات نفسها قد تشكل أحيانا عائقا أمام المترجم، حيت إن الكثير من هذه المفردات قد تستعمل في بلد ولا تستعمل في بلد آخر أو يختلف مدلولها بحسب اختلاف البلد، فالمفردة في الأرجنتين قد يكون لها معنى مختلف عنها في المكسيك أو في إسبانيا.

* هل الترجمات من الفرنسية أو الإنجليزية لها وقع أكبر من الترجمات الإسبانية ولماذا؟

** تعتبر الترجمة من الإسبانية حديثة قياسا لباقي اللغات الأخرى، فهي فعليا لم تبدأ إلا منذ حوالي  ثلاثين إلى أربعين سنة فقط، وكانت سابقا حتى وقت مضى يُعتمد بها على لغة وسيطة (الفرنسية أو الإنكليزية)، ولكن هذا يضعف من جودة النص النهائي، ورغم هذا تم إنجاز كم هائل من الأعمال المترجمة من الإسبانية إلى العربية على الرغم من محدودية المترجمين سواء في سوريا أو مصر أو في المغرب على الرغم من علاقتهم القوية باللغة الإسبانية، ومع الأسف لا يوجد أي تواصل بين المترجمين لمعرفة الروايات المترجمة.

 

* ما هي الأنواع التي تفرض ذاتها عليك وتناديك لترجمتها؟

** حقيقة، أنا أطالع عددا كبيرا من الكتب، ويساعدني كثيرا وجود الإنترنت حاليا في متابعة الصحف والمجلات الإسبانية، وقد يلعب اسم الكاتب دورا في اختياري رواية ما لقراءتها ولكن ليس بالضرورة أن أقوم بترجمة كل ما أقرأ من أعمال فقد يكون هناك اختلافات في الرؤى بيني وبين بعض الروائيين، فعلى سبيل المثال كتب فارغاس كتابا تحدث فيه عن رؤيته للقضية الفلسطينية، ورغم كون فارغاس من كبار الكُتَّاب إلا أنني لم أتفق مع رؤيته وتناوله للقضية الفلسطينية وشعرت بأنه لم يطلع على الصراع العربي ـ الصهيوني بشكل كامل، وبالتالي لم أترجم كتابه هذا في حين أنني ترجمت كتابه عن القضية الإيرلندية لأنه جاء بعد اطلاعه ودراسته لهذه المسألة بشكل معمق فجاءت من هنا أهمية الكتاب وبالتالي أهمية ترجمته، وهذا لا يعني أنني لا أترجم إلا ما أتفق معه ولكن هناك مسائل لا مجال لتجاوزها.

 * ما هي الصفات التي يجب أن يتمتع بها الإنسان كي يصبح مترجما في نظرك؟

** بالطبع تمكنه من اللغة الأصلية واللغة المترجمة، ولكن هذا وحده لا يكفي، بل يجب على المترجم معرفة الأديب الذي يترجم له بشكل جيد.. فهم خلفيته الثقافية والفكرية والتعرف على أعماله الأخرى حتى يستطيع التوغل في أعماق الكاتب ونقل أحاسيسه قبل نقل كلماته..     

* وكيف ترى حركة الترجمة في العالم العربي بشكل عام؟

** للأسف ليس هناك إحصاءات عن كم الترجمة في العالم العربي، مثلا ما يصدر في سورية من ترجمات لا يدخل ضمن أي إحصاءات مع أنه كم كبير ومنظم وما يصدر في البصرة أو بشكل عام في العراق أيضا لا يدخل ضمن أي إحصاءات، وباعتقادي فإن المكتبة العربية لا تفتقر إلى الثقافة العالمية حيث نرى ترجمات تغطي كافة المدارس الثقافية والفكرية وحتى العلمية من الإغريق حتى الآن. ففي الكويت مثلا تمت ترجمة أحدث المطبوعات العلمية والفكرية، كما في لبنان ترجمت دار الطليعة ودار الأدب كثيرا من كتب الأدب والفلسفة، وفي مصر أيضا ترجمت أعدادا كبيرة من الكتب الهامة. ولكن المشكلة أن معظم هذه الترجمات تقوم على مبادرات فردية.

في حين أنه على المؤسسات الثقافية والعلمية أنْ تتبنى الترجمة في عالمنا العربي، وقد رأينا أنه حين تتولى المؤسسات هذا العمل فإنها تنتج ترجمات جيدة كما حصل في الكويت حيث تمت ترجمة أهم المسرحيات العالمية، وهناك الآن في أبو ظبي مؤسسة تتبنى موضوع الترجمة، وأيضا قامت دولة قطر مؤخرا بإنشاء مؤسسة للترجمة، وفي بيروت مؤسسات تتبنى عملية الترجمة، وهناك جهات رسمية تحاول أن تمول ماديا موضوع الترجمة، وفي سورية قامت وزارة الثقافة بإصدار عدد مهم من الترجمات الجيدة من أفلاطون وحتى الأدب المعاصر.

28-2-2011 1:55 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013