جديد الموقع
قراءات ودراسات

أبو سلمى "زيتونة فلسطين"

8-8-2007 1:29 AM

آخر رواد الشعر الفلسطيني الحديث

بقلم: ياسر علي


الشاعر عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى"

أبيات شعر قصيرة، أدخلت الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" إلى كل بيت، تلك الأبيات التي رافقت الزخرفة التراثية وزينت خريطة فلسطين المعلقة في البيوت الفلسطينية، وكانت أشهر الأشعار الفلسطينية على الإطلاق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وقد أنشدها كبار منشدي القضية الفلسطينية؛ وطنيين وإسلاميين! وهي:

يا فلسطين ولا أغلى ولا أحلى وأطهر

كلما حاربت من أجلك أحببتك أكثر

هذه الأبيات التي تجعل من الابتلاء والصبر على المعاناة فعلَ حب، وليس فعلَ شكاية، يعرّفها بعض النقاد الغربيين نوعاً من «الكافكاوية» (نسبة للأديب الأوروبي كافكا)، التي تختلط فيها المازوشية (الاستمتاع بتعذيب الذات) مع حب التعبير عنها.

لم يعد نضالُ الفلسطينيِّ وسيلة من أجل تحرير بلاده فقط، بل صار غاية في حد ذاته، ووصل الأمر بالفلسطيني أن يدعم كل حركة تحرر ويتفاعل شعورياً (على الأقل) مع أي حركة مقاومة للظلم والاحتلال. ولم يعد نضاله من أجل أرض فقط أو من أجل عودة فقط، بل تخطى نضاله مفهوم الحرية وصراع الحدود إلى صراع الحق والباطل. وانغرس في نفسه حب الحق والعدل، ضد الباطل والظلم. فصار فعل الجهاد والمقاومة، فعل حب وتضحية وليس فعل جهد ومعاناة وصبر على المكاره حتى يأتي الفرج.. فهو لم يعد يهمه أمام متعة محاربة الظلم (والأجر فيه) أن يحقق النصر اليوم، لأنه على ثقة أن النصر سيتحقق عاجلاً أم آجلاً. وبالتالي هو يفرح بسيره في »الطريق إلى النصر«–ربما- أكثر من فرحه بالنصر ذاته.

لا تعني شهرة هذه القصيدة أنها أفضل ما كتب أبو سلمى، ولكنها القصيدة التي عُرف بها.. تماماً كما عرف محمود درويش بقصيدة "سجل أنا عربي" التي بات يكرهها لكثرة ما طغت على حضوره.

ولكن لا شك أن هذه الأبيات هي من أشهر ما كتبه بعد قصيدته الشهيرة:

انشر على لهب القصيد         شكوى العبيد إلى العبيد

شكوى يرددها الزمان           غداً إلى الأبد الأبيد

من هو أبو سلمى؟

الكرمي، نسبة لطولكرم، حيث ولد الشاعر الفلسطيني الراحل عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) في مدينة طولكرم عام 1909م. والده العلامة الشيخ سعيد الكرمي، الذي شغل مناصب علمية وقضائية بارزة في سوريا والأردن قبل وبعد نكبة عام 1948، مثل: نائب رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، قاضي قضاة الأردن، رئيس مجلس الشورى ومجلس المعارف ورئيس المجمع العلمي الأردني.

تنقل مع والده، فتنقلت دراسته بين طولكرم ودمشق والسلط ثم دمشق. حيث أنهى الصف الثالث الابتدائي في طولكرم، وانتقل مع والده إلى دمشق حيث أنهى فيها المرحلة الابتدائية. ثم درس الإعدادي والثانوي في السلط بالأردن، وأتمّ دراسته الثانوية في مدرسة التجهيز ودار المعلمين بدمشق، حيث نال شهادة البكالوريا السورية في حزيران 1927، وذلك في دمشق حيث كان أخوه أحمد صاحب جريدة »الميزان«الدمشقية.

عاد إلى القدس في وقت متزامن مع عودة مجدد الشعر الفلسطيني إبراهيم طوقان من دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت، فكان ثاني ثلاثة بعد طوقان وقبل جلال زريق جددوا الشعر الفلسطيني، بعد عهد طويل من الشعر التقليدي تسيّده في تلك الفترة »البذور المعمّمة (تعتمر العمامات) في الشعر الفلسطيني«(النبهاني، التاجي الفاروقي، والريماوي، وسعيد الكرمي، واليعقوبي)، ثم لحقهم الشهيد عبد الرحيم محمود ليشكلوا عصبة من رواد الشعر الفلسطيني. في القدس عمل مدرساً وساهم في الإذاعة التي كان يعمل فيها إبراهيم طوقان، وخلال تلك الفترة التحق بمعهد القدس ونال شهادة المحاماة.

ارتبط أبو سلمى برفيقة عمره، رقية حقي يوم 17/1/1936 وكان الزواج في مدينتها عكا (توفيت زوجته في 2/9/1978). ولم ينجبا »سلمى«ولكنه كان ينادى بأبي سلمى، لأسباب شعرية، منذ أن كان يدرس في معهد عنبر أيام المرحلة الثانوية في دمشق. ولكنهما رزقا سنة 1937 بابن بكر هو الدكتور سعيد الكرمي، الذي يعمل كطبيب متخصص في جراحة الكلى في الولايات المتحدة.

عندما بدأت الاضطرابات في حيفا، أرسل ولده وزوجته إلى عكا وبقي وحده في حيفا حيث كان مكتب المحاماة الخاص به. ولما اشتدت الاضطرابات لم يستطع الذهاب إلى عكا إلا بزورق بخاري عن طريق البحر حيث كانت المستعمرات الصهيونية منتشرة على الطريق البحري.

وسقطت حيفا بتاريخ 22 نيسان سنة 1948 في أيدي اليهود، يومها لم يستطع أن يأخذ أبو سلمى معه سوى مخطوط لرواية شعرية ألّفها عن ثورة عزالدين القسام وثورة 1936، مع مقدمة كتبها له الأديب المصري إبراهيم عبد القادر المازني. ثم غادر عكا في 28 نيسان 1948. وكان قد ترك الكثير من أشعاره في درج مكتبه، بعد أن أقفل عليها وأخذ مفتاحه على أن يعود بعد أسبوعين لمتابعة نشاطه المهني والأدبي، بعد تحرير فلسطين – كما وعدت الدول العربية- ولكن عكا أيضاً سقطت في 16 أيار سنة 1948. وصارت تبعد أشعاره التي ودّعها في حيفا كلما احتل العدو أرضاً جديدة. وحمل أبو سلمى في جيبه إلى جانب »مفتاح العودة«مفتاحاً آخر هو »مفتاح الشعر«الموعود بالعودة إليه مهما طال الزمان.

بعد النكبة سكن دمشق، وما أدراك ما دمشق بالنسبة لأبي سلمى؟

إذا كانت كنية "الكرمي" تنسبه إلى طولكرم؛ مدينته الفلسطينية التي ولد فيها، فإن مدينة حيفا كانت حبه الأثير. فهو محاميها الشهير، وشاعرها الوفي. وقد اختار أبو سلمى لحيفا ضرّة عربية هي دمشق التي درس فيها قبل النكبة ولجأ إليها بعدها، وعلى كثرة أسفاره في الدنيا شاعراً ومعرّفاً بالقضية الفلسطينية، فإنه لم يغير عنوانه الدمشقي، حتى بعد أن أغمض عينيه إلى الأبد 11 تشرين الأول سنة 1980 في العاصمة الأمريكية، بين يديّ ولده الوحيد، الدكتور سعيد الذي حرص على نقله، بناءً على وصيته، إلى دمشق، حيث شهدت العاصمة السورية، في وداعه، واحداً من أكبر مواكب التشييع في تاريخها إلى مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك لم تشهد مثله سابقاً.

تلخص سيرة حياة أبي سلمى تاريخ الثقافة الفلسطينية المعاصرة –كما يقول الأديب يحيى يخلف- فهذا المحب العاشق المنتمي القسامي الكادح الشاهد، كان من أوائل المبدعين الذين تجاوزوا النظم وصنعوا الشعر. جذوره العميقة ضاربة في تربة التجربة الكفاحية، غنى الثورات وانحاز إلى الشعب فكان نقشاً حضارياً على صفحة الكفاح الفلسطيني.

إنتاجه

رغم أن رفاقه أصدروا عدة مجموعات شعرية في فلسطين، إلا أن هذا الشاعر الكبير لم تصدر له أي مجموعة شعرية في فلسطين، بل كانت قصائده موزعة على الصحف والمجلات وعلى أفواه المعجبين وفي ذاكرة الحفظة.

وقد استدرك بعد النكبة هذه الهفوة، فجمع قصائده بقدر ما حفظت ذاكرته والأرشيف، وأصدرها في مجلد واحد بعنوان "ديوان أبي سلمى – عبد الكريم الكرمي"، وأضاف إليها مجموعاته التي أصدرها بعد النكبة، مع القصائد التي لم يدركه الوقت لتثبيتها في مجموعة مستقلة والمجموعات التي أعطاها عناوين محددة، وأصدرها فرادى، ثم في ديوانه الكبير، هي:

- المشرد: 1953.

- أغنيات بلادي: 1959.

- أغاني الأطفال: 1964.

- من فلسطين ريشتي: 1971.

وذكر، في مقدمة ديوانه، أنه كتب مسرحية شعرية تبدأ بكفاح الشيخ الشهيد عزالدين القسام وتؤرخ فنياً لتلك المرحلة النوعية من تاريخنا، وأن الكاتب العربي الكبير إبراهيم عبد القادر المازني قد وضع مقدمة لهذه المسرحية المفقودة، التي يُظن أنها سرقت من الشاعر بعد الهجرة من فلسطين. ولأبي سلمى ثلاثة كتب غير شعرية، هي:

- كفاح عرب فلسطين: منشورات مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين - دمشق – 1964.

- أحمد شاكر الكرمي، مختارات من آثاره: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1964.

- الشيخ سعيد الكرمي: المطبعة التعاونية، دمشق، 1973.

وهناك العديد من أعمال الكرمي ما زالت مخطوطة، ولم تذكر في أعماله الكاملة. وفي هذا أصدرت الدارسة العربية السورية، المرحومة غادة أحمد بيلتو كتاب "الديوان الآخر" وهو مختارات واسعة من أشعاره غير موجودة في أي كتاب. ومن الأهمية بمكان أن بين هذه القصائد واحدة مكتوبة حسب نظام التفعيلة.

يقول الكاتب الفلسطيني أحمد دحبور أنه رأى أبا سلمى، أول مرة وهو فتى، في حمص عندما كان يلقي محاضرة من كتاب مخطوط له حول الشاعر الأردني "عرار". وأنه سأله بعد عشرين سنة، عن هذا المخطوط "فأعطاني جواباً غامضاً بقوله: كل شيء موجود"..

نال أبو سلمى سنة 1978 جائزة اللوتس العالمية للآداب، من كتّاب آسيا وإفريقيا، وهو رابع أديب فلسطيني ينال هذه الجائزة بعد كمال ناصر وغسان كنفاني ومحمود درويش.. وباعتقادي أنه أكثرهم جدارة في نيل هذه الجائزة، لأنه أقلهم "أسطرة" في صورته الفلسطينية، فالأول والثاني قضيا اغتيالاً والثالث خرج مطارداً من فلسطين، أما هو فيشترك معهم بصفة اللاجئ، ولا يضيف إلى كينونته السياسية أية صفة أخرى تساهم في "أسطرة" الصورة وكاريزما الشخص.

قراءة في أبي سلمى

من أوائل الثلاينيات حتى أوائل الثمانينيات..

إن شخصاً غطى هذه الفترة من حياة فلسطين شعراً ليستحق أن يكرس مؤرخاً للقضية الفلسطينية قبل أن يكون شاعرها، ولقب شاعر القضية ليس بعيداً عنه، فقد أطلقه عليه بعض النقاد، فهو "زيتونة فلسطين"، و"شاعر القضية"، و"أبو شعراء فلسطين"..

لقد أنشد أبو سلمى الشعر للقضية بما تمثله من أرض وشعب وسياسة وإنسان وفكر وهموم وحب وجمال والتزام..

شعر أبي سلمى معروف بالتزامه بالقضية (وله في هذا قصة سنرويها في لاحقاً)، وهو التزام نابع من روح الشعب وعزيمته ومسيرته النضالية. لم يتزعزع موقفه ولم تهتز قصائده ولم يخفت وهج مشاعله. رغم الإغراءات والتهديدات التي تعرض لها في حياته.

غير أن هذا الالتزام لم يكن يعني التحجر والانكفاء، بل زاده من وهجه التجدد الذي تميز به شعر أبي سلمى، حتى كان يتفاعل مع الشعراء الشباب ويحاورهم ويمازحهم، كما ذكر رشاد أبو شاور في كتابه "آه يا بيروت". وكان عملاقاً ورائداً ومتفاعلاً في السبعينيات كما كان في الثلاثينيات.

وقدرته على التجدد - كما يرى ناجي علوش - تعود لعاملين:

الأول: أصالته، ونفسه الشعري الدفاق.

الثاني: ارتباطه الصادق بشعبه، وعلاقته الحميمة به.

وتلتقي هنا الأصالة بالحب، النفَس الشعري الفوار بقوة الالتزام الصادق وزخمه. ولذلك ظل أبو سلمى يتجدد.

8-8-2007 1:29 AM
التعليق
الاسم
عنوان التعليق
البريد الالكتروني
المهنة
التعليقات
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة مؤسسة فلسطين للثقافة - © 2013